عالمنا العربي يعيش هذه الأيام وضعا سياسيا عاما يمكننا تسميته بوضع الـ (ما بعد!) فسوريا تعيش مرحلة ما بعد الأسد بكل تركتها وملفاتها الصعبة الداخلية والخارجية وخاصة الملف الأصعب داخليا فيما يتعلق بتصفية الفساد, والأكثر صعوبة خارجيا ، فيما يتعلق بالمفاوضات السورية الاسرائيلية, خاصة بعد أن عبرت سوريا منعطف الرئاسة وتم استخلاف الابن مكان الأب في أغلب المناصب التي كان يتولاها. إن أغلب التقارير تشير إلى نجاح بشار في القبض على مقاليد الأمور وقد قالت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت بعد اجتماعها به أثناء تقديم العزاء إنها وجدته متماسكا دون أن تحدد ماهية هذا التماسك وان كان الجميع يعتقد أنها تشير بدبلوماسية واضحة إلى مواقفه كرئيس مقبل, اضافة لما كثر تداوله منذ مدة ليست بالقصيرة حول الاجراءات القاسية ضد رؤوس الفساد والتي تولى بشار بنفسه ملفاتها المعقدة, في بادرة واضحة تهدف إلى مراجعة الماضي والسير باتجاه الديمقراطية وربما الاقتراب أكثر من الخط الأمريكي. لبنان هو الآخر يعيش مرحلة ما بعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان وسط تبادل اطلاق تصريحات متباينة, ففي الوقت الذي يعلن فيه الأمين العام للأمم المتحدة انسحاب اسرائيل الكامل من جنوب لبنان تطبيقا للقرار 425, يؤكد اللبنانيون أن هذا الكلام غير دقيق فمازالت الاختراقات الاسرائيلية مستمرة للأراضي اللبنانية بدليل وجود 13 مركزا اسرائيليا داخل الجنوب. وإذا ما استمر تبادل هذه التصريحات, فإن اشتعالا ما قد ينفجر على الساحة العسكرية لحزب الله الذي يطمح بطبيعة الحال إلى تفعيل دوره وأن تظل ورقته ساخنة وذات تأثير كبير في مجمل اللعبة الدائرة هناك, حتى وان صرح أمينه العام حسن نصرالله عقب الانسحاب في 25 مايو الماضي بأن حزب الله لن يكون بعد الآن بديلا للدولة في الجنوب. وبالرغم من كل ما يقال عن الانسحاب الاسرائيلي الكامل فلاشك ان هناك عدم شفافية في الأمر, ولا تحتاج مواقف الأمم المتحدة المنحازة إلى جانب اسرائيل لمزيد من الاثبات, لكن الـ 13 اختراقا الموجودة في أراضي الجنوب ليست سوى أوراق مقلوبة لمرحلة ما بعد الانسحاب وما بعد الأسد بسبب التلازم المعروف بين المسارين السوري واللبناني. في مرحلة الـ (ما بعد) تعيش دول كثيرة حالات ترقب بانتظار الموقف السوري المنتظر بعد استئناف المفاوضات, وفي هذه المرحلة يعلن عن ان وضعا سياسيا جيدا سوف يعيشه المواطن السوري فيما يسمى بتوسيع هامش الحريات والممارسات الديمقراطية وهذا تغيير في الاتجاه المطلوب, لكن التغيير الذي تحدث عنه أحد المقربين من الرئيس بشار هو التغيير على المستوى السلوكي الدمث الذي امتاز به هذا الشاب الذي وجد نفسه يرث تركة الأسد الثقيلة.