سوف يشهد القرن الواحد والعشرون أشكالا مختلفة من الظواهر الاقتصادية وسوف يكون لتلك الظواهر افرازات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية من شأنها ان تشكل واقعا مغايرا للعالم الجديد في ظل قيادة العولمة وثورة التكنولوجيا والانترنت. ذلك ان العالم أصبح يعاني من محدودية الموارد الطبيعية المكتشفة وبالتالي يدفع ذلك دول العالم إلى البحث عن مصادر للدخل تستطيع من خلالها معالجة أوضاعها الاقتصادية وتوفر من خلالها أسباب المعيشة لشعوبها حرصا على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي. وفي ظل تراجع معدلات النمو الاقتصادي في مختلف دول العالم, وبالتالي تراجع معدلات الناتج المحلي الاجمالي في بعض دول العالم, ولا سيما دول العالم الثالث, وفي ظل تفاقم العجز في موازين المدفوعات والموازنات الحكومية وتقلص الانفاق الحكومي تبرز الظواهر الاقتصادية السلبية بشكل أكثر حدة, وتأتي ظاهرة البطالة كإحدى الظواهر الاقتصادية التي يتصف بها سوق العمل في العالم, بعد ان شكلت تلك الظاهرة خطرا حقيقيا على أنظمة الحكم في بعض دول العالم لاسيما دول العالم الثالث بعدما تجاوزت معدلات الفقر الخطوط الحمر, وزاد التباين في الدخل بين فئات المجتمع, وأصبحت دول العالم الثالث تحديدا أكثر تخلفا عن ركب التقدم والتنمية فيما يتصف سلوك العالم الصناعي بالتحفظ الشديد في تقديم المعونات والمساعدات المالية والفنية للدول الفقيرة, وبعدما أصبحت المنظمات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي تعمل على تحقيق أهداف الدول الصناعية عند تقديمها للوصفات العلاجية للاختلالات الهيكلية في اقتصاديات دول العالم الثالث, وكل تلك المؤشرات تؤكد على ان القرن الواحد والعشرين سوف يشهد انفجارات ذات آثار سلبية لن تكون الدول الصناعية بمنأى عنها, على الرغم من مخططات التباين التي وضعت خطوطها الأولية من قبل الدول الصناعية نفسها. ان هذا التباين بين شعوب العالم المتقدم وشعوب العالم النامي أو المتخلف سوف يشهد تزايدا خلال السنوات المقبلة من القرن الحالي في ظل عولمة اقتصادية ذات معالم معينة تعمل الدول الرأسمالية على تكريسها وفرضها على العالم, وسوف تظهر معالم هذا التباين من خلال التفاوت الكبير في توزيع الثروة بين شعوب العالم حيث ينعم البعض بالرفاهية فيما يعاني الآخرون من شدة الفقر والجوع والتشرد وهذا الوضع ينبئ عن حدوث أزمات اجتماعية وسياسية شديدة كنتيجة طبيعية لفجوة الفقر المتفاقمة, ولعل أهم أسباب تلك الأزمات بروز ظاهرة البطالة في العالم. لقد أصبحت البطالة في عالمنا اليوم هي أخطر المشكلات التي تواجهها دول العالم المتقدمة والنامية على السواء, ويشير الدكتور رمزي زكي الباحث العربي المصري ومستشار الأمم المتحدة الانمائي UNDP في بحثه المنشور في العدد 226 من مجلة عالم المعرفة التي تصدر من المجلس الوطني للثقافة والفنون بالكويت, بأن خطورة البطالة لا تتمثل في التزايد المستمر عبر الزمن فحسب في أعداد العاطلين الذين وصلوا الآن إلى ما يقارب المليار عاطل في مختلف أنحاء الأرض, وما يمثله ذلك من اهدار في عنصر العمل البشري, وما ينجم عنه من هدر وضياعات اقتصادية, لكن مكمن الخطورة يتمثل في النتائج الاجتماعية والسياسية التي ترافق حالة التعطل حيث تعد البطالة بيئة خصبة للعنف والجريمة والتطرف كما انها قد تعني انعدام الدخل مما يعني خفض مستويات المعيشة وزيادة عدد من يقعون تحت خط الفقر وما يرافق ذلك من الأوضاع اللاإنسانية. البطالة في العالم لم تقتصر البطالة على مجتمع بعينه أو دولة بعينها وانما أضحت هذه الظاهرة تكتسح دول العالم المتقدم والنامي, وفي هذا الشأن يشير تقرير لمنظمة العمل الدولية نشر في عام 1988 أكدت فيه المنظمة عن أوضاع الاستخدام والتشغيل في العالم خلال العام 86/1987 حيث أشار التقرير إلى ان حجم العاطلين عن العمل قد تجاوز المليار شخص, وهو ما يمثل حوالي 35% من حجم القوى العاملة في العالم, وعلى الرغم من ان دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هي الأكثر ثراءً إلى ان عدد العاطلين فيها وصل إلى 34 مليون شخص. وإذا استطاعت الدول الأوروبية ان تتعامل مع تزايد مستويات البطالة بمزيد من الاصلاحات خلال عقد التسعينيات فإن القرن الحالي سوف تشكل فيه ظاهرة البطالة قلقا حقيقيا لحكومات وشعوب هذه الدول, لا سيما تلك الدول التي تدخل ضمن منطقة اليورو, إذ تشير الاحصاءات إلى ان من بين عشرة أشخاص في سن العمل يوجد عاطل واحد عن العمل. وتقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن نسبة البطالة في منطقة اليورور وصلت إلى نحو 11.2 في عام 1999 فيما وصلت نسبة البطالة في الولايات المتحدة إلى 4.7% في ديسمبر 1998 بعد ان سجلت هبوطا منذ 24 عاما أي منذ 1973 عندما بلغ 4.6%. ويؤكد الخبراء الاقتصاديون بأنه وفي ظل المنافسة العالمية في سوق المنتجات وفي ظل التطور التقني الذي يشهده العالم وخاصة مجموعة دول الاتحاد الأوروبي فإن هذه الدول سوف تعاني تفاقم البطالة بعد ان وصلت معدلات البطالة فيها إلى مستويات مرتفعة وصلت في نهاية العام 1998 إلى نحو 11.3%, فيما سجلت البطالة في كل من فرنسا والسويد وألمانيا وإيطاليا معدلات متزايدة, وإذا كانت ألمانيا قد عرفت ان سبب البطالة هو توحيد شطري ألمانيا فإن الدول الأخرى تعاني من تزايد المشكلة مما دفع ببعض الجماعات إلى المطالبة بطرد المهاجرين الموجودين فيها وخطر استقبال مهاجرين جدد