العولمة, هذا الجهاز بالغ التعقيد, يحتاج الى تفكيك جزئياته وتحليل آلياته حتى نفهمه. وهذا بالضبط ما فعله الصديق الاستاذ المهندس عبدالحي يحي زلوم, رجل الفكر والعمل ـ لكي لا نقول رجل اعمال ـ والذي عمل كخبير في التطوير الاداري وتسويق النفط, وعاش من الداخل ذلك الجهاز المعقد الذي نسميه العولمة. ويخرج علينا عبدالحي زلوم بكتاب قيم نشره اولا باللغة الانجليزية ثم ترجم الى العربية تحت عنوان (نذر العولمة) مع عنوان فرعي يقول: هل بوسع العالم ان يقول لا للرأسمالية المعلوماتية؟. ونفهم لماذا يرفض الكاتب العولمة كقدر من اقدار الشعوب. فهو يفك طلاسمها ويرجعها الى اصولها الكامنة في الفكر التوسعي الامريكي ثم يردها الى اسبابها الحقيقية التي هي ارادة الهيمنة.. لا من قبل امريكا على العالم كما هو شائع, بل من قبل طبقة عالمية جديدة هي طبقة الواحد في المئة: اي الواحد في المئة من كل مجتمع متقدم او متخلف, غني او فقير والتي تستحوذ على المال والتجارة والاعلام وتفرض سلطتها على 99 بالمئة الباقين فالنظام العالمي الذي بدأ مع معاهدة برتن وودز وانشاء الامم المتحدة ووضع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حراسا لذلك النظام.. هو نظام تقليدي استطاع ان يلبس مع التسعينيات لبوس النظام المعلوماتي الجديد.. او بالاحرى النظام المعلوماتي Infofinancial Capitalism ليلقي ظلاله الثقيلة على كل العالم. وطبقة الواحد في المئة هذه هي طبقة عابرة للقارات ليست لها انتماءات قومية او دينية او عرقية ولا ولاءات لوطن. فهي موجودة في واشنطن والقاهرة وكوالالمبور وباريس وجاكرتا وموسكو وبكين وطوكيو ومدريد واوسلو وبرازفيل.. في كل مدينة كبرى من العالم بدرن استثناء.. تتحمل وتتضامن وتتواصل عبر الكمبيوتر وتتداول الاسهم وترفع من اسعار النفط او تخفض من اسعار النحاس وتبيع السلاح وتروج للقادة والزعماء وتسقط الانظمة السياسية وتتسبب في افلاس دول او شركات او مصارف.. وهي تتربع على عروش الاعلام فتصنع الشريط والقرص والسي دي روم وتنتج البرامج الحاسوبية. فهذه الطبقة في الحقيقة هي العولمة... وما مصطلح العولمة الا تسويغ للهيمنة كما يحللها عبدالحي زلوم. ولهذه الطبقة اجندة جاهزة واضحة لا غبار عليها يجب على حكومات العالم ان تعمل وفقها وفي كنفها ولا تخرج عنها والا فالعقاب سينال تلك الحكومات. مثلما نال حكومات المكسيك واندونيسيا ونمور جنوب شرقي آسيا بل وكذلك الجزائر والسودان وايران وليبيا وغيرها. ان ثورة المعلومات الحديثة غيرت من منطق توازن القوى, لتجعله اشد رعبا واكثر شجاعة. فلا شك في ان النظام الاقتصادي والاعلامي الجائر الذي تأسس في اعقاب الحرب العالمية الثانية تطور ـ تقنيا ـ وتحول الى نظام مالي ومعلوماتي ـ اي نظام معلوماتي يمسك بأعناق الشعوب والمستضعفين ويصدر لهم لا فقط مفاهيمه السياسية ومصالحه الاقتصادية بل وكذلك انماط حياته وثقافته ولغته. ثم ان العالم الثالث الفقير لم يعد تلك المجموعة من الدول المتخلفة بل ان العالم الثالث اصبح ارخبيلا موجودا حتى في الولايات المتحدة الامريكية (10 ملايين مشردين) وفي اوروبا الغنية (13 مليون بدون مأوى..) وهؤلاء بالطبع ينتمون الى فقراء افريقيا وآسيا وروسيا ويشكلون معهم.. العالم الثالث الجديد.. اي العالم المتخلف المحروم الذي هو بلا جدود.. تماما كالثراء الفاحش والاستغلال الجشع. وامريكا تقدم النموذج. يقول ادوارد وولف استاذ الاقتصاد في جامعة نيويورك (بأن طبقة الواحد في المئة الامريكية تملك 48% من اجمالي الثروة في الولايات المتحدة) . ويستخلص عبدالحي زلوم بأن العالم بأسره تحول الى ناد عملاق للقمار الى نوع من انواع الكازينو للعب بأسواق الاوراق النقدية والمضاربة وحقن رساميل الشركات بالاموال او تجفيفها. واللاعبون هم طبقة الواحد بالمئة... اللاعبون على حساب الخاسرين الدائمين.. اي 99 بالمئة ممن يعيشون ويكدحون ويستهلكون بل وربما ويؤمنون بقيم العدالة والديمقراطية والحرية.. ولنا عودة لهذا الكتاب القيم الذي يعتبر بحق منارة ساطعة في فكر العولمة والحداثة والمستقبل.