شهد الرئيس الامريكي بيل كلينتون مؤخرا حفل العشاء السنوي الذي تقيمه مؤسسة المعهد الامريكي العربي لتوزيع جوائزها وتحدث ببلاغة عن علاقته بالجالية الامريكية العربية والتصور الذي يشاركنا فيه عن مجتمع انساني اكثر تسامحا, وتقدم المؤسسة في هذه المناسبة الجوائز للمؤسسات الامريكية والدولية، وللافراد الذين قاموا بمساهمات مهمة في تعميق التسامح واحترام التنوع والسلام وحقوق الانسان. وهذه الجائزة تحمل اسم الشاعر العربي جبران خليل جبران مؤلف كتاب (النبي) . ويعد ظهور الرئيس الامريكي في هذه المناسبة المرة الثانية التي يلقي فيها كلمة امام جمهور عربي امريكي واتيحت له الفرصة للتأمل فيما يتعلق بالفترة التي امضاها في منصبه وعلى نحو ما عبر هو: (لشكر الجالية الامريكية العربية على المساهمات التي شاركتم بها في تقدم امريكا وقوة ادارتنا وتنوعها على مدى السنوات السبع ونصف الماضية) . ومزج صلب كلمته بين تقدير الجالية وتأملات فيمايتعلق بجل انجازاته, حيث استهل كلمته بشكر الامريكيين العرب على (المساهمات في بناء امريكا على هذه الشاكلة ومساعدتها على ان تكون مساهما افضل في بناء صرح هذا العالم) . وتابع: (ان الكثيرين منكم ساهموا في جهودنا لبناء صرح سلام عادل ودائم في الشرق الاوسط, وارساء علاقة قوية وقائمة على الثقة مع شعب كان في السابق يضع الولايات المتحدة موضع التساؤل) . ومضى الرئيس الامريكي عقب ذلك ليشير الى العديد من الاحداث المهمة في ظل اداراته فقال: (لقد شرفني ان اكون اول رئيس يلقي كلمة امام المجلس الوطني الفلسطيني في غزة وقد سافرت الى سوريا للقاء الرئيس الاسد والتقيت به عدة مرات في اماكن اخرى. وانني لاول مرة احزنني ان اعرب عن عميق تعازي لعائلته ولشعب سوريا. وقد قاموا بتشييع جثمانه ومثلتنا وزير الخارجية مادلين اولبرايت في ذلك ونحن نأمل لهم الخير ونتطلع الى ان يكون بمقدرونا استئناف علاقاتنا والعمل من اجل السلام) . ولقد شرفني ان امثل الولايات المتحدة في تشييع جنازة العاهل المغربي صديقي الملك الحسن وتشييع جنازة الملك حسين, عاهل الاردن وان اسير وراء نعشي رجلين اصبحا صديقيّ في غمار البحث عن السلام) . وواصل كلينتون الاعراب عن تقديره لاولئك الامريكيين العرب الذين ساهموا في العديد من المبادرات التي تم القيام بها خلال فترة توليه لمنصبه واعرب عن شكره بصفة خاصة لـ (جميع من ساهموا منكم في مساعدتنا على مساندة التسامح ليس في البوسنة وكوسوفو والشرق الاوسط فحسب وانما كذلك في ايرلندا الشمالية وافريقيا وكل مكان آخر تعرض فيه الناس للخطر وانني لأشكر اولئك الذين اتاحوا لي منكم الفرصة لأكون اول رئيس يحتفل بنهاية شهر رمضان في البيت الابيض ويناقش مع القادة الامريكيين العرب التحديات التي تواجه جالياتكم. وانني لاشكر من بينكم اولئك الذين ساهموا معي ومع الرئيس المصري حسني مبارك في اللقاء الذي عقدناه مع الامريكيين العرب مؤخرا في البيت الابيض, وكان أمرا رائعا بالنسبة لي ان استمع لمن حضروا منكم في هذه المناسبة وان اصغي الى الحوار الذي دار بينهم وبينه) . واختتم الرئيس كلينتون كلمته بالاعراب عن شكره للامريكيين العرب (للمساهمات التي قام بها الكثيرون منكم في تحقيق الرخاء المدهش للولايات المتحدة وانني لا تطلع هنا فأرى الكثيرين منكم الذين بدأوا مسيرتهم من اللاشيء وارتفعوا الى مستوى قيادة مؤسسات كبرى, وبنوا صرح انشطة اعمالهم ومنحوا اناسا لهم خلفيات متعددة وينتمون الى اديان مختلفة فرصة