حتى يتم توفير فرص عمل للعمالة المواطنة, وبالتالي خفض معدلات البطالة (تقرير منظمة التعاون الاقتصادي). أما في أفريقيا وتحديدا في دول جنوب الصحراء فقد أصبح تحقيق تنمية اقتصادية أمرا شبه مستحيل بسبب الارتفاع المتزايد لمعدلات البطالة ولا توجد هناك بيانات أو احصائيات متوفرة ولكن مستويات الفقر أصبحت تشير إلى حالة الأوضاع في تلك الدول وأكدتها الصراعات والحروب الأهلية والاضطرابات التي تشهدها القارة السوداء, ومازالت تتفاقم بسبب الأوضاع المعيشية المتردية. أما في اليابان فبعد ما كان نظام العمالة في التوظيف في اليابان موضع ثقة ومديح من قبل الغرب فإن الأزمات الاقتصادية التي عانى وما زال يعاني منها الاقتصاد الياباني دفعت بمئات الآلاف من اليابانيين إلى الخروج إلى الشوارع في مايو 1998 للتعبير عن همومهم الاقصادية والاجتماعية بعدما أصبح جزء منهم يقبعون في بيوتهم ينفقون مما ادخروه في السنوات السابقة, وقد سجل مستوى البطالة في مارس 1998 ارتفاعا بنسبة 3.9% واعتبره المحللون بأنه أسوأ نسبة منذ أزمة النفط الثانية في 1979 وهناك اجماع بأن الأمور سوف تسوء مما يثير المخاوف بامكانية حدوث عدم استقرار سياسي وهو أمر لم تشهده البلاد منذ الحرب العالمية الثانية, كما كان نتيجة لذلك ارتفاع معدلات الجريمة بين العاطلين, إذ تشير الأرقام إلى تفاقم الوضع الأمني في اليابان. البطالة في الوطن العربي لقد أصبحت معدلات البطالة مرتفعة ومتزايدة في وطننا العربي, ويقدر عدد العاطلين بحوالي 14 مليون شخص من اجمالي القوى العاملة, وتستحوذ كل من مصر والسودان والمغرب وسوريا والعراق والجزائر واليمن على حوالي 70% من حجم القوى العاملة, وتستحوذ مصر وحدها على نسبة 25%, ويرجع التقرير أسباب التدهور في أسواق التشغيل إلى فشل اقتصاديات الدول النامية بما فيها العربية من التعافي الكامل من الأزمات الاقتصادية الخاصة التي تعرضت لها منذ النصف الثاني من الثمانينيات الى النمو البطيء في معدلات الاجور وتدني انتاجية العامل بمعدلات خطيرة وزيادة معدلات التضخم بالاضافة الى تزايد اعداد العاطلين. فقد شهد الوطن العربي تزايدا للبطالة الامر الذي دعا الامين العام لمنظمة العمل العربية بالتأكيد على ضرورة وجود برامج مؤقتة ومنها اقامة صناديق وبرامج وطنية لتشغيل العمالة حيث تتزايد معدلات البطالة في الدول العربية الى نحو 10% بين القوى العاملة العربية التي وصلت في نهاية القرن الحادي والعشرين الى 99 مليون نسمة, ومن امثلة الاوضاع في عالمنا العربي نجد ان السودان تعاني من معدل بطالة متزايد وصل الى 22.3% في الخرطوم وحدها في عام 1998 وذلك وفق دراسة اعدها خبير بوزارة القوى العاملة بالسودان وتتوزع 20% في المناطق الحضرية و16% في المناطق الريفية. اما المغرب فبموجب تقرير من ادارة الاحصاء فقد بلغ عدد العاطلين فيها نحو مليون شخص معظمهم يحملون شهادات جامعية وارتفعت نسبة البطالة فيها من 16.7% الى 19% وهي اعلى نسبة في عام 1998. اما في فلسطين فإن البطالة تشكل اهم المشكلات الرئيسة التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني والمجتمع الفلسطيني وذلك لما تمثله هذه الظاهرة من اوضاع اقتصادية واجتماعية وسياسية خطيرة وقد تفاقمت مشكلة البطالة منذ عام 1993م حينما بلغت 10% وواصلت الارتفاع لتصل في عام 1996 الى نحو 50% وفيما يبلغ حجم القوة البشرية 1.5 مليون شخص نجد ان القوة العاملة يصل عددها الى 630 ألف شخص وتصل نسبة البطالة الى 20% في قطاع غزة وحوالي 12% في الضفة الغربية ويصل المتوسط العام الى نحو 16% في المنطقتين (الخليج العدد 7269 الصادر في 13 مايو 2000). دول مجلس التعاون وفي دول مجلس التعاون برزت ايضا ظاهر ة البطالة بين ابناء دول المجلس لاسيما بعد تراجع اسعار النفط في السنوات الاخيرة والازمات التي مرت بها المنطقة (الحرب العراقية الايرانية, ثم احتلال القوات العراقية للكويت) حيث كلفت الازمتان دول الخليج اعباءا مالية كبيرة اثرت على موازناتها الحكومية التي اصبحت تعاني حاليا من عجوزات مزمنة انعكست على حجم الوظائف المخصصة في الميزانيات السنوية لهذه الدول حيث تقلصت الوظائف, فيما ما زال القطاع الخاص غير متجاوب بشكل ايجابي مع مطالبات الحكومات في هذه الدول بفتح المجال امام العمالة المواطنة. ولما كانت دول المجلس هي دولة مستوردة للعمالة الوافدة وتشكل هذه العمالة الوافدة نسبة عالية في الجهاز الوظيفي الحكومي والقطاع الخاص وفي ظل تزايد اعداد الخريجين المواطنين المؤهلين فإن بروز ظاهرة البطالة اصبحت من المفارقات الغريبة ساعد في تزايدها وجود عمالة وافدة تقبل بأجور منخفضة وغياب سياسات عمالية في دول المجلس, وقد انعكست هذه الظاهرة في هيئة اضطرابات كما حدث في البحرين عام 1994 حينما تفاقم الوضع الامني وحدثت مصادمات بين العمالة البحرينية التي تعاني من البطالة والسلطات الامنية, وقد شكلت هذه المصادمات مؤشرا خطيرا لدول مجلس التعاون عندما اصبحت تمثل تهديدا امنيا لاستقرار المنطقة الامر الذي دعا الى عقد اجتماع وزراء الداخلية في دول المجلس لمعالجة هذه الظاهرة قبل تفاقمها. ان ظاهرة البطالة في دول المجلس تعتبر ظاهرة غريبة وقنبلة موقوتة حيث ان هذه الدول تعاني من محدودية القوى العاملة المواطنة, فيما تتوفر فيها فرص العمل في القطاعين العام والخاص ويشغل معظم هذه الوظائف عمالة وافدة وتشكل هذه العمالة سيطرة واضحة على سوق العمل.. كما ان هذه الدول على الرغم من ظهور