برغم مصداقية ما تواتر من رثاء الرئيس حافظ الأسد فور الاعلان عن رحيله, من كلمات تفيض بمشاعر التقدير لزعامته, والاشادة بعطائه الوطني والقومي, وصموده للتحديات العاتيات, وغيرها من التحليلات والتنبؤات بالمستقبل الذي ينتظر سوريا ولبنان والاوضاع العربية برمتها من بعده, إلا أن البيان الصادر عن الرئيس حسني مبارك كان الأقل والأدل, حين احاط ضمنا بالتداعيات الخطيرة المتوقعة للظرف العصيب الذي ادلهم بسوريا إن لم تواصل مسيرتها في ظل وحدة وطنية شاملة وتضامن قوي كامل يقف فيه الشعب العربي في مصر وكافة الاقطار العربية إلى جانب الاشقاء في سوريا. وأحسب أن ما ذهب إليه بيان الرئاسة المصرية هو بيت القصيد, من حيث الولوج المباشر إلى لب قضية الاستقرار الداخلي في تزامنها العضوي مع قضية التضامن القومي, كونهما طرفي المعادلة الصحيحة, والمطلوب تسريع وتيرة انجازها لتجنيب سوريا مغبة الاطماع المتربصة من الخارج بنهجها وثوابتها الوطنية والقومية التي ظلت أمينة عليها على مدى 30 عاما من حكم الأسد. والحقيقة أن لسوريا مكانة تاريخية خاصة في الادراك السياسي المصري رسميا وشعبيا, وسواء على الصعيد القومي أو الاستراتيجي, فإذا كانت مصر تمثل آلية القوة فلا حرب في مواجهة الاخطار التي تهدد المنطقة العربية بدونها, ولا سلام واستقرار في غياب سوريا ورغم ارادتها, وكما أدرك الفراعنة والفرس والرومان هذه الحقيقة في الازمان الغابرة, فقد أكدتها في العصر الحديث وقائع الحرب الصليبية والحملة الفرنسية بقيادة نابليون وجسدها محمد علي من بعده حين خاض من أجل الشام معركته الضروس, في مواجهة الخلافة العثمانية حين بدأ زحفه إلى عاصمتها (الاستانة) فلما رضخت لمطلبه, بادر إلى العرفان بالجميل وشاركها الحرب في المورة, لكن سرعان ما أجهضت الدول الكبرى عندئذ حلم الوحدة المصرية السورية عندما أدركت مخاطرها المتوقعة على مصالحها الشرقية, فاجتمعت إرادتها على تصويب مدافع اساطيلها البحرية مجتمعة لتدمير الاسطول المصري بغتة في معركة (نفارين) , وعلى غرارها بشكل أو بآخر كانت الفرصة أمام اسرائيل متاحة بعلم ودعم الرئيس الامريكي ليندون جونسون, لاجهاض المد القومي التحرري الوحدوي في المنطقة بزعامة جمال عبد الناصر الذي بلغ أوجه في الدعم السياسي والمادي لثورة الجزائر, والوحدة المصرية السورية, ومساندة خيار الثورة اليمنية في صنعاء وعدن, فكان ضرب الاسطول الجوي المصري على الارض, واصبحت القوات المصرية عارية في سيناء من أي غطاء جوي ووقعت نكسة يونيو 1967! على أنه في عام 1973 شاءت الاقدار أن تتفق القيادة السياسية في كل من مصر وسوريا على احياء المضمون الاستراتيجي الغائب أو المغيب لقوة ومكانة وموقع البلدين معا, وخاضتا معا لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي حربا هجومية, ومن جبهتين, ووفق خطة عسكرية واحدة تحت قيادة موحدة وفي ساعة صفر محددة, فلما كثفت القوات الاسرائيلية عملياتها العسكرية ضد سوريا, حتى تتفرغ لمواجهة القوات المصرية, عندئذ كان قرار الرئيس السادات تطوير الهجوم أو ما عرف بالوقفة التعبوية لتخفيف الضغوط العسكرية الاسرائيلية على الجبهة السورية, الامر الذي استدعى نقل القوات الاحتياطية المدخرة للدفاع عن مصر من الضفة الغربية لقناة السويس إلى سيناء و.. وحدثت الثغرة! والشاهد أن علاقة مبارك بالاسد بدأت في ظروف وأجواء الاستعداد لمعركة إزالة اثار عدوان الخامس من يونيو بحكم مسؤوليتهما عن سلاحي الطيران المصري والسوري, ثم توثقت