الحرب الدائرة بين اثيوبيا واريتريا هي في الواقع تجسيد لحساسية نشبت منذ عام 1997 بين شخصيتين تربطهما وشائج القربى والنضال المشترك الذي تكلل بانتصار عام 1992 عندما حققت اريتريا استقلالها عن شبه الامبراطورية الاثيوبية على اثر اجتياح قوات التيجراي ، المدعومة بالاسلحة والكوادر الاريترية لاديس ابابا 1991 واطاحتها بنظام منجستوهايلي مريام. الشخصيتان هما ميليس زيناوي رئيس وزراء اثيوبيا وابن خالته اسياس افورقي الرئيس الاريتري, وهي ليست حساسية شخصية مئة بالمئة, ولكنها تفاقمت على ارضية موضوعية من الخلافات السياسية والاقتصادية بين البلدين وكان يمكن تلافي تلك الخلافات وحسمها بالاتفاقيات الثنائية على كافة الاصعدة بدءا بالاعفاءات الجمركية والاستمرار في العملة الموحدة, والسير في طريق التكامل الاقتصادي وفق الرؤية التي تضمنتها اتفاقية 1993 الاقتصادية بين البلدين حتى يلتئم الشمل وتعود الوحدة بين الشعبين, بل وتتعداهما لتشمل دول القرن الافريقي الاخرى التي تركت لها الاتفاقية الباب مواربا علها تنضم للمنظومة وتنشأ مجموعة شبيهة بالسوق الاوروبية, تتألف من اثيوبيا واريتريا وجيبوتي والصومال وكذلك السودان, ام لعلها اضغاث احلام! تلك فعلا احلام تبخرت منذ عام 1997 عندما طبعت اريتريا عملتها (النقفة) وانزلتها للاسواق وخرجت من دائرة الدولار الاثيوبي فاظهرت بذلك ميلا واضحا للاستقلال الاقتصادي والتفرد وعدم الاكتراث بالآخرين بينما كان الاريتريون آنئذ هم الطبقة المميزة في الاسواق الاثيوبية وهم الكوادر المفصلية في اجهزة الحكم في اديس ابابا وخاصة القوات النظامية والماكينة الامنية التي كانت السداة واللحمة لنظام ميليس زيناوي طوال الخمس سنين الاولى من حكمه. وما كانت النقفة في حقيقة امرها الا طلقة في القدم كما يقول المثل الانجليزي مجرد اشباع للنزعة الشوفينية التي تريد ان تميز الناطقين بالتيجرية عن بقية شعوب القرن او قل على سبيل التلطيف النزعة للاستمتاع بالذاتية الاريترية بعد طول هيمنة اثيوبية جاءت بعد الوصاية البريطانية التي اعقبت الاستعمار الايطالي. واخذت الشقة تتسع بين اثيوبيا واريتريا وبدأت المضايقات التي تعرضت لها النخبة الاقتصادية الاريترية في اديس ابابا, ثم تفجر النزاع حول زلام باسا والمنطقة المجاورة لها والتي لا تزيد مساحتها على اربعمئة كيلومتر مربع من الصخور الصماء والرمال الجرداء المأهولة ببضع اثيوبيين من اصل تيجرايي والتي تدعي اريتريا ملكيتها بموجب الخرائط وتطالب بها اثيوبيا بحكم شكلها الديمغرافي وكونها منفذا لميناء عصب والكل يذكر ان مشكلة اثيوبيا الكبرى هي انها بلا منفذ للبحر Landlocked وكانت مصوع على البحر الاحمر وعصب على باب المندب هما المينائين الوحيدين اللذين تستطيع ان تنفذ من خلالهما للعالم الخارجي. وكان بالطبع من المتوقع ان تلجأ اريتريا للتحكيم الدولي في هذه المسألة كما فعلت مع جزر حنيش وان تكبح جماح الصقور المتحفزة للحرب دائما وابدا ولكنها استجابت للاستدراج الاثيوبي ووقعت في فخ الحرب التي صادفت هوى مشبوبا في نفس ميليس زيناوي والجيش الاثيوبي, فهنالك حسابات اخرى بانتظار التصفية وها