إذا صحت التصريحات الأخيرة المنسوبة لرئيس مجلس الشعب الدكتور فتحي سرور, فإنها تثير العديد من علامات الاستفهام والتعجب في حياتنا السياسية. فالدكتور سرور يقول (إن الحكومة السابقة برئاسة الدكتور كمال الجنزوري قد استخدمت الأغلبية البرلمانية في تمرير الباطل والحرام!) وبغض النظر عن (صراع الدكاترة) بين سرور والجنزوري الذي تابع الرأي العام بعض فصوله أثناء وجود الجنزوري في منصبه, ثم تابع الفصول الأكثر إثارة منه بعد رحيل الرجل عن موقعه والتزامه بالصمت التام. وبغض النظر عن حكاية (الحرام) في تصريح سرور.. فنحن نعرف قوانين باطلة حكم القضاء المصري بعدم دستورية الكثير منها وآخرها قانون الجمعيات, ولكننا لم نسمع عن قوانين (حرام) مررتها حكومة الجنزوري أو أي حكومة أخرى, ولا أعرف كيف يقيس الدكتور سرور (القوانين بمقياس الحرام) وهل هو مؤهل لذلك, وهل صدرت بالفعل قوانين أو قرارات من مجلس الشعب تسمح بـ (الحرام) ؟ أم أن الدكتور لايقصد (الحرام) من الزاوية الدينية, وإنما يقصد (الحرام) .. سياسيا واجتماعيا, وهنا يصبح الحوار مطلوبا حول هذا الـ (حرام) حتى لايستمر بكل تبعاته وآثاره. بغض النظر عن هذا كله, وبغض النظر عن أن هذه الأغلبية التي تم استخدامها لتمرير (الباطل والحرام) كما يقول الدكتور سرور, هي نفسها الأغلبية التي وضعته في موقعه رئيسا لمجلس الشعب لسنوات طالت وتمددت, فإن ما تثيره تصريحات الرجل من قضايا عامة وهامة .. كثير وخطير. فالأغلبية التي يتحدث عنها الدكتور سرور هي نفس الأغلبية التي كانت قبل حكومة الجنزوري وبعدها, وبالتالي فإن تمرير (الباطل والحرام) هنا لايعتمد على تأدية البرلمان لدوره كما يحدث في كل أنحاء العالم, وإن ما يعتمد على نوايا الحكومة صاحبة الأغلبية.. إن شاءت تمسكت بالحق وإن شاءت لجأت للباطل.. وفي كل الأحوال سيتم التمرير, وستوافق الأغلبية, وستصدر القوانين حتى ولو كانت معيبة.. دستوريا أو سياسيا. إن الأمر هنا لايتعلق بهذه الحكومة أو تلك. فكل الحكومات (هنا أو في الخارج) تعد مشروعات بقوانين وتحيلها للبرلمان حيث تخضع للدراسة والنقاش والمراجعة فتصدر (في الظروف الطبيعية) سليمة من الناحية الدستورية, وملائمة لظروف المجتمع واحتياجاته. أما في (الظروف الأخرى) فيتم تمرير القوانين في يوم وليلة, ويتصور البعض أن وظيفة المجلس هي (تمرير) القوانين.. وليس إقرارها بعد توافر كل الضمانات القانونية والدستورية لها, وبعد التأكد من ابتعادها عن (الباطل والحرام) وفقا لتعبير الدكتور سرور! وتزداد الأمور سوءاً في هذا الوضع, حين يتصرف البرلمان على أن المسئولية هي مسئولية الحكومة التي أعدت القانون, وهذا غير صحيح لأن المسئولية أولا وأخيرا هي مسئولية البرلمان الذي انتخب الشعب أعضاءه لكي يراقبوا الحكومة لا لينفذوا رغباتها, ولكي يتحملوا مسئولية التشريع وليس التمرير. ثم تزداد الأمور سوءا مرة أخرى, حيث تطمئن الحكومة الى أن سلطتها تمتد الى داخل البرلمان, وسيطرتها على قراراته