شرعت الجزائر وحلف شمال الاطلسي في اتصالات رسمية في اطار الحوار الاطلسي ـ المتوسطي. ويضع هذا التقارب نهاية لغياب الجزائر عن هذا الحوار الذي اقامه الحلف مع بلدان متوسطية في 1995 ومنذ نهاية الحرب الباردة بدأ الحلف يؤكد على اهمية الحوار مع دول الضفة الجنوبية، من الحوض بعد ان تعاظمت اهميته اثر انهيار الاتحاد السوفييتي الاسبق ومنذ فبراير 1995 قرر الحلف الشروع في حوار مع الدول المتوسطية حيث اجرى مشاورات مع مصر والمغرب وتونس والاردن بينما غابت الجزائر عن هذا الحوار وهذا الغياب مرده الازمة الداخلية في الجزائر التي اولتها الجزائر اهتماما كبيرا سبق اهتماماتها الدولية الاخرى وثانيها ان الحلف لم يكن يرغب في اجراء اتصالات علنية مع الجزائر ما دامت الامور السياسية داخل هذا البلد لم تتضح بعد وثالثها الخلاف بين الدول الاعضاء في الحلف حول تقويم الازمة في الجزائر مما حال دون انتهاج سياسة موحدة تجاه هذه الازمة. لكن كل ذلك لم يمنع الحلف من مواصلة الاتصالات عبر القنوات الدبلوماسية مقترحا على الجزائر الانضمام الى الحوار الاطلسي ـ المتوسطي. الا ان الجزائر ابدت تحفظات على هذا الاقتراح ورأت في عدم دعوتها للمشاركة في هذا الحوار محاولة لاقصائها عن ترتيبات امنية في المتوسط. وتؤكد مجموعة من المؤشرات على ان التقارب بين الجزائر والحلف الاطلسي منذ صيف 1998 يرجع اساسا الى الدور الامريكي في منطقة المغرب العربي, والتي تؤكد الادارة الامريكية ان النظام الجزائري بريء من التهم التي ادعت بضلوعه في المجازر التي وقعت في المدن الجزائرية الاعوام الماضية. كما ان الجزائر في المنظور الامريكي كانت تمر بمرحلة انتقالية صعبة من دون ان تلقى سندا دوليا في مواجهة ظاهرة الارهاب وهذه الظاهرة امتدت جذورها الى بعض الدول الاوروبية بل امتدت الى الولايات المتحدة الامريكية نفسها من خلال اقامة بعض عناصر الجماعات الارهابية في المدن الامريكية والذين روجوا لمواصلة الارهاب ليس في الجزائر فحسب بل حتى داخل الولايات المتحدة الامريكية نفسها. * الجزائر محور الشراكة المغاربية ـ الامريكية يعتبر الاقتصاد المدخل الرئيسي للاهتمام الامريكي بمنطقة المغرب العربي وفي اطار ما يسمى (الجيواقتصادية) اعتبر الامريكيون هذه المنطقة واعدة اقتصاديا وواحدة من اكبر الاسواق الناشئة في العالم وتزامن هذا التصور مع تغير القراءة الامريكية للازمة الجزائرية اذ بعدما بدت الولايات المتحدة مترددة بداية عبرت لاحقا عن دعمها الكامل للحكومة الجزائرية وللاصلاحات السياسية والاقتصادية ولنبذ الارهاب. وتعتبر الجزائر في المنظور الامريكي دولة محورية نظرا لامكاناتها الاقتصادية من جهة ولثقلها السياسي والاستراتيجي في المنطقة من جهة ثانية ووفقا لهذا التصور تعتبر الجزائر ايضا القطب الاقتصادي الاهم والمحرك لاية دينامية في المغرب العربي. ولترجمة استراتيجيتها المغاربية على ارض الواقع اقترحت واشنطن البحث في الشراكة الامريكية المغاربية عبر عنها (اتيوارت ايزن شتات) مساعد وزيرة الخارجية الامريكية لشئون الاقتصاد والتجارة اثناء جولته المغاربية في يونيو 1998 من خلال (اقامة شراكة اقتصادية بين الولايات المتحدة وبلدان المغرب العربي من اجل المساهمة في استقرار المنطقة وابرز مجالاتها تطوير القطاع الخاص والاصلاحات الهيكلية وتحرير التجارة الخارجية لكي تتماشى والتوجهات الاقتصادية الدولية وليس مصادفة ان يكون الاعلان عن تأسيس المنظمة العالمية للتجارة من المملكة المغربية. ولتعزيز هذا التوجه الامريكي الجديد كثف المسئولون في الادارة الامريكية زياراتهم للعواصم المغاربية (تونس والجزائر والرباط) ففي مارس 1998 زار مساعد وزيرة الخارجية لشئون الاوسط (مارتن انديك) تونس والجزائر والمغرب وفي مايو من السنة نفسها وصل الى الجزائر (بيار سالنجر) لتقديم تقرير عن