هي فرصتها ولذلك رفضت اثيوبيا التحكيم مما اضطر اريتريا لاحتلال منطقة زلام باسا مهيئة الجو لاثيوبيا للقيام بالآتي: اولا: التخلص من النخبة الاقتصادية الاريترية بطريقة درامية. ثانيا: ازف الوقت لقرص اريتريا على اذنها (قرصة دامية بعض الشيء) على طبعها عملة خاصة بها وانشاء خطوط جوية اريترية. ثالثا: ارضاء الجيش الاثيوبي خاصة عناصر الامهرا المعادية لكل من التيجراي والنيجرينا, اي لكل من اهل ميليس زيناوي المقيمين بإقليم التيجراي الذي يتوسط اثيوبيا واريتريا وابناء عمومتهم وخئولتهم سكان اريتريا, لتحقيق نصر على القوات الاريترية كانت قد حرمت منه طوال حرب التحرير ـ حرب العصابات ـ التي دامت ثلاثين عاما ـ من 1961 الى 1991, ولتأديب الجيش الاريتري خاصة على الهزيمة النهائية التي كانت قد لحقت بالجيش الاثيوبي عام 1991 وتمخض عنها انهيار نظام منجستو وخروج القوات الاثيوبية من اريتريا مدحورة مكسورة. وكان بالطبع من الممكن احتواء الخلافات لو نظر الفرقاء فيما يجمعهم لا فيما يفرقهم خاصة وان المهتمين بشئون القرن الافريقي كانوا قد استبشروا بالنظامين اللذين جاءا للسلطة في كل من اديس ابابا واسمرا عام 1991 لعدة اسباب: اولا: جاء لسدة الحكم في القطرين شباب مثقفون تقدميون تمرسوا في النضال ضد الاوليكاركية الهيلاسلاسية والفاشية الشيوعية التي اناخت على اثيوبيا في عهد منجستو, ووحدت بينهم تلك القضية المشتركة وضمتهم خنادق مشتركة ومعسكرات تدريب موحدة. ثانيا: لم تكن الجبهة الشعبية لتحرير اريتريا بقيادة اسياس افورقي وحركة تحرير اقليم التيجراي بقيادة ميليس زيناوي بعيدتين عن حركة القومية العربية والتيار العربي العام المناوىء للصهيونية والامبريالية الغربية فقد تعلم معظم كوادر الجبهتين في الخرطوم والقاهرة ودمشق وبيروت وكان تسليحهم من سوريا والعراق وتمويلهم من السعودية والسودان (الى حد ما) لذلك لم يكن غريبا ان تتضمن اتفاقية 1993 بين اثيوبيا واريتريا بندا يرحب بانضمام السودان لمجموعة اقتصادية تنداح في القرن الافريقي بعدئذ ولربما كانت الاجواء مهيأة لانضمام اليمن كذلك لولا انفجار مشكلة جزر حنيش التي تم احتواؤها على كل حال في نهاية المطاف, بطريقة سلمية وحضارية.. ليتها اصبحت ديدنا لحل كل مشاكل الحدود بين دول المنطقة والدول العربية والافريقية. ثالثا: ظن المراقبون ان التنظيم القوي الذي تحظى به الجبهة الشعبية وحركة التيجراي وما بينهما من اواصر المودة هي عناصر استقرار ظلت تتعطش له المنطقة منذ امد طويل ولربما تسري عدوى ذلك الاستقرار للصومال الممزق والسودان الذي ظلت الحرب الاهلية تفتك به منذ عام 1983. رابعا: يدرك اولئك القادة والكوادر والمثقفون الاريتريون والتيجراي ان الباعث الحقيقي لحروبهم هو الفقر والمجاعات والتخلف الاقتصادي الذي رزحت تحته شعوبهم وان المخرج ليس فقط في التحرير من الاوليكاركية الحاكمة في اديسا ابابا, انما في التعمير والبناء وترجمة الشعارات الى بنية مؤسسية وتنمية حقيقية وازدهار اقتصادي وذلك لا يتأتى الا بالتعاون والتجارة الحرة بين دول المنطقة والانتقال السلس لرأس المال والعمالة واستقطاب المستثمرين