لكسب عيشهم بسبب صناعاتكم ومؤسساتكم) . وتطابقت كلمة كلينتون بشكل كامل مع الموضوع الذي دارت حوله المناسبة, حيث مثل الفائزون بجائزة جبران خليل جبران حشدا مؤثرا من المؤسسات قدمت جميعها مساهمات كبيرة في بناء صرح امريكا ومجتمع عالمي افضل. وقد منحت الجائزة لمركز روبرت كيندي التذكاري لحقوق الانسان تقديرا لعمله مع الناشطين في مجال حقوق الانسان لتوسيع نطاق قدرتهم وفعاليتهم ومساعدته في حشد الموارد الضرورية لعملهم. وقد مثلت المركز في هذه المناسبة مؤسسة كيري كيندي كومو, ابنة السناتور الراحل. وفاز بالجائزة مستشفى سانت جاد للاطفال, الذي أسسه داني توماس والذي يلقى الدعم والتأييد من الامريكيين العرب, وذلك تقديرا لمساهماته في محاربة امراض الاطفال الكارثية. ومثل مستشفى سانت جاد في هذه المناسبة مديره التنفيذي ريتشارد الشدياق, الذي يشير اليه الكثيرون باعتباره (ابا الحياة السياسية الامريكية العربية) . وكانت مؤسسة اغا خان هي المؤسسة الدولية التي حظيت بالجائزة تقديرا لدورها القيادي في تطوير التعليم والصحة والتنمية الريفية في الدول محدودة الدخل. وفاز بالجائزة (فوكس: هوب) وهو مشروع محلي في ميتشجان نوه به جاك ناصر وهو امريكي عربي ورئيس مؤسسة فورد للسيارات, وذلك للحلول العملية التي وفرها هذا المشروع لمشكلات الجوع والاختلال الاقتصادي والتعليم غير المناسب والانقسام العرقي. وبدت اهمية الامسية بكاملها لكل من ساهموا فيها, وهم اعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب وقيادات المؤسسات وزعامات الجالية الامريكية العربية. ومن خلال جوائز جبران خليل جبران يحدد الامريكيون العرب أنفسهم باعتبارهم جزءا من التيار الرئيسي الامريكي العظيم, ونحن نعرف أنفسنا باعتبارنا حملة نموذجيين للواء التقاليد العربية العظيمة التي تدور حول الكرم والتسامح واحترام التنوع, ونحن نقدم هذه الجوائز لمن يساعد في الاعلاء من شأن هذه القيم في المجتمع. وكانت من الأهمية بمكان كذلك الحقيقة المتمثلة في ان الرئيس الامريكي قد ادرك ذلك وشاركنا الأمسية. وقد اشار في نهاية كلمته الى ان امنيته بالنسبة لأمريكا ليست (الرخاء) ولا ان (نهزم اعداءنا) وانما ان (يكون بمقدورنا ان نبني امريكا واحدة في قلوبنا, لانني اعتقد انه عندما يتعلم الناس اعلاء شأن تقاليدهم وتقدير الاختلافات القائمة بينهم وبين الاخرين, والاقتناع كل الاقتناع بأن الحقيقة الأكثر أهمية في الحياة على سطح هذه الارض هي انسانيتنا المشتركة, فان كل ما بقي غير ذلك يتراجع ليأخذ مكانه. ان امامنا شوطا طويلا يتعين علينا ان نقطعه, وقد اقترفنا جميعا اخطاء على امتداد المسيرة, وانا لست استثناء من هذه القاعدة, ولكننا نحرز تقدما, واذا واصلتم العمل, فاننا سنصل الى هدفنا بشكل أسرع. اشكركم جميعا وليحفظكم الله. وتشكل جوائز جبران خليل جبران والظهور المفاجئ للرئيس في حفل تسليمها فصلا اخر في مسيرة التقدم السياسي للأمريكيين العرب. وقد لاحظ واحد ممن منحوا الجائزة وهو ريتشارد الشدياق, المدير التنفيذي لمستشفى سانت جاد للاطفال في ايماءة ضاحكة انه عندما بدأ العمل في واشنطن في الخمسينيات والستينيات: (لم نستطع عقد اجتماع مع سكرتير الوزير اما الآن فها هو الرئيس يأتي ليلقي كلمة في جمعنا) . لقد شاد الامريكيون العرب صرح جالية, وحولوها الى مكون اساسي من مكونات التيار الرئيسي للحياة الامريكية, وحددوا طبيعة هذا المكون وقيمه, وهاهم الآن يحتفلون بالاعتراف به وبمنجزاته.