(اذا قال العالم تخلصوا من كل أسلحتكم بحيث لا يبقى لدينا سوى السيوف فسوف نوافق, وبالتالي سوف ندمر معهم كل ما يدمرون من أسلحة. أما أن يمتلكوا بندقية ويقولوا لنا انه لا يحق لنا أن نملك إلا سيفاً فقط.. فلا) . هكذا تحدث الرئيس العراقي صدام حسين. ورغم بشاعة الغزو العراقي للكويت قبل عشر سنوات وما تبعه من قرارات دولية لتدمير آلة العراق الحربية ومعها كل ما لديه من أسلحة ومواد الدمار الشامل فان من الانصاف ان نتساءل: لماذا لا يطبق مبدأ التجريد او التجرد من الأسلحة والمواد الفتاكة ـ وفي مقدمتها الاسلحة النووية ـ على الجميع في الشرق الاوسط وما حوله بما في ذلك اسرائيل؟ وحديث الرئيس العراقي جاء في سياق شرق اوسطي الاسبوع الماضي. فقد أبدى تأييده لاقامة شرق اوسط خال من اسلحة الدمار الشامل واستعداده للتخلص من الاسلحة لكن دون ان يستثنى اي طرف بما في ذلك اسرائيل. هذا الحديث جاء بعد ايام قلائل من اختتام مؤتمر دولي في نيويورك مخصص لبحث الاتفاقية الدولية للحد من الانتشار النووي. وربما كان في ذهن الرئيس العراقي ما جرى في ذلك المؤتمر عندما ادلى بحديثه المشار اليه. فقد كررت اسرائيل في هذا المجمع العالمي رفضها التوقيع ليس فقط على اتفاقية حظر الانتشار النووي بل ايضا الاتفاقية الاخرى التوأم التي تحظر على الدول الاعضاء (باستثناء القوى الخمس الكبرى) امتلاك اسلحة نووية. ان الذريعة التي بنيت عليها القرارات الدولية الخاصة بالتفتيش على أسلحة الدمار الشامل في العراق وتدميرها هي معاقبة بغداد على غزوها دولة أخرى واحتلال اراضي تلك الدولة. فلماذا لا يطبق المبدأ نفسه على اسرائيل على اساس غزوها لبنان واحتلال جزء من اراضيه. واذا كان الاحتلال العراقي للاراضي الكويتية لم يمتد لاكثر من سبعة شهور فان الاحتلال الاسرائيلي للاراضي اللبنانية امتد لنحو 22 سنة. اللعبة واضحة ومفضوحة. فاسرائيل, مدعومة بالقوة الامريكية, مصممة على أن تبقى الدولة النووية الوحيدة في منطقة الشرق الاوسط. وتجريد العراق من سلاحه النووي واسلحة الدمار الشامل الاخرى ينطلق من مبدأ المحافظة على الوحدانية النووية الاسرائيلية لا بسبب غزوه الكويت. لدى اسرائيل, وفقا للتقديرات الدولية, نحو 200 رأس نووي. وهي مجرد تقديرات قد تزيد وقد تنقص لان الدولية اليهودية ترفض بعناد وضع منشآتها النووية تحت نظام الرقابة الخاص بالوكالة الدولية للطاقة الذرية, الهيئة نفسها التي اشرفت على تفكيك برنامج العراق النووي بتفويض من مجلس الامن الدولي وتدمير ما لديه من مواد نووية. اما اذا تفحصنا الصورة من منظور اعرض فسوف نرى ما هو اعجب. فامتلاك القوى الخمس الكبرى ـ امريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين ـ للاسلحة النووية بمقادير تحسب بعشرات الالوف من الرؤوس النووية المتنوعة, غير قابل للمساءلة بموجب اتفاقية دولية ابتدرتها بصورة جماعية هذه الدول الكبرى نفسها ليكون ناديها النووي قاصرا على عضويته المحدودة. في الوقت نفسه جعلت الولايات المتحدة من ملاحقة ومحاربة البرنامج النووي لكل من كوريا الشمالية وايران احد المرتكزات الدائمة لسياستها الخارجية لا انطلاقا من مبدأ لحماية البشرية وانما لان مثل هذه الدول مصنفة كاعداء من المنظور الذاتي الامريكي. فواشنطن تخشى ان تبيع كوريا الشمالية مواد نووية الى دول معادية لاسرائيل, وفي الوقت نفسه ترتاب في ان البرنامج النووي الايراني موجه في المدى البعيد ضد الامن الاسرائيلي. وفي غرب اسيا فان الولايات المتحدة اذ تعارض البرنامج النووي الباكستاني فانها تغض الطرف عن مثيله الهندي.. وذلك انطلاقا ايضا من اعتبارات الامن الاسرائيلي. فباكستان دولة اسلامية لا يوثق بنواياها بينما الهند دولة صديقة لاسرائيل. وهكذا نعيش في عصر تعتمد فيه الدولة العظمى الاكبر مبدأ التطفيف باسم المحافظة على سلام العالم.