العرب والاجانب باشاعة السلام والاستقرار. كل هذا تحدثت عنه ادبيات الجبهة الشعبية وحركة التيجراي في منتصف التسعينيات فإذا بالشياطين كلها تخرج من القمقم واذا بالمرارات والاحقاد تحل محل التضامن والنضال المشترك. مهما تمنعت في الخريطة السياسية والاجتماعية والديمجرافية الاثيوبية الاريترية فإنك لن تجد مبررا لهذه الحرب, من الناحية الموضوعية والتاريخية, اللهم الا اذا امتهن الثوار الحرب واصبحوا يطربون لقعقعة السلاح ويتوقون لها وينتشون بها ولا يهمهم اسقاطاتها من دمار ودموع ودماء واشلاء ممزقة وقرى ينعق فيها البوم مرة اخرى بعد استقرار نسبي اطل عليها فيما بعد 1991. ام لعله الفيروس الافريقي الذي فتك بأهل رواندا والكونغو وسيراليو ن وليبريا وظل يدفع شطري قبيلة واحدة هي بني عيسى ليمسح احدها الآخر من الوجود في الصومال وما حدث في حقيقة الامر هو مسح الدولة نفسها من الكرة الارضية ليتفرق اهلها ايدي سبأ وتصبح مدنها مدن اشباح ليس فيها بنية مؤسسية. هذا الفيروس الافريقي الماكر ضرب المرتفعات الاثيوبية فتدفق سكانها نحو السودان اشباحا تمشي على ارجل كالعصى لا تذكرك الا بمجاعة 1983/1984 في اثيوبيا واريتريا وليس السودان بأفضل منهما. ولو تمعنت في ما يجمع اسياس افورقي ومجمل اهل اريتريا بميليس زيناوي وملته التيجراي لتعجبت كثيرا, اذ انهما الاقرب لبعضهما البعض من سائر شعوب المنطقة تاريخا وثقافة ومزاجا ومستوى اجتماعيا واقتصاديا وليس بينها تناقض كذاك الذي يباعد بين التيجراي والامهرا الذين يبلغ تعدادهم ثلاثة اضعاف التيجراي ومعظمهم مسيحيون, وهم كانوا الطبقة المتعلمة والحاكمة طوال العهود السابقة, ولا زالوا هم الصفوة رغم ان السلطة بيد التيجراي وهناك تناقض اكبر بين التيجراي والامهرا من جهة والارومو من جهة اخرى, فتعدادهم يبلغ خمسة اضعاف القوميتين المذكورتين ولا يقل عن ثلاثين مليون نسمة جلهم من فقراء الريف وعمال المدن الاثيوبية ولا خطر لهم ولا اثر ولا تعليم يذكر فقط جاء منهم منجستو مريام بمحض الصدفة ولم يفعل شيئا لانتشالهم من وهدة الفقر المزمن طوال الاربعة عشر عاما التي حكم خلالها شبه الامبراطورية الاثيوبية. لا شيء اذن يجعل الهوة تتسع بين اسياس وزيناوي ولكن يبدو ان الحسابات السياسية المتعلقة بالحفاظ على السلطة من اجل السلطة تعمي البصر وتجمد العواطف. ولو ترك الاثيوبيون اقليم زلام باسا الذي احتله الاريتريون قبل عامين او ابتلع الاريتريون هزيمتهم الحالية واعلنوا انهم سيتخلون عنها طالما كانت هي السبب في المجزرة الحالية, لما كان في ذلك مهانة او تنازل عن الكبرياء. الاهانة الحقيقية هي تسول الاعانات من الغرب وصور ضحايا الحرب في المعسكرات وهم ينتظرون القمح الامريكي واغاثات المجموعة الاوروبية اذ ان تلك الدول لا تدفع بدون المن والاذى وتحتاج لاقناع دافع الضرائب واستدرار عطفه بنشر الصور عن طريق الاعلام وعلى الجدران وعلى صدور الحسناوات وفي كل مساحة تسمح بالتشنيع والسخرية والشماتة على انظمة تقتل شعوبها بالمجاعات لتنفق على حروب عبثية سريالية لا تبقي ولا تذر, ويبدو انها بلا نهاية. ولكن الحرب احيانا تتحول الى نمط ثابت