أحيانا يخيل للمرء أن الحضارة البشرية تقدمت وارتقت, وخاصة في العصور الحديثة لابفضل الاختراع والمخترعات, ولكن بفضل الاكتشاف والمكتشفات. وبديهي أن الاختراع هو اصطناع شيء لم يكن موجودا من قبل في حياة الناس في حين أن الاكتشاف هو معرفة شيء هو في الأصل كائن وموجود, ولكنه كان بانتظار أن يتعرف عليه إنسان وأن يضعه من ثم في خدمة حياة البشر وتقدمهم ورفاههم. وبديهي أيضا أن القصد في هذا السياق ليس المفاضلة بين أهل الاختراع وأرباب الاكتشاف وإلا عدنا الى حكاية المفاضلات أو المناظرات الساذجة في بعض الأحيان التي كان معلمونا يطلبون فيها من تلاميذهم أن يعقدوا المناظرات بين القرية والمدينة, أو بين البادية والحاضرة أو بين القطار والسيارة, وبالمناسبة كان البعض منا قد بلغ رقة الأحوال لدرجة لم يعرف يوما تجربة السفر لا بالقطار ولا بالسيارة دع عنك تجربة المفاضلة بينهما. قل سيروا في الأرض مع ذلك فقد نظن أن الاكتشاف وليد المعرفة وأن الخالق عز وجل يؤكد دوما لجموع المخلوقين على أن يجيلوا النظر من حولهم وأن يتعمقوا حكمة الخلق ويحاولوا أن يسبروا أغوار الكون بكل آلائه وموجوداته حيث الكل مسخر للبشر والمطلوب هو (اكتشاف) القوانين ومعرفة النواميس التي تتحرك وفقها هذه المخلوقات والموجودات. ولعل في هذا الجانب تكمن دعوة السماء الى الانطلاق سائرين في أنحاء كرة الأرض كي ينظروا كيف بدأ الخلق, وتكمن أيضا الدعوة الى أن يتأمل الناس ذاتهم ويسبروا أغوار أنفسهم لعلهم يبصرون.. لعلهم يدركون حكمة الضوابط التي يسير الكون وفقها وقد خلق كل شيء فيه بقدر. انجازات القرن 19 ونحسب أيضا أن البشرية لاقت جانبا من حظوظها السعيدة منذ بواكير القرن التاسع عشر والى خواتيم القرن المذكور الذي بدأ باكتشاف الانسان طاقة البخار وقد كانت موجودة فاذا به يكتشفها ثم يحرك بفضلها قاطرة البر وغليون البحر. ثم كاد القرن يختتم باكتشاف طاقة الكهرباء وقد كانت متاحة فقط لمن يدرك جوهرها, ويعرف قوانينها فاذا بها الكهرباء تحدث ثورتها المعروفة الراهنة في زماننا في دفع طاقة الحركة وفي تفجير ثورة الاتصال وسطوة الميديا وصولا الى صاعقة الحواسيب الالكترونية التي مازلنا نعايشها حتى كتابة هذه السطور. وإذا كان القرن التاسع عشر قد بدأ استهلاله وختم عقوده العشرة بكشفي البخار والكهرباء.. فإن القرن العشرين جاء جافيا وغليظا حين استهل عقده الثاني, ولما يزل القرن في بواكير صباه بحرب عالمية عاتية ضروس دامت نحو 1500 يوم من عمر ذلك الزمان بكل ما حفلت به من كوارث ومآس ومعاناة للبشر فاقت كل الحدود. بل أن السنوات العشرين التي أعقبت تلك الفاجعة الكونية, وكانت من اقتراف البشر كانت من حيث تحليلها الأخير مجرد هدنة متوترة متحفزة تُلعق فيها الجراحات وتُسترد خلالها الأنفاس وتُتخذ أثناءها الاستعدادات لمعاودة الصراع العالمي الضاري من جديد وحتى تلك الهدنة شهدت خيبة أمل في منظمة عصبة الأمم وشهدت آفة الركود ثم الكساد الكبير التي شحّت خلالها الأقوات وانقطعت سبل الأرزاق وتجلى فيها افلاس نظام الرأسمالية وخاصة في النصف الأوروبي الأمريكي من العالم.. هي نفس الفترة مابين الحربين كما يسمونها التي شهدت بالنسبة للعالم الثالث ضراوة في اشتداد قبضة الامبريالية والاستغلال الاستعماري وشهدت بالنسبة لوطن أمتنا الاستعداد لانشاء أبشع مشروع استيطاني كولونيالي في التاريخ مجسّدا في اقامة اسرائيل على أرض الشعب العربي الفلسطيني.. السموم.. والدواء ومع ذلك.. فعندما نشبت من جديد حرب عالمية ثانية وعاودت البشرية محنة