سيذكر الكويتيون على وجه الخصوص, والعرب عامة, بكثير من العرفان والتقدير الموقف المبدئي للرئيس الراحل حافظ الاسد الذي بادر الى استنكار احتلال العراق للكويت: فقد كان ذلك الموقف من العوامل الرئيسة التي شدت من ازر المقاومة الكويتية تجاه الاحتلال من جهة, ورسخت عربيا التدخل الدولي لرد المعتدي على اعقابه من جهة اخرى, وكان هذا واحدا من المواقف السياسية التاريخية لسوريا الاسد. الا ان الفترة التي قضاها حافظ الاسد في حكم سوريا والتي امتدت لثلاثين عاما متوالية كانت هي اطول فترة استقرار عاشتها سوريا منذ عهد معاوية بن ابي سفيان كما يذهب البعض وهي فترة لم تخل من قبضة قوية ومن شدة داخلية نظر اليها بعض المعارضين السوريين على انها اشبه بحكم توتالي ولكنه في الوقت نفسه حقق لسوريا التي عاشت فترة من الاضطراب السياسي بعد الحرب العالمية الثانية كثيرا من الاستقرار والكثير من النفوذ في بيئتها العربية والدولية. فسوريا منذ الحرب العالمية الثانية على الاقل شهدت فورة من الانقلابات والانقلابات المضادة التي افضت في نهاية الامر الى اضعافها وجعلتها عرضة للنفوذ الاجنبي او المطامع الاقليمية فالصراع على سوريا الذي ظهر جليا في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين كان واضحا الى درجة ان باتريك سيل الكاتب البريطاني وضع كتابا كاملا حول هذا الموضوع. كان حافظ الاسد سياسيا ماهرا وما طول بقائه على رأس السلطة في سوريا وفي بيئة سياسية مضطربة وخطرة شهدت حروبا عدة ومواجهات في ساحات الجوار الا دليل على هذه الحنكة السياسية. فقد استبدل بالضعف الاقتصادي والسياسي الداخلي قوة سياسية خارجية ظهر انها حكيمة من حيث نتائجها, كما ابقت سوريا لاعبا اساسيا في الساحة الشرق اوسطية. ففي حين لم ينضم الرئيس الراحل الى التيار العربي الواسع الذي ايد العراق في حربه ضد ايران وتحمل الكثير من اللوم في سبيل هذا من اصدقائه واعدائه ومن داخل سوريا على السواء فإنه تبين بعد حين بعد نظره عندما انقلب صدام حسين على مناصريه ومن وثقوا فيه بعد فترة وجيزة وفي الوقت الذي توقع فيه الكثيرون ان يقف الاسد على الحياد في احتلال العراق للكويت في اغسطس 1990 وقف الرجل وبقوة مع الشرعية عندما قال للمجتمعين في قمة القاهرة بعد بضعة ايام من الغزو العراقي للكويت ما معناه انه لابد من الاستعانة بالقوى العالمية لطرد النظام العراقي لأن العرب لا يستطيعون ذلك وحدهم بحسابات القوة العسكرية واللوجستية وبعدها وافق على ان تشترك القوات السورية مع دول عدة في العمل على تحرير الكويت. هذا الموقف فسره السيد جبران كورية الناطق باسم الرئاسة السورية عندما قال لكاتب هذه السطور: (لقد توقع الامريكيون ان يصوبوا بندقيتهم الى صدام حسين ومن خلفه حافظ الاسد فوجدوا الاخير خلف صفوفهم!) , تعبيرا عن موقف معاد دائم للغرب. سوريا دائما كانت تحلم بالشام باعتبارها منطقة نفوذ سياسي. الشام الكبير الذي تشكل سوريا قاعدته ويشكل كل من الاردن ولبنان وفلسطين التاريخية اطرافه. وقد حول الاسد سوريا من موضع يستهدف الآخرون بسط نفوذهم عليه الى قاعدة تبحث عن نفوذ لها بين جاراتها العربية. لم تكن مصر او