كاملة, فيصبح الأمر كله متوقفا على قرارات الحكومة إذا صلحت فإن الأمور تسير على ما يرام, وإذا أساءت التقدير أو أخطأت في القرارات.. فإن الضرر واقع لامحالة, لأنها ستتمكن من تمرير ما تريد حتى ولو كان هو الخطأ أو الباطل أو الحرام !! إن غيوما كثيرة قد انعكست على العملية التشريعية بكاملها بعد أن انهالت الأحكام بعدم دستورية العديد من القوانين التي صدرت دون دراسة كافية, وبعد أن تم (تمرير) العديد من المشروعات والموازنات دون نقاش حقيقي.. فاختفت الأخطاء أو تم اخفاؤها, وتراكمت السلبيات حتى انفجر ت في وجه الجميع. ونحن الآن في الطريق إلى انتخابات جديدة لمجلس شعب جديد.. فهل يمكن أن نطمع في تغيير حقيقي يعيد الأمور لنصابها, ويعيد للمجلس دوره المفتقد في الرقابة الحقيقية على السلطة التنفيذية وفي التشريع السليم, أم أن هذا الأمل سيظل بعيدا لسنوات أخرى؟ الأمر ليس سهلا بالقطع, والظروف التي تمر بها الحياة الحزبية سيئة للغاية, والجماهير انصرفت عن العمل السياسي, وسطوة المال تتزايد في العملية الانتخابية. ومن هنا فإنه عندما أعلن الرئيس مبارك قبل شهور عند الاستفتاء على ولاية رئاسية جديدة له.. أنه مستعد لبحث أي اقتراحات ليكون البرلمان المقبل أكثر تمثيلا لكل التيارات السياسية, أعدنا المناداة بالأخذ بنظام القوائم كخطوة أولية تضمن تمثيلا متوازنا للقوى الفاعلة في المجتمع, وتضمن أيضا نوعية أخرى من النواب لاتكرس جهودها للحصول على القروض أو المتاجرة في التأشيرات, ولا تكون مهمتها هي تمرير ما تريده الحكومة دون نقاش أو بمناقشات شكلية لاتقدم أو تؤخر. لكن الأمر استقر على بقاء الأمر على ما هو عليه, ربما لأن الأخذ بنظام القوائم قد تم الأخذ به مرة قبل ذلك وانتهى الأمر بحل مجلس الشعب الذي انتخب بهذا النظام بعد صدور حكم بعدم الدستورية. وهكذا يصبح الأخذ بهذا النظام مرة أخرى مرتبطا باجراء تعديل دستوري وهو أمر تتحفظ عليه القيادة السياسية حتى لاتفتح بابا ستجيء منه رياح كثيرة لاترى القيادة أن الوقت مناسب للتعامل معها. وقد قيل في هذا الصدد أن أحزاب المعارضة كانت قد أبدت معارضتها لنظام القوائم حيث تم الأخذ به, وهو قول غير دقيق.. فالاعتراض كان يومها من حزب الوفد بصفة أساسية اعتمادا على وهم أنه يملك شخصيات لها نفوذ في دوائرها تستطيع به أن تضمن نجاحا يفوق ما تحصل عليه بنظام القوائم, خاصة إذا استمر تحالف الوفد مع الاخوان المسلمين وهي حسا بات عرف الوفد بعد ذلك أنها حسابات خاطئة بعد أن تضاءل عدد نوابه في البرلمان الأخير الى ما يقل عن أصابع اليد الواحدة! أما بقية الأحزاب فكان اعتراضها الأساسي على القواعد التي وضعها القانون بحيث أصبحت النسبة المطلوبة لكي يتمثل الحزب في البرلمان هي 8% وهي نسبة مرتفعة تحرم أحزابا حصلت على نسبة معقولة من دخول البرلمان رغم أن ما حصلت عليه إذا تجاوزت نسبة 5% فقط يتيح لها 20 نائبا في البرلمان, وهو رقم يفوق عدد نواب المعارضة جميعا في البرلمان الحالي بكثير! كما اعترضت