لا شك ان بقايا نتائج الحرب الباردة في جنوب شرق آسيا والمتمثلة في الكوريتين لا تزال تقض مضجع صانعي القرار السياسي في دول تلك المنطقة بل وتخلق حالة من الارباك الشديد على مجمل سياساتها خاصة تلك التي تحظى بدور اقليمي، او التي تدعي لنفسها ذلك الدور في تلك المنطقة الساخنة التي لم تطفىء نارها يوما اذ بقيت النار تحت الرماد منذ منتصف القرن الماضي الذي شهد صراعا حادا في شبه الجزيرة الكورية. بسبب النتائج التي افضى اليها ذلك الصراع الذي تمثل بقسمة كوريا الى دولتين والحاق طرفيها المقسومين قسرا الى القوتين العظيمتين المتنازعتين على النفوذ في تلك الجغرافيا المتأججة, وهما الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الامريكية. حيث اصبحت كوريا بشطريها كل على حدة ترضخ لشروط وارادة الدولة المحكمة بسيادتها بعيدا عن الخطاب الايديولوجي الذي يحاول هذا الطرف او ذاك تسويقه للجمهور الكوري او للمحيط الجغرافي او حتى على المستوى العالمي. وبقيت نقطة صراع ساخنة ونقطة انطلاق من قبل القوتين الى القارة الآسيوية ومحيطها ولعرض العضلات وابراز عوامل القوة من كلا الطرفين خاصة اذا ما علمنا ان كوريا شكلت احدى النقاط الاكثر سخونة في الصراع الامريكي ـ السوفييتي والذي عكس نفسه سلبا على مسيرة التطور والتنمية في كلا الشطرين حتى وصلت كوريا الشمالية في السنوات الثلاث الاخيرة الى مجاعة حقيقية حصدت مليوني مواطن اي ما يقارب عشر السكان. كل هذا جرى على مدار سنوات من الصراع الطويل دون الالتفات ولو للحظة واحدة الى النتائج السياسية والاجتماعية والوطنية والنفسية التي ألمت بالشعب الكوري الذي كان ولا يزال ضحية للاطماع الخارجية بسبب تساوق نظاميه السياسيين وارتهانهما الى ارادة الخارج بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ولعله مع التغيرات الكبيرة التي حصلت على المستوى العالمي, بدأ الشعب الكوري كغيره من الشعوب التي ذاقت مرارة الوصاية والحماية والاشراف يتحسس الحاجة الملحة لاستعادة هويته الموزعة ما بين الشيوعية والرأسمالية. في ظل مرحلة يشهد فيها العالم بشكل او بآخر عودة التفكير في بناء التكتلات استنادا الى مفهوم الهوية بالاستناد الى مقولة القومية وغيرها من المفاهيم التي تؤدي الى ذلك الهدف. وعلى ما يبدو فإن الشعب الكوري بشطريه بدأ هو الآخر يفكر بشكل حاد في خلق مخارج وطنية قومية تؤدي الى انعتاقه من الشروط المذلة التي تفرض عليه بإملاءات خارجية خاصة من الولايات المتحدة الامريكية التي تسعى الى استغلال طرفي النزاع بكل ما تملك, توطئة لترسيخ جذورها في تلك المنطقة بهدف استكمال تكتيكاتها المستجدة الرامية الى ابقاء اليابان على ما هي عليه, اي قزم عسكري يصعب فكاكه من القبضة الحديدية الامريكية بالمقابل ديمومة الحد من النفوذ الصيني في تلك المنطقة من خلال القواعد العسكرية المتواجدة على ارض كوريا الجنوبية ومنع التقارب بين البلدين الجارين الصين واليابان حتى لا تتشكل كتلة اقتصادية موازية للولايات المتجدة واوروبا . الا انه بالمقابل بدأت اليابان والصين وروسيا جميعها تدرك مدى الخطورة التي تعكسها سياسة الولايات المتحدة الامريكية الهادفة الى السيطرة على شطري شبه الجزيرة دون تقديم برنامج وحدوي واضح والتي تبقي على هواجس الصراعات والخوف من المجهول بالنسبة لهذه الدول. سعيا لابقاء فتائل التوتر موجودة شريطة ان تكون مضبوطة من خلال رؤية امريكية تستخدمها في وجه الدول الاقليمية اذا ما ارادت الانقلاب على سياستها ومشاريعها في البحر الاصفر وجنوب شرق آسيا. لكن الاهداف والنوايا الامريكية تبقى محدودة ازاء الاصرار الاقليمي الذي يسعى بكل ما يملك من أجل إحلال السلام والأمن في شبه القارة الكورية, والذي