العراق او الخليج تمثل لسوريا سوى القاعدة المساندة ومصدر الدعم عندما تحتاج اليه. لكن الجيران في النطاق (الشامي) هم محط امل سوريا سياسيا وبهم ترى سوريا انها تستطيع ان يكون لها كلمة ليس على المستوى العربي فقط, ولكن ايضا على المستوى الدولي, هذه الفكرة (الشامية) تجدها في مسيرة السياسة السورية الخارجية كما تجدها في تصريحات واضحة لساسة سوريين كبار. فالتقسيم الذي قام به المستعمر يصفه وزير الخارجية السوري فاروق الشرع بقوله: (ان سوريا هي البلد الوحيد الذي قسم الى اربعة بلدان) في اشارة الى (الشام). لذا فقد اتبعت السياسة السورية, في العقود الثلاثة الماضية التي كان فيها الرئيس حافظ الاسد هو المايسترو في دمشق, علاقة نشيطة بين هذه الاطراف الشامية, وكانت المفارقة ان يصل الرئيس الاسد الى سدة الحكم والرئاسة بسبب عدم رضاه على التدخل الذي قرره فريق صلاح جديد ورفاقه (حكام سوريا في نهاية الستينيات) تجاه احداث سبتمبر 1970 في الاردن. فعندما تحركت القطاعات السورية التي اصدرت اليها القيادة السياسية اوامر التدخل في الاردن تركها الاسد دون غطاء جوي بصفته مسئولا عن الدفاع فمنيت بهزيمة استفاد هو منها بعد ذلك في حسم تنازع القوى في دمشق ضد المتشددين. المجال الحيوي السوري في الشام الكبرى لم يغب عن ناظري الاسد. فمن اجل الا تقع لبنان داخل نفوذ الدائرة الاسرائيلية تحمل الاسد وسوريا مهمات صعبة في لبنان, منذ ان قرر العرب التدخل لوقف الحرب الاهلية المتفجرة في 1976, وتركوا بعد ذلك سوريا بمفردها ولم يكن ذلك دون معارضة داخلية وكان اول اهداف السياسة السورية في لبنان لجم النفوذ العرفاتي غير المنضبط حتى لا تزداد غربة الجانب المسيحي اللبناني وتهميشه في وطنه فيضطر الى ان يتعامل مع اسرائيل بأي ثمن, لذا كان الوقوف في مواجهة سياسة الفلسطينيين في لبنان وحلفائهم من الجبهة الوطنية من خلال معارك عدة دموية وضارية دفع الفلسطينيون البسطاء في المخيمات اثمانا باهظة لها, هذه السياسة على صعوبتها كانت الخيار المتاح سياسيا لتحقيق الهدف الاكبر وهو الحفاظ على لبنان بعيدا عن النفوذ الاسرائيلي كما استخدمت سوريا كل الوسائل المتاحة سياسيا وعسكريا لاقناع مختلف الفئات اللبنانية المتعارضة بأن مستقبل لبنان مرتبط ببيئته العربية مهما بدا عليها من ضعف واحباط في ذلك الوقت. سوف يقف المحللون في المستقبل وقفة طويلة عندما يريدون ان يزنوا القيمة النسبية لعثرات ونجاحات الموقف السوري في لبنان, الا ان الاسد عاش ليرى توقف الحرب اللبنانية بين الفرقاء والحفاظ على لبنان واحد, واهم من ذلك عاش ليشهد العدو اللدود (للشام) وهو اسرائيل وقد خرج في مذلة من الارض اللبنانية كما انقذ عددا كبيرا من اللبنانيين من موقف مذل كان يمكن ان يصبحوا فيه وقد وصلت اليه مليشيات لحد بعد الانسحاب الاسرائيلي, فكان اول انتصار على الارض تحققه السياسة السورية, بصرف النظر عما ارادته اسرائيل من انسحابها كما انه يعد انتصارا لبعد النظرة السياسية للرئيس الاسد. ان السياسة الخارجية لدولة ما توضع اما بالقدرة والرغبة للدولة المعنية, وإما انها تتشكل بسبب الاحباط وكان الاحباط هو الدافع الذي