بينهما رفقة السلاح على الصعيد السياسي بعد وصولهما إلى سدة السلطة ومباشرة عملية السلام, وخلال هذه الفترة الطويلة نسبيا شهدت العلاقات بين القاهرة ودمشق ثباتا ونموا وتطابقا على الصعيد القومي بخاصة, وحدثت اختلافات أحيانا في وجهات النظر, وهذا أمر طبيعي, لكنها لم ترق إلى مستوى الخلاف والقطيعة والتناقض, ومن هنا تبدو مخاوف القاهرة كبيرة ومبررة إزاء نذر التحديات التي بات على سوريا مواجهتها بعد رحيل الاسد, حيث انعكاساتها السلبية على المستوى المتميز الذي احرزته علاقات البلدين, بعدما تجاوزت مرحلة التفاهم والتنسيق وبلغت سقفها الاستراتيجي, إيمانا بأن الخطر الذي يتهدد سوريا يصب في خانة مهددات الامن المصري والقومي والعكس صحيح, ومن هنا نحسب أن عبء المسؤولية على كاهل مصر تجاه ضمان الاستقرار السياسي في سوريا, والاسهام بدور في تأمين وحدتها الوطنية, واجب ومهمة قومية ملحة يصعب التملص من تبعاتها إن لم يكن خيارا حاسما للأمن القومي المصري, ولعل ذاكرة التاريخ تشي بهذا التوحيد المصيري, ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر كانت استجابة جمال عبد الناصر لضرورات الوحدة الاندماجية العاجلة مع سوريا, توقيا لوقوعها في شراك الانقلابات العسكرية المشبوهة إلى مالانهاية, وكذا براثن تيار الاقليات السياسية المغامر! ما أشبه الليلة بالبارحة وسوريا بعد رحيل الاسد في موقف لا تحسد عليه, صحيح أن عملية انتقال السلطة إلى نجله الدكتور بشار باتت في حكم المقدر أن تتم في سلام اثر موافقة البرلمان على التعديل اللازم للدستور, لكن تظل المخاوف ماثلة ازاء العديد من القضايا المعلقة التي لم تصادف الحل أو الحسم ابان عهد الرئيس الراحل, وفي مقدمتها تحرير الجولان ومستقبل الوجود السوري في لبنان بعد انسحاب اسرائيل, وملفات الفساد والوضع الاقتصادي الصعب وكل ما يمثله الدكتور بشار وجيل الشباب في سوريا من طموحات تنشد الديمقراطية والشفافية والنزاهة والتحديث في اطار الثوابت الوطنية والقومية. فالأوطان السعيدة التي تنعم شعوبها بالرفاهية والعدل والمساواة والاستقرار لا يبنيها سوى الأحرار المنفتحين على الآخرين, ومما لا شك فيه أن أثمن ما ورثه الرئيس الأسد لابنه بشار هو خلاصة تجربته الطويلة في ترتيب عملية الاستقرار السياسي والامني دون أن تشهد سوريا في عهده مناوأة تذكر على السلطة, حيث استطاع بحنكة وصبر, السيطرة على تمرد شقيقه رفعت الاسد وحاصره في حجمه الحقيقي بعد أن جرده من أي مصداقية تؤهله لخلافته .. صحيح أن آليات الاستقرار في عهد الرئيس الراحل اعتمدت في مكوناتها على الفكر والتنظيم الاحادي لحزب البعث, ومع ذلك ظل انفراد حافظ الاسد بسلطة القرار أمرا مقبولا ضمنيا ونسبيا من الشعب, وتلك كانت من معالم هيبته واحترامه من خصومه وألد اعدائه وفي مقدمتهم امريكا واسرائيل, وشهادتهم له وعليه بعد أن تمكن من شغل فراغ الزعامة القومية بعد رحيل جمال عبد الناصر, واستطاع أن يبني لنفسه ولسوريا مكانة ودورا مقدرا في تصريف شئون الشرق الاوسط وتوازناته الدولية والاقليمية.. ولولا هذا الرصيد السياسي الضخم وطنيا وعربيا واقليميا ودوليا, لما كان تغيير الدستو ر بهذه السرعة والسلاسة حتى يتبوأ الدكتور بشار مكان والده, لكن في كل الاحوال بات من المتعين على الرئيس السوري المرتقب أن يختط لنفسه طريقا واسلوبا جديدا مختلفا للحكم عما كان عليه في حياة والده, وتلك هي سنة التطور, أو بمعنى آخر متكافئ تعطش الشعب السوري إلى التطوير والتغيير والتحديث.