عجوزات في موازناتها الا انها تتميز بوفرتها المالية مع سوء التوظيف, ولا توجد هناك مبررات مقنعة بتجميد الوظائف الحكومية لا سيما وان التقارير المحلية والدولية تؤكد على تحقيقها نموا اقتصاديا كبيرا فيما تبلغ نسبة العاطلين في هذه الدول بين 1-2.7%. واذا كانت البحرين بعد اضطرابات 1994 قد سعت في معالجة اوضاع العمالة المواطنة بتشغيل مواطنيها بعد ان وصلت نسبة البطالة بينهم الى 2.4% من اجمالي قوة العمل في عام 1998 فإن هذا السعي لا يزال محدودا ومقتصرا على القطاع العام, فيما اقتصر نشاط العمالة في البحرين بالقطاع الخاص على بعض الاعمال المكتبية والادارية المحدودة. اما سلطنة عمان فقد تبنت سياسة الاحلال والتوطين (التعمين) بدلا من العمالة الوافدة وقد جاء في تقرير وزارة الاقتصاد ان نسبة العمانيين في القطاع الخاص قد ارتفعت بنسبة 25.3% خلال الشهور الاربعة الاولى من عام 1999 مقابل انخفاض في عدد الوافدين في نهاية ابريل 1999 بنسبة 6.9%, وتشكل العمالة الوافدة نحو 600 ألف نسمة من اجمالي تعداد سكان السلطنة البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة, وقد انتهجت السلطنة منذ سنوات عديدة استراتيجية (التعمين) في مختلف القطاعات وفي هذا الاطار سعت الى توظيف مواطنيها في القطاع الخاص بتشجيع مؤسسات القطاع الخاص بتشغيل العمانيين بأجر معين تتحمل الحكومة العمانية جزءا من الاجر او الراتب لفترة زمنية معينة يكون فيها العماني تحت التدريب. وفي ضوء هذه السياسة بلغ عدد العمالة العمانية في هذه القطاع حتى يونيو 1998 الى 48.3 ألف موظف مسجلين لدى الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية مقابل انخفاض في اعداد العمالة الوافدة بلغ في الفترة نفسها الى 473.6 ألف عامل بانخفاض نسبته 1.8% في نهاية عام 1998. وفي هذا الاطار فقد تبنى البنك المركزي العماني من خلال اشرافه على معهد الدراسات المصرفية اهتماما بتنمية الموارد البشرية في المصارف التجارية العاملة في السلطنة وبلغت نسبة التعمين في المصارف العمانية بنهاية الربع الاول من عام 1999 حسب ما جاء في نشرة البنك المركزي العماني نحو 88.2% مقابل 11.8% من الوافدين. اما في دولة الكويت فقد اصبحت البطالة فيها قضية محورية في اية انتخابات برلمانية واصبح تشغيل المواطنين ومعالجة البطالة تحظى باهتمام كبير ومناقشات مطولة في مجلس الامة الكويتي وكذلك تستقطب اهتماما كبيرا من قبل الحكومة الكويتية وعلى الرغم من ذلك فإن الكويت ما زالت هي الاخرى تعاني من بطالة في سوق العمل. ان تناولنا لقضية البطالة في دول العالم والدول العربية ثم دول المجلس يشكل اهمية اساسية في دراستنا لظاهرة البطالة في الامارات وذلك من خلال الابعاد التالية: 1ـ ان البطالة اصبحت ظاهرة عالمية ولا تقتصر على مجتمع بعينه او مجموعة دول وانما اصبحت ظاهرة افرزتها المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية العالمية واصبحت تعاني منها جميع دول العالم بلا استثناء وقد اكدت تقارير المنظمات الدولية بأن هذه الظاهرة تشكل تحديا خطيرا لكل الدول والمجتمعات الامر الذي يتطلب من الامارات ان تتخذ الوسائل والاجراءات الكفيلة بعدم استفحال مشكلة البطالة هذه حتى لا تصبح ظاهرة تهدد مكتسبات الدولة. 2ـ ان اقتصاد الامارات في ظل تداعيات العولمة ومتطلبات اتفاقية منظمة التجارة العالمية W.T.O. اصبح جزءا من الاقتصاد العالمي وفي ظل سياسة الانفتاح التي تنتهجها الدولة وكذلك الاتفاقيات التي ابرمتها مع دول عديدة في مختلف قارات العالم فإن اي افرازات للتطورات الاقتصادية هذه من شأنها ان تنعكس مباشرة على الاوضاع الاقتصادية بالدولة, وبالتالي فإن تفاقم البطالة في الدول التي ترتبط معها الامارات بعلاقات تجارية واقتصادية سوف ينعكس بشكل مباشر او غير مباشر على اوضاعنا الاقتصادية وخاصة الدول المصدرة للعمالة الى الامارات كالهند وباكستان وبقية الدول الاسيوية, او تلك الدول المستوردة لنفط الامارات فحدوث اضطرابات بفعل البطالة من شأنه ان تشل النشاط الاقتصادي والتجاري وبالتالي ينخفض او يتراجع الطلب على نفط الامارات, كما حدث في ازمة دول جنوب اسيا (النمور الصفر). 3ـ ان حدوث اضطرابات امنية واقتصادية بفعل تفاقم مشكلة البطالة في دول عربية وخاصة دول المجلس كما حدث في البحرين من شأنه ان ينعكس على الاوضاع الامنية والاقتصادية في الامارات ويشكل انذارا صريحا ومباشرا بأن ما يحدث في تلك الدولة او تلك المنطقة ليس شأنا خاصا بتلك الدولة او الدول وانما هو شأن تتحمل اعباءه كل دول المنطقة والاحداث والمتغيرات التي تحدث في الدول العربية ودول الخليج عامة تؤكد مدى حقيقة ذلك وبالتالي فإن البطالة العربية عامة والبطالة في الخليج خاصة هي شأن يخص الامارات ايضا ويؤثر على مسيرة التنمية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والامني وعليه فإن معالجة مشكلة البطالة في الدول العربية عامة هو من صميم توجهات كل الدول بما فيها الامارات. 4ـ ان ظاهرة البطالة في بعض دول العالم ليست وليدة ظروف طبيعية وانما هي بفعل مجموعة من العوامل التي وضعتها دول معينة ومنظمات معينة تعتبر البطالة ذراعا قوية تمدها للوصول الى اهدافها وسلاحا تشهره ضد اي دولة تعمل على الاستقلال بقراراتها السياسية والاقتصادية والامارات احدى الدول التي تعتبر البطالة سلاحا تستغله بعض المنظمات والدول للضغط والحيلولة دون الخروج من منظومتها ثم ان الامارات بما تحتضنه من بطالة مستوردة هي جزء من الذراع التي تملكها تلك الدول والمنظمات كوسيلة ضغط على دول اخرى وكل ذلك يدخل في اطار استراتيجيات دول معينة تملك النفوذ والسلطة الدولية!! وبالتالي فإن الامارات لا تملك حرية كاملة في قرار التخلص من هذه البطالة الوافدة كما انني لا استبعد كون البطالة الوافدة في حقيقة الامر جزءا من سياسة لا تملك الامارات حق القرار في تغييرها!! 