الحادث الرهيب الذي يثبت أن النظام العالمي فيه حاجة غلط, هو حادث العثور على 85 جثة ماتوا خنقا في إحدى موانئ انجلترا, لقوا حتفهم اثناء محاولتهم دخول الاراضي البريطانية خلسة داخل سيارة تحمل شحنة من الطماطم, وبالتأكيد كان السادة الذين حاولوا التسلل إلى داخل انجلترا محشورين في السيارة تحت أقفاص الطماطم , وبالتأكيد فان مافيا تهريب البشر راحوا على اخفائهم بطريقة منعت عنهم الهواء النقي فماتوا خنقا. نفس الطريقة التي مات بها أبطال فيلم "المخدوعون" للكاتب مروان كنفاني, وإخراج المخرج المصري الكبير توفيق صالح, عندما أخفى سائق شاحنة بترول عددا من الحالمين بالاستقرار والثراء في دولة خليجية, واغلق عليهم الشاحنة وتركها تحت شمس الصحراء الرهيبة الموجعة, وقضى السائق أكثر من ساعة يرغي في كلام فارغ مع موظف مركز الجوازات الذي يشعر بالضجر و الغضب بسبب حياته غير المبهمة, وعندما انتهى سائق الشاحنة وذهب ليقود شاحنته إلى مكان بعيد عن مركز الجوازات, وقام بفتح باب الفنطاس اكتشف أن حمولته من البشر أصبحت جثثا هامدة. قصة ابتدعها خيال كاتب مسرحها صحراء العرب, ولكن الحادث الذي وقع بالامس مسرحه ميناء انجليزي على شاطئ بحر المانش. 58 جثة ملامح اصحابها شرقية ماتوا من الكتمة بسبب الزنقة السودة في قاع الشاحنة وفوقهم أطنان الطماطم, وخلال رحلة طويلة من الميناء البلجيكي إلى الميناء الانجليزي وعبر رحلة البحر الطويلة, ومطلوب منهم لا حركة ولا صوت ولا حتى مجرد همس, أغلب الظن أنهم بدأوا الرحلة في الصباح , ولم يصلوا إلى الشاطئ الانجليزي إلا في المساء, وأثناء التفتيش صرخ موظف الجمرك عندما عثر على الجثث, وكلهم في سن الشباب, تجاوزا الحدود وعبروا البحور والقارات بحثا عن مكان لأقدامهم تحت الشمس, ما كل هذا الظلم الذي يخيم على صدر العالم؟ وما هي الخلاصة التي نقطفها من هذا الحادث المؤلم؟ الخلاصة أن النظام العالمي فيه حاجة غلط, وأن توزيع الثروة غير عادل, ليس بين الافراد, ولا بين الطبقات بعضها البعض, ولكن ما نعنيه هنا هو عدم العدالة في توزيع الثروة بين الدول بعضها وبعض, ميزانية المخابرات الامريكية 300 مليار دولار في العام الماضي, وميزانية المخابرات الانجليزية مليار جنيه استرليني كل عام, والناس في القرن الافريقي تنبش في طين الارض بحثا عن دود تأكله, والشاب في بعض مناطق افريقيا وآسيا يدوخ دوخة الارملة ويمضي ربع قرن من حياته في المذاكرة والتحصيل, وبعد أن يحصل على مؤهله العالي سيكون محظوظا لو حصل على ما يساوي عشرين جنيها استرلينيا في الشهر مقابل وظيفة لا علاقة لها بما تعلمه في قاعات الدروس. في الوقت الذي يحصل فيه عاطل انجليزي ربما لا يفك الخط ولا يعرف الألف من عامود النور على إعانة بطالة قدرها 120 جنيها استرلينيا في الشهر.. وفي بلد مثل مصر الناس تزرع الحجر وتزرع الرمل, وكل فلاح هو في واقع الامر مهندس زراعي, بينما في بلاد أخرى تدخر الحكومات قطعا واسعة من الاراضي الخصبة بكرا بدون زراعة لاستعمال الاجيال القادمة, لماذا استغفر الله العظيم مناطق من الارض في بطنها ذهب وماس وكل أنواع الاحجار الكريمة, و مناطق أخرى ليس في بطنها إلا عقارب وعفاريت زرقاء؟ وكيف استغفر الله العظيم بلد مثل مصر يعيش على ارضها 64 مليون انسان, في الوقت الذي تعاني فيه استراليا من قلة السكان ووفرة الخيرات والارزاق, وفي الوقت الذي يرفع فيه البعض شعار العولمة, يغلقون حدودهم ولا يسمحون بدخولها إلا لمن حصل على تأشيرة ومعه نقود. أما هؤلاء الذين جاءوا من أجل أكل العيش أو للبحث عن مكان تحت الشمس, فهو ممنوع, ممنوع.. ياولدي . مع أن فتح الباب أمام هذه العمالة هو لمصلحة الدول الغنية, حيث اصبح مواطنوها يرفضون العمل في الاعمال الهابطة, وأتحداك أن تصادف كناسا انجليزيا في انجلترا أو فرنسيا في فرنسا أو ألمانيا في ألمانيا. ليس الكناس فقط, اتحداك أن تجد انجليزيا في مهنة جرسون القهوة أو المطعم, حتى سواق الاوتوبيس والكمساري هي مهن محرمة على صنف الانجليز والالمان والفرنساويين والهولنديين, ولن تجد من أبناء أوروبا من يعمل في هذه المهن , إلا الطليان واليونانيين, طيب ليه وقد رفعنا شعار العولمة لا يكون العالم كله محافظة واحدة, واللي عنده يكب على اللي ما عندوش, واللي معاه يشوف اللي ما معهش, وما دمنا جميعا من أبناء محافظة العولمة, فلماذا يموت 58 واحدا من أبناء المحافظة خنقا وهم يختبئون في قاع شاحنة تحمل اطنانا من الطماطم؟ بينما يحدث داخل انجلترا عدة عشرات كل يوم من الخمر والشم والبلبعة, لماذا تصلح زبالة ألمانيا للأكل في دولة من دول العالم الثالث؟ ولماذا الملابس الكهنة القديمة التي تصدرها أوروبا في شكل بالات إلى الدول الفقيرة تستعمل كملابس سهرة في ارتيريا والحبشة؟ إن ما حدث في إحدى الموانئ الانجليزية بالامس هو وصمة في جبين هذا الزمان, وهو الحادث الاخير الذي كشفت عنه الصدفة, ولكن كم عدد الحوادث التي لم تكتشف ولم نعلم عنها شيئا, ثم هؤلاء الذين ماتوا بالامس القريب خلال رحلة التسلل عبر الحدود بحثا عن لقمة العيش , هل هم وحدهم؟ أم تركوا خلفهم أسرا وعائلات تعلقت حياتهم بنجاح عائلهم في العبور سرا إلى البلد المنشود؟ ولكن نقول أيه للعولمة, التي تحقق الخير للدول الشبعانة, وتقدم الموت لابناء الدول التي تبحث شعوبها عن افطارها في صناديق الزبالة. ولكن يبدو أنها عولمة بشرطة؟ ومع ذلك فرج الله قريب!