فرص الاستثمار في الجزائر. وفي اكتوبر 1998 زار تونس مساعد وزيرة الخارجية الامريكية (رولاند نيومان) (سفير سابق في الجزائر) الذي جدد الدعوة الامريكية لاقامة شراكة اقتصادية بين الولايات المتحدة الامريكية وتونس والجزائر والمغرب واقترح عقد مؤتمر في واشنطن حول الاستثمارات في هذه الدول الثلاثة. وللحقيقة يمكن تفسير الاهتمام الاقتصادي الامريكي بالمنطقة وتحديدا بالجزائر انه ينم عن التخوف الامريكي من ان تستحوذ دول جنوب اوروبا في الاسواق الجزائرية لاجل ذلك سارعت واشنطن لاعلان تأييدها للتوجهات الجزائرية خاصة فيما يتعلق بتحرير التجارة الخارجية ومحاربة الارهاب لقطع الطريق امام الدول الاوروبية التي تسعى لاحتواء المنطقة وابقائها ضمن نفوذها الاقتصادي في اطار المحافظة على مصالحها الاستراتيجية في الترتيبات للنظام الدولي الجديد والذي لم تكتمل ملامحه بعد. * الشراكة الجزائرية الامريكية والقلق الفرنسي السياسة الامريكية تجاه الجزائر فسرتها بعض الاوساط الفرنسية في باريس انها سياسة تستهدف فرنسا ومصالحها في منطقة المغرب العربي لذا اثار اعلان واشنطن مبادرة الشراكة مع البلدان المغاربية ردود فعل في فرنسا التي رأت فيها رسالة تحد امريكية في منطقة نفوذ خاصة بها تقليديا. وشرعت بعض الصحف الفرنسية في تصنيف بعض المسئولين الجزائريين في فئة (رجال امريكا) لاسيما بعدما عجزت الشركات الفرنسية عن منافسة نظيراتها الامريكية في الجزائر حيث استحوذت الاخيرة على عقود ضخمة للتنقيب عن النفط واستغلاله في الصحراء الجزائرية الامر الذي اعتبرته باريس ارادة سياسية جزائرية لتهميش الشركات الفرنسية وتتخوف فرنسا التي تسيطر على ربع المبادلات التجارية الجزائرية اليوم من تقهقر مكانتها خصوصا ان الولايات المتحدة هي ثاني شريك اقتصادي للجزائر بعد باريس. لذلك يسعى الرئيس الفرنسي (جاك شيراك) وذلك منذ توليه الحكم الى تعزيز علاقاته بالدول المغاربية وتحديدا الجزائر لانه يدرك وهو الرجل الديجولي ان مصالح فرنسا ستتراجع في المنطقة امام الزحف الامريكي الجديد. ولا تقتصر المنافسة الامريكية الفرنسية في الجزائر على النفط فحسب بل تتعداه الى الجانب العسكري فمنذ شروع الجزائر في منتصف الثمانينيات في تنويع مصادر تسلحها تسعى واشنطن للفوز بالنصيب الاكبر من العقود العسكرية الجزائرية. * الشراكة الامريكية المغاربية والخلاف الجزائري المغربي على رغم المحتوى الاقتصادي للاقتراح الامريكي تلزم واشنطن الحذر بسبب الخلاف بين الجزائر والمغرب. فالشراكة الامريكية المغاربية رهن بتطور العلاقات الجزائرية المغربية وهذا ما ادركته واشنطن. وليس مصادفة ان بدا (مارتن انديك) جولته المغاربية السابقة من تونس قبل الجزائر والمغرب ومن تونس ايضا جدد (نيومان) دعوة بلاده لارساء قواعد شراكة من دول المغرب العربي بحثا عن توازن في سياستها. كما ارسلت واشنطن وزير الدفاع وليم كوهين الى الرباط حتى لا تفسر زيارة الاميرال الامريكي لوباز الى الجزائر انها انحياز لهذه الاخيرة. ويبدو واضحا ان الولايات المتحدة تعمل على تفادي اي تصعيد في العلاقات بين الجزائر والمغرب حتى لا يتعطل مشروعها الاقتصادي في المنطقة خاصة ان اهتمامها بالجزائر بين 1996/1997 اثار ردود فعل في المغرب حيث صرح رئيس الوزراء عبدالرحمن اليوسفي في نوفمبر 1997 (كان في المعارضة في حينه) ان واشنطن لا تهتم الا بالدول التي تملك النفط. * زيارة مسئول اطلسي للجزائر قام القائد العام للقوات الامريكية في اوروبا وقائد اركان قيادة حلف شمال الاطلسي في الجنوب الاميرال جوزيف لوباز في 10 اغسطس 1998 وبدعوة من قائد الاركان العامة للجيش الجزائري بزيارة ليوم واحد للجزائر حيث التقى مسئولين عسكريين جزائريين ووزير الشئون الخارجية الاسبق احمد عطاف وتكررت بزيارة اخرى الاشهر الماضية لقائد قوات الاسطول السادس