تنفض جلسة تفاوضية عقيمة.. عرفات يهرع الى واشنطن.. الرئيس كلينتون يهاتف الرئيس مبارك.. من واشنطن يطير عرفات الى القاهرة.. باراك يصرح بأن هناك (بعض التقدم) .. ويعود الوفد الفلسطيني الى طاولة المفاوضات لدخول جلسة عقيمة أخرى! هذه الظاهرة الفريدة قد تتواصل الى الابد. ولنعد الى الاذهان ان زعيم (الليكود) الاسرائيلي المخضرم اسحاق شامير سبق ان جهر بتصريح لاتزال اصداؤه تتردد حتى اليوم: (بوسعنا التفاوض مع الطرف الاخر لمدى عشر سنين دون نتيجة نهائية) . وفي الحقيقة علينا ان نتساءل: ألم تحقق اسرائيل كل ما تريد ـ او جله ـ من (عملية سلام الشرق الاوسط) ؟ حتى عام 1993.. عام اتفاق (اوسلو) كان اللقب الاسرائيلي المعتمد عربيا على المستويين الرسمي والشعبي هو (العدو الصهيوني) . واذا كان لاتفاق اوسلو هدف اعظم واحد من وجهة النظر الاسرائيلية فهو انه كسر الحاجز النفسي التاريخي بين الدولة الاسرائيلية والعالم العربي. منذ ذلك التاريخ لم يعد لقب (العدو الصهيوني) عملة متداولة.. على الصعيد الرسمي العربي على الاقل. بعد كسر هذا الحاجز النفسي صار كل ما بعده من تداعيات خطيرة مجرد تفاصيل من المنظور الاسرائيلي. لكنها تفاصيل افرزت بتراكماتها صورة جديدة على الصعيد الفلسطيني خاصة والصعيد العربي بوجه عام. فلسطينيا.. اضطرت قيادة عرفات الى تقليص طموحها الوطني الى مستوى شبه دولة فلسطينية. ففي افضل الاحوال لن تتغير الصورة الجديدة للضفة الغربية التي بموجبها انقسمت الارض الى قسمين فلسطينيين اسما, يفصل بينهما عازل من تجمعات المستوطنات اليهودية. وبالاضافة الى ذلك تستطيع اسرائيل ان تركن الى سلطة فلسطينية ترى ان مهمتها الاساسية هي حفظ الامن نيابة عن السلطات الاسرائيلية. ومع انكسار الحاجز النفسي انهار تلقائيا العداء الاجماعي العربي لمعاهدة كامب ديفيد. فقد تلقت حكومات عربية باحثة ابدا عن ذريعة لاسترضاء الولايات المتحدة بالاعتراف باسرائيل او على الاقل تخفيف حالة العداء تجاهها نبأ ابرام اتفاق اوسلو بغير قليل من الارتياح مما خلق مناخا عربيا جديدا شجع الاردن على ان تحذو حذو القيادة الفلسطينية بابرام معاهدة سلام مع اسرائيل. وتلا ذلك نشوء حالة قبول عام للدولة اليهودية عربيا. ورغم ان حالة القبول هذه لا ترقى الى مستوى اعتراف رسمي باسرائيل الا انه يعتبر خطوة اولى في ازالة حالة العداء معها. في هذه الاثناء سقطت المقاطعة العربية الاقتصادية والتجارية المفروضة ضد اسرائيل. وفي صمت مريب ودون اعلانات يتسلل رجال اعمال اسرائيليون الى دول عربية عديدة فيجدون من يستقبلهم من اعضاء غرف تجارية على استعداد للدخول معهم في صفقات وشراكات. وازاء هذه الاوضاع الجديدة تستطيع ان تراهن ان عناصر جهاز الموساد الاسرائيلي يدخلون ويخرجون بحرية.. بل ويعقدون اتصالات تتبعها تدابير مشتركة للتضييق على التنظيمات العربية المعارضة لاسطورة السلام باسم (مكافحة الارهاب) . فماذا تريد اسرائيل اكثر من ذلك؟ هذا هو السؤال المحوري الذي ينبغي ان يطرحه الرئيس عرفات على نفسه ويتفكر فيه عوضا عن الاستنجاد بواشنطن. لقد حققت اسرائيل اهدافها الاستراتيجية العظمى او كادت. لذا فانها ليست على استعداد لاعطاء اي تنازل تفاوضي طالما ظل عرفات يعتبر اسلوب الكفاح المسلح او اسلوب الانتفاضة الجماهيرية في ذمة التاريخ.. تأسيسا على هذه الحقيقة فإن المماطلات التفاوضية الاسرائيلية ليست اعتباطية. انها تنطلق من منهج معتمد لجعل التفاوض العقيم جزءا من الحياة اليومية الفلسطينية. بكلمة واحدة.. ان يبقى تفاوضا الى الابد.