5ـ ان التحولات الكبيرة التي تشهدها سوق العمل الدولية بفعل التحول الى الاعتماد الكبير على التكنولوجيا لتحقيق نصيب اكبر من سوق المعاملات والتجارة العالمية في اطار المنافسة المحتدمة بين الدول الصناعية خاصة من ناحية وكذلك التوجه العالمي الذي تشهده السوق العالمية بتحقيق الاندماجات بين شركاتها للاستعداد للولوج لمرحلة العولمة ثم لتعزيز القدرات التشغيلية وتقوية القواعد الرأسمالية للشركات عابرة القارات من ناحية اخرى من شأن هذين العاملين ان يفرزا بطالة كبيرة بعد تقلص النفقات والاجور وعليه فإن اعدادا كبيرة من موظفي الشركات وعمالها سوف يجدون انفسهم في الشارع وبالتالي فإن سوق الامارات سوف تشهد خلال السنوات المقبلة عمالة وافدة من دول اوروبا والولايات المتحدة في هيئة شركات وعمالة تمهد لها شركات العولمة المقبلة الى اسواقنا دون عودة!! وذلك بعد ان شهدت هذه الاسواق عمالة متزايدة من اوروبا الشرقية. البطالة في الامارات يقصد بالبطالة الظاهرة في الامارات بأن هناك شريحة من المواطنين ممن تتراوح اعمارهم من (18ـ60) سنة وتشكل قوة عمل من السكان لديها القدرة والامكانية والاستعداد للعمل وتبحث عن عمل ولا تجده, وقد حدد قانون الخدمة المدنية رقم (8) لسنة 1980 من مادته رقم (18) سن الدخول لسوق العمل بثمانية عشر عاما, فيما حددت المادة (73) من قانون التقاعد على ان لا يقل عمر المؤمن عليه عن ثمانية عشر عاما ولا يزيد على الستين عاما. ولم يحدد القانون الاتحادي رقم (7) لسنة 1999 في شأن قانون المعاشات والتأمينات الاجتماعية فترة زمنية معينة للخروج من سوق العمل وانما اتاح للمواطنين حق الاستمرار في العمل حتى بعد الستين شريطة صلاحية الموظف للعمل بموجب تقرير طبي سنوي بعد تجاوزه لعمر الستين وذلك وفقا لما نصت عليه المادة (16) من القانون نفسه. كذلك هناك شكل اخر للبطالة وهو (البطالة المقنعة) حيث برزت هذه الظاهرة في السنوات الاخيرة في مؤسساتنا ووزارتنا الحكومية وذلك بوجود عدد من الموظفين العاطلين عن العمل او اولئك الذي تقل انتاجيتهم عن المعدل المطلوب. اذ لا تتجاوز انتاجيتهم عن معدل ساعة في اليوم الواحد, ولهذه الظاهرة اسبابها ولعل اهمها سوء توظيف القوى العاملة المواطنة وغياب سياسية الاحلال والتوطين وبعد ان اصبحت عمليات التعيين تستند إلى كون الوظيفة حقا للمواطن دون مراعاة الانتاجية!! ثم هناك البطالة في سوق العمل بالامارات مرجعها وجود عمالة مستوردة ومقيمة في الامارات دون ان يكون لها عمل فعلي على الرغم من انها تشكل عبئا كبيرا على الدولة من الناحية الامنية والصحية والمعيشية!! البطالة والتوطين اصبحت قضية توطين سوق العمل في الامارات ومعالجة الاختلالات التي تعاني منها هذه السوق وقضية البطالة تمثل اهمية بالغة لدى ابناء الامارات, وهاجسا كبيرا وقلقا ملموسا لما للبطالة والتوطين من انعكاسات واثار وتداعيات ثم ان البطالة اضحت بعدا ومحورا في الساحة الاقتصادية سواء من قبل المسئولين او المحللين او شرائح المجتمع. كما ان قضية التوطين المرتبطة بالبطالة تمثل مدخلا نحو تحقيق تنمية شاملة لا لكونها قضية محورية فحسب وانما لكونها ركيزة اساسية في الوصول الى نهضة اقتصادية وكذلك لما لها من ابعاد امنية واجتماعية لانها تمس شريحة من التركيبة السكانية, وباعتبار ان الوظيفة او الحصول على فرصة عمل للمواطن هو حق لكل مواطن يعيش على هذه الارض وبالتالي فإن الامر يتطلب اهمية اعادة ومراجعة اسباب هذه المشكلة والعمل على معالجتها ودراسة تداعياتها وانعكاساتها والعمل على الحيلولة دون تفاقمها كي لا تتحول البطالة من مشكلة يمكن السيطرة عليها الى ظاهرة تشكل ورما سرطانيا يتغذى على مكتسبات الوطن ويضعف من اركانه ويتم ذلك من خلال قراءة امينة وصادقة لواقع العمل وحقيقة البطالة في الامارات في ظل الاعتبارات التي يفرضها واقع تشغيل العمالة المواطنة ومستجدات المرحلة المقبلة التي تتطلب تضافر كافة الجهود لتحقيق اصلاحات فاعلة وجادة لوطن المستقبل. اعتبارات التوظيف والتوطين: من واقع قراءة سوق العمل بالامارات وفي ظل التطورات المستجدة في سوق العمل الدولية ومتطلبات المرحلة المقبلة, وفي ضوء الحقائق والعوامل التي تتطلب خلق فرص عمل للعمالة المواطنة التي تشهد تدفقا مستمرا لسوق العمل بعد حصولها على مؤهلات علمية تؤكد قدرتها على ادارة دفة العمل الانتاجي والاداري فإن هناك اعتبارات معينة يجب مراعاتها عند معالجة مشكلة البطالة في الامارات وهي كالتالي: اولا ـ العمل كأحد الحقوق الدستورية لمواطني الدولة: لقد جاء في ديباجة دستور الدولة بعد الاعلان عن قيامها والموقع من قبل اعضاء المجلس الاعلى للاتحاد في الثاني من ديسمبر من عام 1971 بأن اركان وقواعد الحكم في الدولة تقوم على (اعداد شعب الاتحاد للحياة الدستورية الحرة الكريمة, مع السير به قدما نحو حكم ديمقراطي نيابي متكامل الاركان في مجتمع عربي اسلامي متحرر من الخوف والقلق والعوز) . ثم تأتي المادة (20) من الدستور نفسه لتنص على هذا المبدأ حيث تؤكد على (تقدير المجتمع للعمل