لماذا يتجشم الكاتب العربي عناء الكتابة, بكل ما يكتنفها من مخاطر وتعقيدات, وما تحفل به من محاذير وتشابكات؟ ولماذا يخوض غمارها القاسي, ويركب مراكبها الصعبة, في الوقت الذي يستطيع فيه ان يسلك مسالك اخرى اقل وعورة واسهل عبورا؟ وللجواب عن ذلك نقول ان الامر يختلف باختلاف توجهات الكاتب ومراميه واخلاقياته. ولا نستطيع ان ننكر ان معظم الكتاب يرمون من خلال انتاجهم الى تحقيق كسب معنوي فالكتابة تمدهم بغبطة لا حدود لها, وبمتعة نفسية قلما تعادلها متعة.. وذلك عندما تجد أعمالهم طريقها الى النشر, فتغرد افكارهم على صفحات الورق, بعد ان كانت حبيسة في صدورهم, ولا يستطيعون اخراجها الى حيز التعبير. كما ان المردود المادي حافز مهم, دون ريب, لأنه يعين الكاتب على مواجهة نفقات العيش وضرورات الحياة. ولكن قيمة العاملين المادي والمعنوي تتضاءل بالنسبة للكاتب الشريف, امام عامل ثالث وهو ان الكتابة السياسية بشكل خاص رسالة سامية تهدف الى تغيير الواقع ورسم خطوط خارطة سياسية جديدة تحقق اهداف الامة وطموحات الوطن. ولكن للأسف, فإن الكتاب الشرفاء ليسوا وحدهم الذي يصولون ويجولون في حلبة الكتابة السياسية والنشر, اذ يوجد كتاب آخرون لهم مقاصد ومرام ابعد ما تكون عن الاهداف النبيلة للكتابة. وهنا نصل الى نقطة جوهرية: فهناك صنفان من الكتاب السياسيين, احدهما يسعى من خلال الكتابة الى تحقيق مصلحته الخاصة حتى لو تم ذلك على حساب المصلحة العامة, ومن حجب الحقيقة, وثانيهما يهدف الى تحقيق مصلحة الوطن حتى لو كلفه هذا دفع ثمن باهظ من جيبه الخاص, وبالنسبة للصنف الاول, فيمثله الكتاب النفعيون الذين يتبعون جهات مغرضة ويكتبون بوحي من مطامحهم الذاتية ويضعون منفعتهم الشخصية في المقام الاول, ويمنحون الاولوية لجشعهم المادي. واذا نظرنا في أعمال هؤلاء نجد انها تتركز على ارضاء جهة من الجهات, او التصفيق لاتجاه معين, او سكب اقداح الثناء على هذا المسئول او ذاك بصرف النظر عن كونه صالحا او طالحا, اما الحقيقة السياسية, فليس لها اي مكان في سلم توجهاتهم. وبتعبير آخر فإن ما يجري من وقائع واحداث سواء على الصعيد العالمي او على الساحة العربية لا يعنيهم من قريب او بعيد ولا يشكل بالنسبة اليهم اي مجال اهتمام. فقضيتهم الاولى حرق بخور المديح امام اولئك الذين يمكن ان يدفعوا لهم ثمن التقريظ, ونتيجة لذلك نجد المستفيدين من الثناء يدعمون الكتاب النفعيين ويدقون لهم طبول الشهرة وييسرون امامهم سبل النشر, فينالون شهرة زائفة لا تقوم على اي اساس سليم او خلفية صحيحة. ويمكننا ان نطلق على هذا النوع من الكتابات الصحفية اسم (صحافة التبعية والتمجيد). والمفارقة الطريفة هنا ان كثرة المديح الزائف كثيرا ما تقود الى عكس النتيجة المرجوة لأن كل ما يزيد على حده الطبيعي, ينقلب الى ضده لذلك فإن (كتاب التصفيق), غالبا ما يسيئون الى المسئولين, اكثر مما يبيضون صفحاتهم, لأنهم يضعونهم في اوضاع مثيرة للسخرية والتندر. والمضحك ايضا ان هؤلاء الكتاب التابعين الذين يتمكنون من الوصول الى وسائل النشر بسرعة وسهولة, بفضل الدعم الذي يلقونه من المستفيدين من الثناء, يتوهمون انهم بالفعل قد اصبحوا كتابا حقيقيين ويتصورون ان انتاجهم الكتابي هو الذي اوصلهم الى سدة النشر والشهرة. وليس معنى ما نقوله. اننا ضد كل مديح او ثناء. ولكن التقريظ ينبغي ان يترافق مع تحقيق انجازات حقيقية على الارض لا ان يأتي من الفراغ ففي هذه الحالة تكون الاشادة بانجازات المسئولين واعمالهم المجيدة توثيقا لحقائق عملية قائمة ومرآة لما يجري على مسرح الواقع. وننتقل الآن الى الصنف الثاني من الكتاب ويمثله الكتاب المستقلون الذين لا ينتمون الى فئات او تيارات او اتجاهات معينة. فمثل هؤلاء يكتبون بهدف كشف المشكلات التي تواجه الامة ومحاولة ايجاد الحلول لها. وهم يصورون الاحداث بموضوعية وحيادية حتى لو اغضبت اولئك الذين يهمهم اخفاء الحقائق وطمسها وبذلك يعرضون انفسهم للعقاب والانتقام. وهكذا, فإن من مفارقات الكتابة السياسية ان الكاتب التابع المداهن قد يجد من فرص النشر والشهرة, اكثر مما يجد الكاتب المستقل النزيه, مع ان الاول يشوه الواقع ويحيل الحق ان باطل ويقلب فحوى الاحداث رأسا على عقب, تحقيقا لمنفعته الذاتية , في حين ان الثاني يشخص افات المجتمع بموضوعية, ويخدم قضية الحقيقة, ويعالج مشكلات الامة ولو على حساب مصلحته الخاصة. وليس هناك من حل سريع وجاهز لمشكلة الصحافة السياسية (التمجيدية) المستشرية في العالم الثالث, وفي بعض الاقطار العربية والتي تقود الى طمس الواقع والتستر على التقصير والانحراف. ولكن اذا استطاع اصحاب القرار ان يدركوا بأن المديح الزائد الذي لا يستند الى اساس, يمس بسمعتهم اكثر مما يؤدي الى تحسينها فإنهم سيكفون عن دعم الكتاب التمجيديين الذين لا هم لهم سوى التقريظ العشوائي لقاء قبض الثمن. وبذلك يعود هؤلاء الى تقمص احجامهم الاصلية, وتصبح ادوارهم على ساحة الصحافة السياسية هامشية وغير ذات بال. بينما ينفسح المجال امام الكتاب الحقيقيين الذين يكتبون بموضوعية وحياد ونزاهة خدمة لقضايا الوطن.