الاقتتال الكارثية.. ظل يصدق على تلك التجربة البشرية الدموية والمريرة قولة شاعرنا شوقي المأثورة: (ومن السموم الناقعات دواء) . ففي ظل هذه الحرب الضروس وتجاربها واحتياجاتها ودروسها المستفادة.. قُيض لعلوم وتخصصات ولأجهزة وطاقات أن تنشأ وتتطور أو تُكتشف أو تجد طريقها الى التصنيع والطرح في الأسواق.. أجل شهدت البشرية مثلا نشوء علم الاتصال الجماهيري (الاعلام) وتطور علم النفس بكل فروعه وانتاج وتشغيل أجهزة الرادار بكل أهميتها الحيوية وأخيرا اكتشاف قوانين تحطيم الذرّة وتفجير الطاقة النووية التي كانت كما لايخفى عليك سمّا ناقعا دمّر هيروشيما ومحق نجازاكي في اليابان ولكنها مالبثت أن شكلت رادعا هو الرادع النووي يحول دون العودة الى اشتباك كوني يؤدي الى حرب عالمية ثالثة فضلا عما أفضى اليه الرشد الانساني حين وضع الطاقة النووية في خدمة أغراض سلمية أهمها أغراض الطب والعلاج. كل هذا أسلم الى نصف القرن الحافل هو الشطر الثاني, الأخير من القرن العشرين الذي جاء أول عقوده, الخمسينيات مبشرا بآفاق جديدة من التعاون الدولي بعد انشاء الأمم المتحدة عام 1946 ومن التعمير في أوروبا بالذات بفضل مشروع مارشال الأمريكي ثم في أنحاء أخرى من العالم وكان يعد بذلك انشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين خرجا من رحم الاتفاقات النقدية المالية الدولية الشهيرة في (بريتون وودز) وكان ذلك وعدا لم يتحقق بالنسبة لأقطار وشعوب عديدة في ما أصبح يعرف ولايزال باسم العالم النامي الثالث. جاءت الخمسينيات كما يقول الباحث الأمريكي جاك فريمان لتشهد سقوط وتداعي الامبراطوريات (الامبريالية) القديمة, وكان ذلك في إطار حركة تصفية الاستعمار وكان أبرز معالم هذا التصدع وتلك التصفية انهيار الامبراطورية الاستعمارية الفرنسية بعد معركة (ديان بيان فو) في فيتنام عام 1954 وانهيار الامبراطورية الاستعمارية البريطانية بعد أحداث تأميم قناة السويس ومعارك بورسعيد وصّد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وهو ما أصبح يعرف في حوليات التاريخ العالمي المعاصر باسم معركة السويس وكان بطلها جمال عبدالناصر. لقد بدأ عقد الخمسينات بشعار (اهورو) الحرية يتردد في أدغال افريقيا المتطلعة الى الاستقلال وانتصف العقد بانشاء حركة عدم الانحياز على يد زعمائها الثلاثة نهرو وتيتو وناصر ولكنه اختتم بانجاز فازت به أوروبا الغربية حين وضعت أولى اللبنات لانشاء السوق الأوروبية المشتركة. أما عقد الستينيات من القرن العشرين فقد استهل مراحله الأولى بعام 1960 الذي أصبح يعرف باسم عام استقلال أفريقيا ولم يكن صدفة أن يشهد العام المذكور أيضا انعقاد الدورة التاريخية للجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر 1960) وتعرف باسم دورة الرؤساء إذ حضرها زعماء وقادة ورؤساء من جميع أنحاء العالم, وبالنسبة لنا كانت الدورة التي استمعت الى خطاب سياسي استخدمت فيه اللغة العربية لأول مرة في التاريخ وألقاه عبدالناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) كما كانت تعرف يومذاك. في الستينيات أيضا اندلعت ظاهرة من الأمل والاستبشار سادت العالم الثالث المحروم على وجه الخصوص وحملت اسمها العتيد (ثورة التوقعات) فكم ظن أهل الستينيات يومها أن المسألة بسيطة وأن الاستقلال السياسي هو الحل السحري أو البلسم الكفيل بشفاء الشعوب من كل أدواء التخلف وميراث التبعية وشظف الحرمان.. لكن المسألة كانت أعقد من ذلك بكثير على مستوى الخارج عمدت المصالح الغربية الى تبديل