باعتباره ركتا اساسيا من اركان تقدمه ويعمل على توفيره للمواطنين وتأهليهم له ويهيىء الظروف الملائمة لذلك بما يضعه من تشريعات تصون حقوق العمالة ومصالح ارباب العمل على ضوء التشريعات العمالية المتطورة) . ان الحقوق العامة التي نص عليها الدستور ومنها الحقوق الاقتصادية لا يجب ان تقتصر على نص دستوري منصوص عليه في مجموعة اوراق, او تصريحات صحفية منشورة, او مقالات مكتوبة او تصريحات اعلامية بقدر ما يجب ان تترجم تلك الحقوق الى حقيقة وواقع ملموس تعزز من الشعور بالانتماء والاحساس بالولاء لهذا الوطن لكونها تمس كرامة الانسان وحقه في العيش مكرما ومعززا في وطنه بما يعني ذلك من تكافؤ الفرص والمساواة في الحقوق بين مختلف شرائح المجتمع وفئات المواطنين دون تمييز سواء من الاصل او المركز الاجتماعي او العقيدة الدينية ويكون اساس المعاملة هو مبدأ الحقوق والواجبات. لقد نصت المادة (25) من الدستور على مبدأ المساواة وعدم التمييز حينما اكدت على احقية كل مواطن بالحصول على وظيفة يساهم من خلالها في تنمية مجتمعه وصيانة وطنه وتطور افراد بلده ثم جاءت المادة (34) من الدستور نفسه لتعزز ما جاء في المادة (20) المشار اليها انفا حينما جاء نصها مؤكدا على حرية المواطن في اختيار عمله او مهنته او حرفته في حدود القانون. كما اكد الدستور على عدم جواز فرض عمل اجباري على احد الا في الاحوال الاستثنائية التي ينص عليها القانون واشترط التعويض عن ذلك مشيرا في الوقت نفسه إلى عدم جواز استعباد اي انسان, كما اكد الدستور في مادته رقم (35) على مبدأ المساواة بين جميع المواطنين في الوظائف العامة مشيرا الى ان هذه الوظائف خدمة وطنية تناط بالقائمين بها بحيث يستهدف الموظف العام في اداء واجبات وظيفته المصلحة العامة وحدها. من ناحية اخرى وحتى يكفل الدستور هذه الحقوق والحقوق المدنية الاخرى ويصونها فقد اكد في مادته (41) على الضمانات التي تكفل سيادة القانون واستقلالية القضاء واحقية كل انسان بالتقدم بشكواه الى الجهات المختصة بما في ذلك الجهات القضائية في حال امتهان الحقوق والحريات المنصوص عليها في دستور الدولة, وبما فيها حقوق الانسان الاقتصادية. ثانيا ـ العمل كأحد الحقوق الانسانية: لقد جاء الاعلان العالمي لحقوق الانسان والصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في عام 1948 لينص على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الى جانب الحقوق الفردية الاخرى مشيرا الى انه اذا كان اهم تلك الحقوق التي جاءت في هذا الاعلان الحقوق السياسية التي تعني احقية الفرد في المشاركة في ادارة او الاشتراك في ادارة الشئون العامة للبلاد فإن الحقوق الاقتصادية تشكل قاعدة اساسية ويشكل حق العمل حسبما جاء في الاعلان قوام تلك الحقوق. واذا كان الاعلان العالمي لحقوق الانسان قد اكد على اهمية الاعتراف بالكرامة المتأصلة في بني الانسان وبحقوقهم المتكافئة الثابتة باعتبارها اساس الحرية والعدالة والسلام فإنه اليوم وفي ظل التطورات العالمية المستجدة وفي ظل الانفتاح العالمي اصبحت مطالب الانسان في اي مجتمع من المجتمعات الانسانية بحرية القول والرأي والتحرر من الخوف والعوز وتحقيق حقوق الانسان في هذه المجتمعات اساسا مهما في صيانة المجتمع وتحقيق الاستقرار والامن وهو السبيل الى تحقيق النهضة والتنمية الشاملة وتعزيز اركان الدولة من التصدع او الضعف او الانهيار. ومن هنا فإن دول العالم المتقدم قد سعت جاهدة الى مراجعة دساتيرها لتوفقها مع متطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية صيانة لحقوق العباد وتحقيقا للاستقرار والامن والتنمية في البلاد, وقد جاءت شعوب العالم المتقدم المصدقة على ميثاق الامم المتحدة لتؤكد على اهمية حقوق الانسان الاساسية وصيانة كرامته ولتحقق المساواة بين افراد الشعب الواحد في الحقوق والواجبات باعتبار ان ذلك هو السبيل الوحيد نحو تحقيق التنمية والرقي ومواكبة الحضارة العالمية. وقبل كل الدساتير الوضعية هذه جاء الاسلام ليشرع المساواة بين العباد المنتمين لأمة الاسلام اذ لا فرق بين عربي ولا عجمي الا بالتقوى والعمل الصالح.. ولا ميزة لابيض على اسود الا بالتقوى. جاء الاسلام ليرسي دعائم العدالة الاجتماعية ويعزز الكرامة الانسانية ويعلن حقوق الانسان في الحرية والكرامة والعدالة والسلام بين بني البشر. ومكن الاسلام الفرد من المشاركة الفعلية في ادارة شئون بلاده استنادا الى مبدأ الشورى وطالب الحاكم بضرورة مشاورة ذوي العلم والمعرفة والدراية ليكونوا عونا له في ادارة شئون البلاد والعباد. ومن هنا فإن مواد دستور الدولة الذي يمثل العمود الفقري في ادارة شئون البلا قد جاءت منسجمة ومتسقة مع التشريع الاسلامي الى حد كبير وقد جاءت المواد تلك معالجة للكثير من القضايا التي تتعلق بحقوق الانسان وواجباته في دولة تنشد الاستقرار والتقدم والازدهار. ثالثا ـ توجيهات رئيس الدولة وتعليماته في شأن العمالة المواطنة: لقد اكدت التوجيهات السامية العديدة لصاحب السمو رئيس الدولة على ان الانسان هو الثروة الحقيقية للوطن ومن اجل ذلك لابد ان تسخر كل الامكانيات والثروات من اجل تحقيق الرفاهية الاجتماعية والمستوى المعيشي للمواطنين وقد كان اخر تلك التوجيهات تشكيل لجنة تنفيذية برئاسة وزير الداخلية تكون مهمتها تشغيل المواطنين العاطلين عن العمل. رابعا ـ العمالة المواطنة والقضية الامنية: ان توظيف وتعيين المواطنين هي قضية ترتبط بالامن الوطني قبل ان تكون