قبل نحو عقدين تقدم باحث اكاديمي لبناني كان يدرس بجامعة مانشستر البريطانية برسالة للدكتوراه اختار لها موضوعا هو الأول من نوعه. فقد كان مدار بحثه حول (التكلفة الاقتصادية للنظام الاستبدادي في العالم العربي) . واذا كان هذا الباحث الفذ ـ وهو اخصائي في اقتصاد التنمية ـ قد أثبت علميا وبشواهد احصائية من صميم الواقع العربي ان المحافظة على نظام دكتاتوري في العالم العربي (وقطعا في غيره) تنطوي على تكلفة باهظة وفادحة يتكبدها الشعب المحكوم بالمقارنة مع نظام ديمقراطي, فاني أتمنى ان ينبري باحث عربي آخر ليحسب لنا فداحة كلفة النظام الاستبدادي من الناحية الثقافية. في مقالة صحفية عن ضوابط حرية الابداع الادبي توصل د. سعيد حارب (نائب مدير جامعة الامارات) الى استخلاص مثير مفاده ان النخبة العربية المثقفة انطباعية ومزاجية. فهي, وفقا لتلك الخلاصة, تتخذ مواقف مسبقة من بعض القضايا ثم تذهب للبحث عن دليل يقوي موقفها. كما ان مواقف البعض مرتبطة بمزاجيته وليس بمبادئه (فهو مع الديمقراطية التي تأتي به, ومع الدكتاتورية التي تقصم خصمه. وهو مع المؤسسة التي تسنده, وضد المؤسسة نفسها اذا عارضته.) . الذاتية.. المزاجية.. الانطباعية.. الفردية.. الانتهازية: هذه الصفات المترادفة هي التي تشكل في تآلفها وتفاعلها ذلك الكيان الشخصي الغريب الذي نطلق عليه (المثقف العربي المعاصر) . لكن هذا الكيان العجيب لم يتبلور من فراغ.. فهو المنتج النهائي لاجيال متعاقبة في المجتمع العربي ظلت خاضعة لعقود طويلة متصلة للحكم الاستبدادي. في ظل نظام استبدادي قهري يكون من المخاطرة الجسيمة للفرد ان يعتنق مثاليات ومبادئ ايديولوجية. ومع استمرار النهج الارعابي الاستبدادي تنمو بالتدرج لدى الافراد (فضيلة) الانزواء تحت الحائط.. وهذه بدورها ترتقي الى (حكمة) التملق. وهكذا تنشأ اجيال جديدة بعد أجيال تعتنق مبدأ مركزية الذات القائم أصلا على الجبن. وهي حالة لها (منطق) يقول: نفسك اولا.. ونفسك اخيرا. لا قيمة للمثاليات والتضحية. فالنظام غير قابل للمقاومة. وهكذا تتجلى التكلفة الثقافية الباهظة للنظام الاستبدادي: انتاج اجيال من الحيوانات المدجنة او الأليفة. المثقف العربي (النموذجي) في هذا العصر شخص بلا بوصلة فكرية ولهذا فانه بلا موقف محدد وثابت ومستديم تجاه الظواهر الفكرية والسياسية التي تنتشر على الافق العربي او الأفق العالمي. المزاجية الذاتية وحدها هي التي تحركه صوب هذا الاتجاه او ذاك, انطلاقا من رهبة او رغبة. فهو يؤيد النضال من اجل الديمقراطية وحقوق الانسان في بلد غير بلده بينما ينهمك في تبرير النظام الاستبدادي في بلده.. بل ويصوره لنفسه او لغيره بأنه (نوع) من الديمقراطية. هذا الديدن من الضبابية الفكرية لدى المثقف العربي هو في الحقيقة نتاج تراكمات تنفتح عينه عليها منذ عهد الطفولة المبكرة. في ظل حكم قهري ينشأ المثقف العربي في مناخ الحذر من السلطة السائد في البيت والمدرسة والجامعة والحياة العامة. وبمقدار ما يتمكن الحذر والخوف في الذهنية الشخصية تضمحل استقلالية التفكير. وهكذا تنشأ اجيال متعاقبة من أفراد تأخذ لديهم الغريزة مكان التفكير الموضوعي العقلاني. هنا يختلط الاقتصاد مع الثقافة. لقد نظر الباحث اللبناني في فداحة التكلفة الاقتصادية للنظام الاستبدادي. معنى ذلك ان انفاق الدولة على اجهزة الامن والمخابرات الداخلية ووسائل تأمين النظام ورئيسه تأخذ اولوية على الانفاق على التعليم والصحة والاستثمار التنموي. لكن التكلفة الثقافية تتداخل مع التكلفة الاقتصادية لان انتاج اجيال وراء اجيال من ذوي العجز الفكري ينعكس سلبا على العمل التنموي بقدر ما ينعكس على التقدم الاجتماعي.