الامريكي للجزائر. وعلى رغم التأكيد على ربط الزيارة بالحوار الاطلسي المتوسطي الا انها تعبر بالدرجة الاولى عن اهتمام امريكي برز من خلال حضور السفير هيوم اجتماع المسئولين الجزائريين ولوباز. ومن هذا المنطلق يمكن القول ان التقارب الجزائري الاطلسي هو حصيلة تفاهم بين الجزائر وواشنطن بعيدا عن العواصم الاوروبية وقد فتح هذا اللقاء وهو الاول من نوعه بين الاطلسي والجزائر الباب امام انضمام الجزائر للحوار الامني في المتوسط, وفي هذا السياق دعيت الجزائر للمشاركة في ندوة للحلف الاطلسي في لشبونة (3/4 سبتمبر 1998) وذلك لمعالجة التحديات البحرية وهي المرة الاولى التي تشارك فيها الجزائر في اجتماع اطلسي. وتشير المشاركة الجزائرية الى عزم الجزائر على المساهمة في الحوار الامني في المتوسط والى خروجها من شبه العزلة الدبلوماسية التي مرت بها البلاد خاصة بين 1992 و1995 كما ان التحولات التي تمر بها الجزائر في الداخل وتمكن النظام الجزائري من اعادة الامن الداخلي كان لهما انعكاس ايجابي على توجهات الجزائر الخارجية ولا ريب ان الجزائر اليوم تسابق الزمن لكي تترك بصماتها في الترتيبات الامنية التي تعرفها المنطقة وهي لا تريد ان تبقى بعيدة عن هذه المشاركة لانها تدرك انها ستحسر مواقع مهمة في النظام الامني المتوسطي الذي يجري الترتيب له. ولا بدا من التذكير بأن الجزائر كانت قد غابت عن ندوة الاطلسي التي عقدت في نابولي عام 1997 والتي شاركت فيها كل من مصر والمغرب وتونس وموريتانيا وبالتالي يعبر الحضور الجزائري في لشبونة عن تطور في الموقف الجزائري المتردد والحذر تجاه الاطلسي وقد صرح بن طلحة ان تنمية العلاقات مع الحلف اصبحت (ضرورة استراتيجية) . هذا التطور في الموقف الجزائري يأتي بعد تطور مماثل في موقف الحلف الاطلسي تجاه الازمة الجزائرية وذلك عبر ادانة الارهاب وكذلك اتجاه المتوسط ذلك ان الحلف اتخذ قرارا بتفعيل الحوار المتوسطي ومأسسته, ففي قمة مدريد 8 ـ 9 يونيو 1998 قررت الدول الاعضاء في الحلف الاطلسي انشاء لجنة التعاون في المتوسط لوضع اطار للحوار مع دول الضفة الجنوبية. * مناورات بحرية جزائرية امريكية نظمت الجزائر للمرة الاولى في تاريخها مناورات بحرية مع قوات غربية اذ قامت البحرية الجزائرية في 4 اكتوبر 1998 على بعد 25 ميلا بحريا شمال سيدي فرج على بعد بضعة كيلومترات غرب العاصمة بمناورات مشتركة مع وحدات من الاسطول السادس الامريكي. وكانت هذه المناورات عبارة عن تدريبات في مجال الانقاذ والبحث في البحار وتدخل هذه المناورات التي اطلق عليها اسم ساركس ميد 1998 في اطار حماية الحياة البشرية في البحار وفقا للمعاهدات الدولية في هذا المجال. في الختام يمكن القول ان العلاقات الجزائرية الامريكية شهدت نقلة نوعية بينما تبقى العلاقة مع الاطلسي في بدايتها الاولى وذلك ان التقارب الجزائري الاطلسي ما زال يشوبه الحذر بسبب مجموعة من العوامل المتداخلة التي حاولنا توضيحها في هذا الموضوع. ويبدو ان تطوير علاقة الجزائر بالاطلسي لابد وان تناقش داخليا نظرا لتحفظ بعض الاوساط السياسية الجزائرية عن علاقة مماثلة ولن يختفي مثل هذا التحفظ الا بعودة الاستقرار كاملا الى الجزائر لكن لا يعني ان تعزل الجزائر نفسها عن اي ترتيبات امنية مستقبلية في المتوسط وعليه فإن الجزائر ملزمة التوفيق بين مقتضيات امنها الخارجي وتصورات طبقتها السياسية وبغض النظر عن دوافع السلطة والمعارضة فيما يتعلق بالعلاقة مع الاطلسي فإن المطالبة بنقاش مفتوح حول هذه العلاقة يعبر عن حيوية سياسية في هذا البلد. اما على المستوى العربي فقد سبق لكثير من الدول العربية المتوسطية الدخول في حوار مع الاطلسي وبالتالي اصبحت هذه العلاقة شأنا عربيا الا ان حوارات الدول العربية مع هذا الحلف بطريقة مشتتة تضعف موقفها التفاوضي. * باحث في العلاقات الدولية