قضية اقتصادية او اجتماعية او ثقافية, وتدريب المواطنين وتعيينهم وتوظيفهم يعتبر اهم التحديات التي يجب ان تولى اهمية كي يستطيع مجتمع الامارات مواجهة التحديات الخارجية بعد تعزيز الداخل. وهذا ما اكده معالي وزير الداخلية في حواره مع صحيفة الخليج المنشور بتاريخ 3 ابريل 2000 حينما اشار الى ان البطالة مصدر للتوتر الاجتماعي وعامل لتغذية ظواهر التطرف والعنف والجريمة مؤكدا على ضرورة معالجة هذه الظاهرة لاسيما وان الوظائف المتاحة كثيرة واكثر بكثير من القوى البشرية الباحثة عن العمل في ظل وجود عمالة مواطنة تعاني من بطالة فيما هناك وظائف شاغرة او انها تشغل بعمالة وافدة ان وجود بطالة في مجتمع الامارات يشكل تهديدا واضحا ومباشرا للمجتمع سواء بالخلل والتفكك او بالانهيار. خامسا ـ العمالة المواطنة ومشاريع التنمية الاقتصادية: ان مشاريع التنمية التي يتغنى بها البعض قد تخبو وتتضاءل اذا لم يتوفر فيها شرط ضمان ديمومتها والذي يعتمد في جوهره على تعزيز موقع ودور المواطنين فيها وعلى مستوياتها كافة وهذا البعد الحيوي الاستراتيجي ينبغي البدء بالتهيئة له منذ الآن وبخاصة في مجالات التدريب والتأهيل وبناء القدرات الذاتية لابناء الدولة. كما ان نجاح اي رؤية للتنمية في الدولة لا يمكن ان يتحقق دون مراجعة دقيقة وموضوعية للوضع الوظيفي والتنموي للمواطنين والمقيمين العاملين في مؤسساتنا ودوائرنا ووزارتنا وشركاتنا ويتم ذلك من خلال صيغة جديدة وذات بعد مستقبلي لشريحة المواطنين بهدف تحقيق تنمية بشرية فعلية تشكل مدخلا لرؤية استراتيجية التنمية هذه. سادسا ـ العمالة المواطنة والانتاجية: لما كانت الدوائر والمؤسسات الحكومية الاتحادية والمحلية تعاني من ترهل وظيفي وضعف في الانتاجية بسبب تواجد اعداد كبيرة من الموظفين غير المواطنين تتسم شريحة منهم بانها غير مؤهلة فإن الامر يتطلب تفعيل دور هذه الدوائر والمؤسسات ومعالجة الخلل والضعف بتلك الدوائر وذلك برفد تلك الدوائر والمؤسسات بعدد من المواطنين المؤهلين وذوي الاختصاص وذلك بعد مراجعة السلم الوظيفي ووضع نظام للحوافز المادية والمعنوية وبرامج لتدريب وتأهيل المواطنين. سابعا ـ العمالة المواطنة واستراتيجية التنمية: ان احداث التنمية في الامارات بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ووفق رؤية استراتيجية تتطلب توظيف كافة الامكانيات المادية والبشرية والطبيعية في تحقيق ذلك. خاصة وان الدولة تمتلك من الموارد الطبيعية ثم الامكانيات المالية الضخمة, والامكانيات البشرية الواعدة والمؤهلة وتحمل كافة التخصصات العلمية والفنية ولكن ما ينقصها هو التوظيف الهادف والعلمي لتلك الامكانيات والموارد, ولا يحكمها محدودية مطوقة بقدر كونها غير مستقلة بالمستوى المطلوب, كما ان على هذه الامكانيات الذاتية الكامنة تمثل القاعدة المركزية للاتجاه نحو التنمية المستهدفة. وإحداث هذه التنمية يعني تحقيق بعدها البشري في وجود تنمية بشرية وخلق فرص عمل لشريحة المواطنين الذين يشكلون تزايدا فعليا وبشكل سنوي. ومن ناحية اخرى فإن قضية القوى العاملة والتعليم والتوطين من القضايا الكبرى وتعتبر من محددات التنمية ولكنها ذات مشاكل دائمة تتطلب من الجهات المعنية في الدولة سرعة التدخل في معالجتها فيما اذا كانت هناك قناعة لدى الدولة في احداث تنمية فعلية. ان رفع نسبة العمالة المواطنة في سوق العمل بالامارات يجب ان لا ينظر لهذا الامر من منطلق واجب الدولة تجاه مواطنيها وانما يأتي رفع نسبة العمالة المواطنة في القطاعين (العام والخاص) من منطلق اهمية الابعاد الاقتصادية اذ ان وجود هذه العمالة في سوق الامارات يؤدي الى تحقيق الاستقرار الاقتصادي ورفع وتيرة النشاط الاقتصادي وزيادة الانتاجية وتقليص حجم التحويلات وتدفق السيولة التي تقوم بها العمالة الوافدة حاليا رغم حاجة اقتصادنا اليها ثم ان ذلك يعني تحقيق التنمية البشرية التي تسهم بتحقيق الاستقرار في التركيبة السكانية وتحقيق اهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمحافظة على قيم المجتمع وعاداته وتقاليده. ثامنا ـ المتغيرات الاقتصادية العالمية واثرها على سوق العمل في الامارات: ان المتغيرات الاقتصادية العالمية التي سوف تشهدها سوق العمل العالمية بفعل عولمة الاقتصاد والطقوس التي تفرضها منظمة التجارة العالمية W.T.O., والتوجه نحو الخصخصة وبفعل الاندماجات الاقتصادية العالمية, وبروز التكتلات الاقتصادية, ثم الاتفاقيات الاقتصادية التي تعتبر الامارات طرفا فيها سواء الاتفاقيات الثنائية بين الامارات والعديد من دول العالم, او الاتفاقية الاقتصادية لدول المجلس. او الدعوة والرغبة في وجود استثمارات اجنبية ثم المتغيرات التي تحدث في سوق العمل الخليجية والعربية والآسيوية والعالمية كل تلك العوامل يجب ان نفسر مدلولاتها ومعطياتها لنحدد اثارها على سوق العمل في الامارات في ظل نظرتنا للمستقبل. اذ سوف تشهد الامارات انفتاحا اقتصاديا اكبر وبحكم الاستثمارات الاجنبية سوف تشهد سوق العمل في الامارات سيطرة اجنبية اكبر في ظل اعتماد هذه الاستثمارات على عمالتها الاجنبية وكذلك تقنيات العمل الفني, وتكنولوجيا الانتاج, وبالتالي فإن وجود عمالة اجنبية ذات فنيات وامكانيات وقدرات عالية سوف تطرد العمالة الحالية بما فيها العمالة المواطنة من سوق العمل, ناهيك عن وجود استثمارات اجنبية في الدولة لا يعني بالضرورة خلق فرص عمل للمواطنين مما يعني زيادة حدة البطالة بين اوساط المواطنين