الأحزاب يومها على تفاصيل أخرى كثيرة كانت تؤدي الى أن تذهب الأصوات المهدرة الى حزب الأغلبية لتضيف اليه مقاعد لايستحقها, وتزيد سطوته على البرلمان. وأظن أن أحزاب المعارضة بعد أن جربت (جنة) الانتخابات الفردية بعد ذلك, تعرف الآن أن نظام القوائم كان أكثر فائدة لها. كما أن الحكومة وحزبها يعرفان أن هذا النظام كان يمكن أن يحقق لها ما تريد تحقيقه الآن من تمثيل طبيعي للأقباط, وللمرأة, وللشباب. والمهم الآن أن الانتخابات المقبلة ستجري بعد شهور في نفس الظروف التي أفرزت البرلمان الأخير, وبمشاركة أحزاب تحكمها نفس القيادات منذ أن نشأت وتعيش جميعها أزمة خانقة, ووسط رأي عام فقد اهتمامه بالسياسة وثقته بالأحزاب وإيمانه بجدوى العملية الانتخابية في إحداث التغيير المطلوب. ورغم التأكيدات بأن الانتخابات ستتم في جو أكثر نزاهة, وتحت إشراف قضائي حقيقي, فإن ذلك لن يغير من الصورة النهائية للنتائج, ولن يجعل البرلمان المقبل مختلفا شكلا وموضوعا عن البرلمان الحالي. والأمل الوحيد هنا يرتبط أيضا بالحكومة, فهي التي تختار مرشحي حزب الأغلبية, وهي التي تأخذ بيدهم الى البرلمان. ومن هنا فالعملية كلها ترتبط بكفاءة ونزاهة المرشحين الذين سيتم اختيارهم. ورغم الحديث عن إعمال مبادئ الطهارة وإعطاء الفرصة للأجيال الجديدة, فإن التجارب الماضية كانت تنتهي دون تغيير حقيقي يتناسب مع حجم الطموحات والتحديات المطروحة على مصر.. خارجيا واقليميا ومحليا. إن هذا التغيير المطلوب يحتاج لأكثر من الحديث عن الضوابط الانتخابية والنوايا الحسنة.. إنه يفرض إعادة النظر في مجمل الأوضاع السياسية, فالبرلمان الحالي أو المقبل هو المحصلة الطبيعية لأوضاع تؤكد سيطرة السلطة التنفيذية على كل شئ, وتراجع العمل السياسي, وانهيار الأحزاب (المعارضة والمؤيدة) وتكلس القيادات في مواقعها, وانصراف الناس عن المشاركة الايجابية في القضايا العامة, وانشغال المثقفين عن قضايا الوطن الأساسية بقضايا الحسبة وتفريق الأزواج, أو بمعارك التكفير والتخوين.. والنتيجة الحتمية لكل ذلك هو تحكم السلطة التنفيذية في باقي السلطات, وامتلاكها للنفوذ الذي يجعلها فوق المحاسبة.. بكل ما يعنيه ذلك من مخاطر وأخطار. إن الأمر يحتاج لاصلاح شامل أظن أن مصر لابد أن تتهيأ له لأننا سنجد أنفسنا مجبرين على اقتحامه.. ليس فقط لأنه لغة العصر, ولكن - أساسا - لأنه ضرورة حياة إذا أردنا أن نكون جزءا فاعلا من العالم, وإذا أردنا أن نبني المستقبل الذي نريد. إن الأمر يفرض اعادة النبض الحقيقي للحياة السياسية, لتكون لدينا أحزاب حقيقية, وبرلمان يقوم بواجبه ولا يمر من خلاله الباطل أو الحرام, وسلطة تنفيذية تخضع للمراقبة والحساب الدقيق, وإعلام يكشف وينير. وقد سارت مصر خطوات على الطريق, ولكنها لم تعد تكفي. فأرض الكنانة التي كانت مهدا لأعرق التجارب الديمقراطية في المنطقة, مازالت تملك القدرة والحق الطبيعي في أن تكون القدوة والمثال لكل شعوب المنطقة.. ولا مفر لها من أن تحقق ذلك.