يحرك السياسة السورية تجاه الفلسطينيين فقد كان لعرفات دوما حسابات خاصة يراها محققة للأهلاف الفلسطينية وكثير منها حسابات سياسية محدودة الافق وقصيرة الامد. فتحت شعار استقلال القرار الفلسطيني لم يعد عرفات يبالي بضرورة ارتباطه (الشامي) من هنا كان العداء السياسي بين عرفات ودمشق مستمرا في العشرين سنة الاخيرة من حياة الرئيس الاسد وهذا العداء هو الذي جعل من القضية الفلسطينية قضية معزولة عن المسار السوري الذي ارتبط عوضا عنها وبقوة بالمسار اللبناني وعلى الرغم من ان السياسة السورية كانت دائما مرنة في جانبها العربي لم تظهر هذه المرونة تجاه ما سمي لاحقا بالسلطة الفلسطينية بل كان هناك تنافس بين المسارين السوري والفلسطيني. فقد شعر الفلسطينيون حقا او باطلا بأن اي تسوية مع اسرائيل ستكون على حسابهم وهو دليل قاطع على تلازم مستقبل الشام السياسي كما كان يراه الاسد وربما المدرسة القومية في سوريا. فقد شعر الفلسطينيون على رغم الاختلاف بأن موقف سوريا المبدئي تجاه التسوية هو دعم لهم في الحصول على افضل الشروط الممكنة وفي اتفاق سوري اسرائيلي قد يفقدون ورقة ضاغطة وان كانت غير مباشرة. في الجانب الاردني لم تكن الصورة بعيدة عن الهم الشامي فعلى الرغم من ان الرئيس الاسد عارض تدخل القوات السورية ابان الازمة مع الفلسطينيين في العام 1970 فإن ذلك كان محصلة لعوامل عدة اولا: كان هذا الحدث في حياة عبدالناصر الذي لم يكن يحبذ ان تتدخل دولة عربية بالقوة في شئون دولة عربية اخرى. وثانيا: كان نتيجة رؤية الاسد التي تتمتع بمرونة سياسية لم تكن متبعة من قبل المتشددين في دمشق. بالرغم من ذلك فإن الموقف السوري تجاه الاردن حكمته بعد ذلك نظرة سوريا الى (الشام) فلم تلق اطروحات وسياسات الملك حسين من دمشق نظرة الموافقة او المسايرة, ومن ثم شهدت العشرون سنة الاخيرة على الاقل من حكم الملك حسين في مجملها اضطرابا في العلاقة مع دمشق وكانت فترات التوتر اطول من فترات التقارب القصيرة وقد بلغت السياسة الاردنية قمتها بتوقيع عمان معاهدة وادي عربة مع اسرائيل. في نهاية الامر شهدت فترة حافظ الاسد الطويلة نجاحات سياسية اقليمية كان هاجسها مثل هاجس التاريخ القومي في سوريا (بر الشام) والدولة الكبيرة المقسمة ونظرت دمشق الى وحدات حديثة تقوم بين اطراف عربية متقاربة مثل دولة الامارات واليمن على انها مقدمة منطقية لوحدة (الشام). نجاح السياسة الخارجية لحافظ الاسد ربما جاء على حساب الوضع الداخلي الذي عانى من بقاء الملفات الداخلية الاقتصادية والسياسية معلقة فلم يلتئم مؤتمر عام للحزب الحاكم منذ فترة طويلة, مما اضعف الحركة الشعبية كما ان المحاولات الاقتصادية للانفتاح ومسايرة الاقتصاد الحديث الذي يتبلور عالميا كانت مترددة وغير حاسمة. هذا الوضع الداخلي الذي يتطلع بشغف الى الاصلاح والوضع الخارجي المثقل بكثير من المعادلات والتقاطعات والهواجس والهموم كل هذا يمثل تركة ثقيلة سوف تلقي على عاتق بشار الاسد الذي من المتوقع ان يتبوأ مكان ابيه, ولكن في ظروف شديدة التغير, فهو يحتاج كما تحتاج سوريا الى الدعم والمساندة في هذه الفترة الحرجة من تاريخ سوريا والمنطقة بعامة.