الحكومات المقبلة في أغلب عواصم الدول العربية تتأهب لقيادة المرحلة المقبلة تحت مظلة العولمة واقتصاديات السوق, ووفق اقتصاديات السوق فعلى هذه الحكومات ان تكون حكومات متخصصة في الشئون الاقتصادية, وقد بدأت الملامح في القطر السوري والمملكة الاردنية بشكل لا لبس فيه أما البقية فظهورهم على المسرح ليس سوى مسألة وقت. في الاردن امسك التكنوقراط الاقتصاديون مقاليد الامور بعد ان شكل المهندس ابو الراغب رئيس الحكومة الاردنية الجديدة حكومته في اتجاهات تشجيع الاستثمارات واقامة المناطق الحرة التجارية والاعلامية وتطوير الاداء الاقتصادي بشكل عام وأساسي, ولذلك فان معظم الفريق الوزاري جاء من الخبراء والمتمرسين في المجال الاقتصادي. فماذا يعني ان يسيطر الحس الاقتصادي على اهتمامات الرئيس السوري الجديد الذي بدأ طبيبا وانتهى الى دهاليز التقنيات الحديثة التي جعلت المواطنين السوريين اليوم يتطلعون بكل ثقة الى الكمبيوتر والتغيير؟ ماذا يعني ان يكون رئيس الحكومة الاردنية الجديد احد كبار المستثمرين الاردنيين وقد تولى حقيبة وزارة الصناعة والتجارة اضافة لوزارة التموين فيما سبق اضافة لايمانه بالخصخصة والاقتصاد المفتوح الحر؟ والأهم ما علاقة كل ما يحدث في المنطقة هناك بالانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان وما طرحه شيمون بيريز ذات يوم حول الشرق الاوسط الجديد؟ بلا شك فان عصرا اقتصاديا آخر يطل علينا بزعامة منظومة اقليمية اخرى غير المنظومة الخليجية التقليدية التي قادت مصالح اقتصادية معروفة مع دول كبرى, اليوم يجهز لظهور منظومة (بيروت ـ عمان ـ دمشق) وهناك في افريقيا تقود مصر تظاهرة العولمة, ويعلن عبدالعزيز بوتفليقة ترحيبه بالتطبيع الكامل مع اسرائيل تمهيدا لدخول نادي الاقتصاد الحر بعد ان وعت الجزائر الدرس جيدا بعد كل شلالات الدم التي سالت والرؤوس التي عملت فيها الفؤوس عملها طوال عقد كامل من الزمن. المنظومات الجديدة تجهز لها قيادات شابة منفتحة على الذهنية والنمط الغربي الامريكي خاصة فيما يتعلق بالنهج الاقتصادي, قيادات ذات وعي بمتطلبات المرحلة وذات استعداد لتقبل اشتراطاتها. وما الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني سوى ثمن او دفعة اولى قدمتها اسرائيل على ما يبدو بالاتفاق مع الولايات المتحدة كواحدة من استحقاقات المرحلة وتحقيقا لنبوءة بيريز التي جاءت في كتابه الشهير (نحو شرق اوسط جديد) وان كان هذا لا ينفي مجد المقاومة وفضل النضال في الجنوب. في دول الخليج وفي الامارات امامنا تحديات كبيرة جدا على ما يبدو, في ظل المنافسة التي ستزدهر في الفترة المقبلة, اما فترة الثلاثين سنة الماضية من عمر الاتحاد فهي ان لم تكن قد أسست قواعد مجتمع يستطيع ان يصمد في وجه رياح التغيير فان حسابات اخرى ستنكشف وادارات عديدة في مؤسسات مختلفة ستضطر لتقديم كشوف حسابات صعبة جدا. المستقبل مليء بالمفاجآت الصادقة, لكن الاستعداد اليقظ المبني على حسابات رقمية ومنطقية في الاقتصاد كما في التربية والتعليم سيجعل تقبل الصدمات امرا ممكن القفز عليه بمرونة وسلاسة.