وتفاقمها فيما اذا لم تتم معالجتها كمشكلة قبل استفحالها وتحولها الى ظاهرة تصبح السيطرة عليها امرا صعبا. تاسعا ـ العمالة المواطنة والاستقرار الاداري والامني: ان العمالة الاجنبية التي تقبل اجورا منخفضة في سوق العمل في الامارات علاوة على انها سوف تزاحم العمالة المواطنة وتنافسها بسبب قبولها للأجر المنخفض فإنها سوف تكون اكثر قبولا للقرارات والاجراءات الخاطئة التي تتخذها القيادات الادارية وبالتالي فإنها سوف ننشر الفساد الاداري والمالي, ناهيك انها سوف تكلف الدولة اعباء مالية وامنية واجتماعية كبيرة بينما تواجد العمالة المواطنة في سوق الامارات من شأنه ان يحقق الاستقرار الامني والاداري لان هذه العمالة اكثر مراعاة وحرصا على مكتسبات الوطن وتحكمها معايير وضوابط اجتماعية واخلاقية اكثر. العمالة المواطنة وسوق العمل.. الواقع والتحديات على الرغم من الاعتبارات السالفة الذكر والتي تحتم وتتطلب الجدية في معالجة هيكلية سوق العمل في الامارات والعمل على تغيير ميزان السوق لصالح ابناء الامارات ومع تقديرنا الكامل لكل الجهود المبذولة واللجان المشكلة من قبل مجلس الوزراء الا ان تشخيصنا لواقع سوق العمل في الامارات, ومن خلال قراءتنا لحقيقة وجود العمالة المواطنة في السوق يتبين لنا ان هناك جملة من التناقضات والاختلالات التي لا تحتاج الى لجان تعمل على استجداء القطاع الخاص وغيره بتشغيل المواطنين بقدر ما يحتاج الامر الى قرارات عليا ترسي قواعد استراتيجية التنمية البشرية كجزء مهم من التنمية الشاملة التي تدعم الاستقرار وتعزز من مسيرة العمل الوطني وتساهم فعليا في الحضور الحقيقي للامارات كإنسان وتنمية ووطن!! 1ـ على الرغم من ان دستور الدولة وتعليمات رئيسها حفظه الله وعلى الرغم من ان التشريعات الدولية في حقوق الانسان تؤكد على حقوق الانسان المدنية وضرورة صيانتها ومنها حق العمل الا ان الواقع يشير الى ان نسبة العمالة المواطنة في سوق العمل بالدولة لا تتجاوز 15% فيما تشهد السوق بطالة في اوساط المواطنين تصل الى 6% وهو مؤشر له دلالاته الخطيرة في مجتمع كمجتمع الامارات. هذا في الوقت الذي تسجل اعداد المواطنين الذين يدخلون سوق العمل سنويا تزايدا يصل الى عشرة آلاف مواطن. 2ـ على الرغم من البطالة الظاهرة بين اوساط الخريجين المواطنين والذين يرغبون بالعمل في ظروف وظيفية مناسبة وهم يحملون تخصصات مختلفة الا ان ابواب الوظائف في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص موصدة في وجوه هذه العمالة المؤهلة فيما هي مشرعة امام عمالة وافدة في معظمها غير ماهرة او مؤهلة!! 3ـ على الرغم من ان اقتصاد الامارات يشهد نموا اقتصاديا متزايدا حسبما تؤكده الاوساط الرسمية وتعززه تصريحات المسئولين وتقارير المؤسسات الامر الذي يعني فرص عمل اكبر واكثر للعمالة المواطنة الا ان مؤشرات البطالة ترتفع فيما فرص العمل تجير لصالح العمالة الوافدة سواء في القطاع العام او القطاع الخاص. 4ـ على الرغم من ان التقارير الاقتصادية الصادرة من المنظمات الدولية والمؤسسات الاجنبية الاخرى تشير على ان الامارات تحتل صدارة الدول العربية والخليجية وفي مرتبة متقدمة (قد تكون الثالثة) دوليا في متوسط دخل الفرد حيث يتجاوز 17400 دولار الا ان حقيقة الامر ان المواطن اصبح يبحث عن وظيفة كحق انساني في ظل بطالة متزايدة!! 5ـ على الرغم من ان القطاع الخاص قد حقق ارباحا قياسية من اقتصاد الدولة بعد ان استفاد كثيرا من الوفورات والمزايا والخدمات شبه المجانية التي وفرها له القطاع الحكومي والعام وعلى الرغم من انه يحقق ولاسيما قطاعا المصارف والتأمين ومعدلات نمو عالية ويسجل تطورا كبيرا في وحداته حيث بلغ عدد منشآت القطاع الخاص في فبراير 1998 نحو 285.891 منشأة استقطبت دبي منها 28.4% فيما سجل عدد الداخلين اليه من العمالة نحو 322928 موظفا في عام 1998 مقابل 341.302 موظفا عام 1997 ـ وحجما متزايدا في امكانياته وتوسعا ملموسا في نشاطاته وعملياته فإنه لم يبد تجوبا فعليا مع دعوات الدولة ولجانها المختلفة في فتح فرص العمل به للعمالة المواطنة فلا تتجاوز نسبة المواطنين العاملين 3.4% من اجمالي العاملين في قطاعي المصارف والتأمين, فقطاع المصارف الذي يبلغ عدد المصارف فيه (47 مصرفا و363 فرعا) لم تصل نسبة المواطنين العاملين فيه الى 4% فيما قطاع التأمين الذي يبلغ عدد شركات التأمين فيه 48 شركة ويعمل فيها 2775 موظفا حتى عام 1997 لا يتجاوز عدد العاملين المواطنين فيها 100 عامل اي لا تتجاوز نسبتهم 3.6% الامر الذي يشكل علامة استفهام كبيرة فيما يبديه القطاع الخاص من تجاهل واضح لنداءات الحكومة ودعواتها!! وفي الوقت الذي يسوق القياديون لغة التوطين وضرورة اتاحة الفرصة امام المواطنين كحقيقة اساسية لا مفر منها يجد المتابع لتطورات سوق العمل مدى التباين الواضح بين تلك الشعارات وحقيقة الاجراءات وخاصة في المصارف وشركات التأمين ويؤكد ذلك غياب الموازنات التي يفترض ان تعتمد في معظم المصارف وشركات التأمين لتوظيف وتدريب وتأهيل المواطنين. ثم غياب سلم الحوافز المادية والمعنوية بهذا القطاع ليحقق بيئة وظيفية جيدة محفزة للانتاج والعمل والاستقرار النفسي والاجتماعي للموظف. وما زال هناك سياج منيع يحول دون اختراق المواطنين لهذا القطاع على الرغم من كونهم اكثرتفهما لاحتياجات عملاء شركاته ومؤسساته, ولكونهم اكثر حرصا على حماية اقتصاد البلاد واموال المساهمين والمودعين, واكثر حرصا على اتخاذ القرارات الاستراتيجية وتحمل مسئوليات تلك القرارات على الرغم من الحجج الواهية التي يبديها هذا القطاع. 6ـ على الرغم من ان القطاع المصرفي يشكل ثاني اكبر القطاعات استيعابا للعمالة المواطنة بعد القطاع الحكومي وذلك وفق ما اكده خبراء ومسئولون مصرفيون في مؤتمرهم (المصارف بعد العام 2000) والذي نظمته كليات التقنية العليا بدبي ـ مايو 1999 الا ان واقع العمالة في هذا القطاع العريض يشير الى ان الوافدين يشكلون النسبة العظمى حيث تبلغ نسبتهم 87% من القوى العالمية في هذا القطاع والبالغ عددها 13 ألف موظف فيما لم يتجاوز عدد المواطنين العاملين فيه 1400 موظف مواطن وهذا على الرغم من اهمية هذا القطاع ليس في استيعاب البطالة المواطنة المؤهلة وانما لاهمية وجود العمالة المواطنة فيه حماية لاموال الدولة ومصالح المودعين بعدما تعرض هذا القطاع لعدة محاولات لنهب اموال المودعين والمساهمين خلال الفترة الماضية!! 7ـ على الرغم من ان القانون الاتحادي رقم (7) لسنة 1999 في شأن المعاشات والتأمينات الاجتماعية الصادر في 16 فبراير 1999 قد جاء كخطوة مهمة ليشكل مظلة تأمينية لحماية وصيانة حقوق القوى البشرية العاملة ويحقق الرعاية والامان للمواطنين العاملين في جميع وحدات وقطاعات العمل في المؤسسات الحكومية والخاصة الا ان الامر لا يعفي من وجود قانون جديد يترجم ما ينص عليه دستور الدولة يتضمن حق المواطنين في فرص عمل في وطنهم يؤمنون من خلالها وضعهم الاجتماعي والمعيشي والاقتصادي اذ لا يعقل ان تبقى نسبة المواطنين العاملين في القطاعين على هذه النسبة الضئيلة في الوقت الذي يبدي هؤلاء المواطنون استعدادهم الكامل للعمل في وطنهم وفي مؤسسات بلدهم!! 8ـ على الرغم من تصريحات المسئولين في القطاع الحكومي ومنهم معالي احمد حميد الطاير وزير المواصلات رئيس لجنة تنمية الموارد البشرية في القطاع المصرفي حينما صرح لوكالة انباء الامارات في 7 مايو 1999 مشيرا الى ان سوق العمل الحالية في الامارات كبيرة وتضم نشاطات تجارية وصناعية واستثمارية عديدة متنوعة تفي بالغرض وتستطيع ان تستوعب كل الخريجين بتخصصاتهم المختلفة الا ان لجنة الموارد والتي تم تشكيلها في 16/3/1996 قد مضى عليها اكثر من اربعة اعوام دون ان تتمكن من اقناع او اتخاذ الاجراءات لرفع نسبة العمالة المواطنة بالقطاع المصرفي الى 4%!! وما زالت المصارف التجارية غير جادة في رفع نسبة العمالة المواطنة فيها!! أما معالي محمد سعيد البادي وزير الداخلية وعلى الرغم مما اكده في حواره الى احدى الصحف الاماراتية في عددها الصادر في 3 ابريل 2000 بأن الوظائف المتاحة كثيرة واكثر بكثير من القوى البشرية الباحثة عن العمل مؤكدا في الوقت نفسه ان البطالة مصدر للتوتر الاجتماعي وعامل لتغذية ظواهر التطرف والعنف الجريمة وعلى الرغم من رئاسته للجنة توظيف المواطنين المشكلة منذ ست سنوات على ضوء الاحداث الداخلية العنيفة التي شهدتها دولة البحرين بسبب البطالة المتزايدة على الرغم من ذلك فإن سوق العمل في الامارات تعاني من تزايد اعداد العاطلين من الخريجين المؤهلين المواطنين!! هذا ونشير هنا الى ان ظاهرة البطالة في اوساط المواطنين الاماراتيين قد تناولتها عدة جهات اخرى منها مجلس الوزراء الذي اصدر قراره رقم (10) لسنة 1998 في شأن رفع نسبة المواطنين العاملين في القطاع المصرفي الى 4% سنويا من اجمالي الموظفين وكذلك قراره في شأن تشكيل هيئة وطنية للتوظيف تكون لها شخصيتها الاعتبارية وموازنتها المستقلة, ثم المجلس الوطني الاتحادي ومؤخرا المجلس الاستشاري لامارة ابوظبي ثم وزارة العمل والشئون الاجتماعية حيث توجد فيها ادارة معنية بتشغيل المواطنين بالقطاع الخاص. ولكن هذه الجهود كلها التي اتسمت بعدم التنسيق لم يكن لها فاعلية وما زالت الاعداد تتزايد ويبقى شعار التوطين مرفوعا!! فيما تعاني شريحة كبيرة من المواطنين المؤهلين ويأكلهم سأم الفراغ, وجحيم الانتظار ورعب المستقبل بعدما اصبحت شهاداتهم لا تؤهلهم حتى للحصول على وظيفة وبعدما اصبحت المنازل والمقاهي والاسواق والشوارع اماكن تواجدهم بدلا من مواقع العمل والانتاج وخدمة الوطن!! 9ـ على الرغم مما نص عليه الدستور, واهمية تعزيز العمل الوطني وضرورة المساواة بين المواطنين الا اننا نجد ان ابواب شركات ودوائر ومؤسسات بعض الامارات موصدة امام توظيف المواطنين من الامارات الاخرى على الرغم من محدودية نسبة المواطنين العاملين في تلك الجهات وان غالبية العاملين فيها من العمالة الوافدة الامر الذي يحمل في طياته تناقضا شديدا وغريبا لاسيما في ظل وجود عمالة مواطنة مؤهلة ويتجاوز مستواها العملي مستوى العاملين في تلك الجهات!! وهذا الوضع يزيد من مسئولية الحكومة الاتحادية بتعيين وتوظيف اعداد اكبر من المواطنين كان يمكن ان تستوعبهم مؤسسات وشركات ودوائر تلك الامارات!! 10ـ لم تقتصر البطالة في الامارات على شكلها الظاهر اي البطالة الظاهرة وانما برزت في السنوات الاخيرة ظاهرة البطالة المستترة او المقنعة وذلك نتيجة لسياسة التوظيف الخاطئة والعشوائية التي انتهجتها مؤسسات الدولة ووزاراتها ودوائر الحكومات المحلية وشركاتها, حينما ظلت تعتمد على تعيين المواطنين دون مراجعة التضخم الوظيفي الذي تعاني منه وحينما لم تعمد الى سياسة الاحلال والتوطين اصبحت تلك الجهات تعاني من بطالة وتضخم وظيفي انعكس على انتاجية تلك المؤسسات والوزارات بعدما اصبحت تعاني من تكدس وظيفي خاصة في الوظائف الادارية والكتابية وتراجع انتاجية العامل فيها!!