بدوره سيعيد الأمور إلى نصابها, باحداث انفراج على كل المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية. هذا إذا ما علمنا ان اليابان منذ وقت لا يستهان به, تبحث عن تأكيد هويتها في أوساط اليابانيين, التي تربطهم بالكوريين عناصر كثيرة يشاركونهم إياها تفوق ما لديهم من أسباب الخوف. وانه بلا أدنى شك ان القومية اليابانية, بدأت تدرك ان استكمالها يتوقف على وحدة الكوريتين, وان العلاقة المجزأة مع كوريا الجنوبية وحدها, لا تكفي لأن تعيد لليابان شخصيتها القومية, وانه لا يمكن وأد المخاوف اليابانية المتأتية من القدرات العسكرية الكورية الشمالية إلا بخطوات وحدوية في شبه الجزيرة الكورية, يكون لليابان فيها بصمات واضحة ومرضية لكلا طرفي النزاع فيها. حتى الصين بدأت هي الأخرى تدرك جيدا ان لها مصالح حيوية, في توحيد شطري شبه الجزيرة, خاصة وهي لا تزال تعاني من مشكلاتها مع تايوان, وإذا ما تسنى للكوريتين أن تتوصلا إلى اتفاق ولو على الحد الأدنى, فسيفتح المجال للصين بأن تفرض شروطها الوحدوية على ما يسمى بالصين الوطنية (تايوان), وستكون بموقع أقوى أمام اليابان والولايات المتحدة وحتى روسيا التي لا تزال تلعب بشكل انتهازي عند كل الأطراف. ولعل القمة التي جرت بين طرفي النزاع, والتي شهدت الزيارة الأولى التي يقوم بها أول زعيم كوري جنوبي للشطر الشمالي منذ انقسام شبه الجزيرة, أي منذ 55 عاما, لم تكن حدثا عابرا أو سهلا. وان توقيع الزعيمين على أربعة أمور أساسية تتعلق بضرورة السعي سويا نحو محاولة تحقيق الوفاق والوحدة بين الكوريتين, وتخفيف حدة التوتر القائم بينهما واقرار السلام في المنطقة, ولمّ شمل العائلات المشتتة في الجنوب والشمال, وايجاد شكل من التعاون في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. تعتبر كلها نقلة نوعية ستؤدي في نهاية المطاف إلى خلق حالة من التصالح الأولي الذي سيقود إلى خطوات وحدوية, رغما عن ارادة السلطتين الحاكمتين. وقد تبين هذا الأمر من اتفاق الزعيمين على ضرورة التنفيذ العملي لكل الاتفاقيات السابقة التي وقعت بين الطرفين, مثل البيان المشترك الصادر في الرابع من يوليو عام 1972. ومن نافلة القول انه مجرد تأجيل الملفات الخلافية الشائكة كالوجود الأمريكي الممثل بحوالي 37 ألف جندي في الشطر الجنوبي, والملف الأمني الذي يحمل الكثير من التنافر في وجهات النظر بين الطرفين, وبرنامج الصواريخ الشمالية. فهذا الأمر بحد ذاته هو محاولة جادة إلى التوصل إلى اتفاقيات أولية تكون فاتحة إلى الانتقال لخطوات أكثر ايجابية في طريق بناء الوحدة المستقبلية بين الطرفين. وإذا كان البعض يرى ان ثمة خلافا بين الألمانيتين والكوريتين, فقد بدأت منذ هذا الاعلان تتقارب التجربتان بشكل متسارع, حتى وان طرحت قضية العلاقة الدبلوماسية بين الطرفين والتي اعتبرها البعض تأتي تأكيدا على القسمة من جديد. بموازاة ذلك يجب ألا نقلل من الارادة الشعبية في كلا الشطرين على العزم في احداث حالة كبيرة من التقارب, ويجب أن ندرك أكثر ان الكوريتين, الجنوبية والشمالية, لم تتوقفا منذ تقسيم الجزيرة عن التأكيد على ايمانهما بالأمة الكورية الواحدة, وعلى السعي إلى تحقيق الوحدة, لكنهما فشلتا في الاتفاق على أسس وشروط هذه الوحدة, ويحدد بالتالي طريقا واحدة لتحقيق ذلك, من خلال سياسة (الخطوة خطوة في ظل التقسيم). وانه ليس من حاجة مباشرة للمس الدفء على شطري الحدود لان هذه القضايا قضايا اجرائية ليس إلا. فإذا ما حصل أي تقدم فعلي فسيظهر على سلوك المؤسسة السياسية في كلا العاصمتين وليس على المعابر ونقاط التفتيش, وحقول الألغام, وهذا الأمر بحد ذاته يعتبر تحصيل حاصل. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق