لا تبرير منطقيا للظلم من وجهة نظر البعض, لكن الفيلسوف سقراط له رأي آخر يقول: (الظلم من طبع النفوس وإنما يصدها عن ذلك أحد سببين: اما لوازع ديني واما لعلة سياسية يخشى بسببها من العقاب) . ومع ذلك فالطغيان السياسي تحديدا وهو أسوأ أنواع الظلم بضاعة رائجة لها قوانينها ومؤسساتها وحراسها في العالم وبالأخص في عالمنا العربي. والطاغية كأي كائن لا يمكن أن ينمو من الفراغ وفي الفراغ فهناك بيئة تعمل على ولادته بشكل شرعي ومنطقي, وهناك ظروف تساعد على نموه وتضخمه وامتداده في كل الاتجاهات.. وإلا فلماذا لا توجد منظومة الطغيان السياسي في الولايات المتحدة بينما تزدهر في اندونيسيا مثلا؟ ولماذا يتحصن المواطن الانجليزي ضد جراثيم الظلم كلها بينما ترزح مجتمعات عربية وإسلامية عديدة تحت عبء وتقلبات وأهواء حكامها؟ وطالما انتفت العلة الدينية المانعة للظلم, وامتنع وجود الحصانة السياسية المتمثلة في المؤسسات المجتمعية الرقابية وفي مؤسسات القضاء والعقاب المستقلة, فإن الطغيان باعتباره طبيعة في النفس البشرية يزدهر ويستمر, إلا انه لا يدوم, وغالبا ما ينتهي بشكل مأساوي جدا. في كتابه (المقالات اليابانية) يتحدث الأستاذ محمد حسنين هيكل عن الامبراطوريات الاستعمارية القديمة التي انتهت بحلول الخمسينيات من القرن العشرين, ولكنها ما زالت تدفع ضرائبها القديمة بأثر رجعي وهذا ما يلاحظ من تصاعد نبرة الغضب والشكاوى التي تصدر من عواصم الامبراطوريات القديمة (لندن - باريس - ...) حيث الشكوى واحدة من الأعداد الكبيرة لأبناء الشرق الأوسط وافريقيا الذين غزوا وما زالوا يغزون أوروبا ويشكلون خطرا يكمن في التباين القيمي والديني الذين يحملونه دون اغفال للخوف من الأصولية والتيارات أو الحركات الارهابية كما تسمى هناك. ما يحدث في هذه العواصم يرى فيه (هيكل) وعلى نحو ما عقابا بأثر رجعي لهذه الامبراطوريات على مغامراتها وطغيانها القديم في بلدان هذه العمالة المتدفقة ليس أكثر, وهو عقاب تستحقه بحسابات المنطق والقانون. والظالم لا يشعر بالظلم لانه غير واقع عليه, فهو آمن وسط حشود الحراسة ومستقر وغارق في الأموال والقصور في ذات البلد الذي يمارس فيه الطغيان على مواطنيه, لكنه متى اضطر لمفارقة السلطة كما حدث في شواهد كثيرة (سوهارتو في اندونيسيا, الشاه في ايران, بينوشيه في تشيلي, وغيرهم) فإنه يتحول إلى جملة سياسية ضائعة ولا محل لها من الاعراب تماما.. وحتى إذا حمل معه ملايينه وذهبه فإن المال لا يمكن أن يتحول إلى وطن! وربما تحمل لنا نهاية الشاة درسا جديرا بالتأمل حين رفضت كل دول العالم استضافته بما فيها بنما فاستقر أخيرا في القاهرة ومرض وتوفي ودفن فيها. الديمقراطية لا تؤذي أحدا, ولا تعرقل مسيرة المجتمعات, ولا تجعل الناس يلتفتون كثيرا وهم يتحدثون ويكتبون أو حتى يقبلون زوجاتهم, ويستطيع الإنسان المؤهل أن يصبح فيها رئيسا بغض النظر عما إذا كان والده كذلك, وعليه فـ (بوش) الصغير قد يصبح رئيسا لأمريكا لكن ليس لأن والده جورج بوش بالرغم من ان معلوماته السياسية والجغرافية ضحلة جدا, لكن إذا قال الأمريكان لبوش الصغير (نعم) في الانتخابات فسيكون رئيسا, وستهاجمه بعض الصحف وستسفهه بعض التلفزيونات وسيسخر منه مقدمو بعض البرامج المسائية في التلفزيون الأمريكي, لكنها الديمقراطية تتيح للجميع أن يقول ما يريد ولكن بعدالة.. بعيدا عن عقلية القطيع ونسبة الـ 99.99% التي أضحكت العالم علينا بشكل مجاني دون أن نحصل على مقابل, حتى لو كان المقابل رهانا مشروعا على نهاية الطغيان.