للحياة مثلما هو الحال في العديد من الدول الافريقية والغرب لا يهمه ذلك في قليل او كثير فهو اولا يحاول ان يثبت للافارقة انهم غير جديرين بحكم انفسهم فكما تخلوا عن الرجل الابيض تخلى عنهم وضرب عنهم صفحا وتركهم في ضلالهم يعمهون حتى يفني بعضهم بعضا ليعود مرة اخرى ويجد الارض وغاياتها ومواردها كما تركها, والغرب ثانيا مشغول بأزمته الخاصة منافسة تجز الرقاب مع الدول الصناعية الاسيوية وسباق لاهث مع التقنية المتجددة وصراع لا يتوقف مع الجريمة المنظمة وتحلل المدن وانهيار الاسرة والفوارق الطبقية التي لم تعالجها الاشتراكية بل فاقمتها ولن تعالجها الرأسمالية فهي مكون ثابت لها. غير ان الاعتماد على النفس هو المخرج الوحيد في نهاية التحليل والسلام الدائم ممكن والبناء التنموي الديمقراطي وارد برغم المرارات الحالية, اذ انها قد تكون مرحلة تحضير كالتي مرت بها الشعوب الاوروبية حتى الحرب الكونية الاخيرة وكالتي شهدتها الولايات المتحدة في منتصف القرن التاسع عشر, وتحديدا على ايام الرئيس ابراهام لنكولن عام 1860, عندما اندلعت الحرب بين ولايات الشمال والجنوب بسبب رفض الولايات الجنوبية المنتجة للقطن لتحرير العبيد ثم وضعت الحرب اوزارها عام 1865 وعادت المياه لمجاريها وانتصرت مبادىء الحرية للعبيد واستمرت اتجاهات الاعتماد على النفس والحرية الاقتصادية وتشييد البنية المؤسسية بالتكافل بين الولايات المختلفة مع تخصصاتها المختلفة, حتى خرجت الدولة العظمى التي لا زالت اغنى دولة في العالم, برغم السلبيات العديدة التي يعاني منها مجتمعها وبرغم المظالم التي يتعرض لها السود والقوميات المهمشة كالهنود والبورتوربكانز حتى الآن. يستطيع السود كذلك ان يبنوا حضاراتهم مرة اخرى في افريقيا اذ ان دولهم لا تنقصها الموارد انما ينقصها العزم والارتفاع فوق الشوفينية القبلية ويستطيع الشعب الاثيوبي والاريتري ان يبنيا امة واحدة كالامة الامريكية, حيث انهم نشأوا من حضارة واحدة كانت سائدة في اعماق التاريخ (مملكة اكسوم) واللغات السائدة الآن الامهرية والتيجرية هي من اصل واحد متفرع من اللغات الجمزية التي كان موطنها اليمن قبل ثلاثة آلاف سنة وهي لغات سامية كالعربية والعبرية, بل هم ابناء عمومة العرب تماما كاهل شمال السودان. ولو كان النظامان الحاكمان في اديس ابابا واسمرا ديمقراطيين تماما لما تدهورت الاوضاع لهذه الدرجة اذ ان الشفافية وحرية التعبير والتنظيم لا تترك العواصف مكبوتة لتنفجر كالبركان على حين غرة من الآخرين ولو تم نقاش المسائل الحدودية بالمكشوف وسمح للقوميات المعنية بابداء رأيها الحر لربما كانت الخيارات السلمية اكثر سهولة وفي متناول اليد ولو سعى النظامان للتنمية الاقتصادية على ارضية من الحرية الاقتصادية واطلقا طاقات الجماهير وتركاها تبتغي من فضل الله مع الكوابح المؤسسية التي تهدف لتوفير الضمانات للمقهورين من علاج وتعليم مجاني ولو خلصت النوايا نحو الانفتاح الاقتصادي على الاقل فيما بين الجارتين الشقيقتين ونحو التكامل المفضي للوحدة الاستراتيجية لكان ذلك افضل من الطريق الوعرة الحالية التي يسلكها النظامان في كل من اديس ابابا واسمرا.