جلودها من الاستعمار العتيد والعتيق الى الاستعمار الجديد الذي تدار فيه أقدار الشعوب من عواصم الاستعمار القديمة ومن بورصاته ومصارفه ومؤسساته العملاقة متعددة الجنسيات ومن احتكاراته التي تتحكم في أسعار الخامات والواردات.. وعلى مستوى الداخل استهوت الزعماء الجدد وكانوا مناضلي الأمس في العالم الثالث شارات الرئاسة وخلبت ألبابهم الى حد الغواية مظاهر السلطة فكان أن تشكلت من حولهم, ومن خلالهم أحيانا طبقا جديدة حلت محل الاستعمار والاستغلال القديم في ممارسة القهر والتربّح واستغلال النفوذ.. وكانت النتيجة مؤسفة ومؤسية الى حد فاجع وبعيد.. ارتفعت أعلام الاستقلال في حين ظلت أحوال الحرمان والظلم والفقر المدقع مسيطرة على حياة المستضعفين من البشر في أدغال آسيا وغابات افريقيا ومستوطنات أمريكا الوسطى واللاتينية. ولما كان ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس كما قال الشاعر القديم فقد تحولت فورة الآمال أو ثورة التوقعات الى كابوس الاحباطات الذي مالبث أن أفرز على مستوى العالم الثالث أيضا موجات من العنف والرفض والتمرد أو الانعزال أو الهجرة أو الوقوع فريسة اليأس العقيم والقنوط. هكذا جاء عقد السبعينيات من القرن العشرين ليشهد ثورة الاحباطات وقد طرحت ثمارها المريرة. ومع ذلك كان العقد المذكور رفيقا بالأمة العربية إذ شهدت بواكيره اسقاط أسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لايقهر وجاء ذلك بفضل ان انجازات الجيشين المصري والسوري وصمود ومؤازرة باقي الشعوب العربية في حرب أكتوبر عام 1973 مع ما أعقب ذلك من ازدهار الاقتصادات النفطية وازدياد نفوذ منظمة الأوبك. ومع ذلك شهدت السبعينيات الأقطار النامية مثقلة بفادح الديون ومطالبة في الوقت نفسه باصلاح هياكلها الأساسية ونظمها التعليمية والاجتماعية فيما هي ترزح بل تئن تحت وطأة خدمة الديون. ولكن استطاع العالم أن يحقق انجازا نوعيا كبيرا حين عقد مؤتمر ستوكهولم ليكون أول تجمع دولي يبحث في شأن البيئة و يخلق الوعي لأول مرة في التاريخ بالعلاقة العضوية بين عنصر البيئة وعملية التنمية ومن ثم فقد أنزل قضايا البيئة (الايكولوجيا) من أبراج الأكاديميا لتصبح إحدى قضايا الاهتمام الشعبي العام وهو ما عزز بدوره المقولة المحورية التي تقول بأن الانسان هو صانع التنمية وهو أيضا هدفها المنشود. وأكثر من هذا.. حاول القوم في عقد السبعينيات أن يأخذوا بيد العالم الثالث كي لايسقط فريسة الضائقة الاقتصادية التي تخنق الانفاس وتخلق الإحباطات التي عادة ما يولد في رحمها تيارات الغضب الدموي والارهاب.. وأدت هذه الأنماط الرشيدة كما نسميها من السلوك الدولي الى أن اتفقت ست من الدول الصناعية المتقدمة ومعها خمس من الدول المصدرة للبترول على انشاء حساب خاص تابع لصندوق النقد الدولي ويمول هذا الحساب الخاص من واقع تبرعات الدول المذكورة وبحجم ميزانية وصلت بأسعار آخر السبعينيات الى عشرة بلايين من الدولارات بحيث يتاح للدول النامية, ومنها أفقر دول العالم وأقلها نموا, أن تقترض بشروط ميسرة من هذا الحساب الخاص لكي تواجه احتياجاتها الماسة في مجالات التنمية ورفع مستوى معيشة أهلها ومعالجة التخلف الاقتصادي والتهميش الاجتماعي ولو على سبيل المحاولة أو على سبيل أضعف الايمان. الجزء التالي يتم وضعه داخل إطار في قلب االموضوع: (.. ولكن عندما نشبت من جديد حرب عالمية ثانية وعاودت البشرية آلام الاقتتال الكارثية.. ظل يصدق على تلك التجربة الدموية والمريرة قولة شاعرنا شوقي: (ومن السموم الناقعات دواء..)