ضمن توابع (زلزال اعشاب البحر) , وعلى هامشه, دعاني برنامج (ابعاد) الذي يقدمه الزميل (جمال عنايت) على قناة اوربت الثانية.. لمناظرة حول قضية (العلاقة بين الدين والسياسية) . وكان الطرف الآخر في المناظرة, هو الاستاذ المحامي الذي احترف الدفاع عن المتهمين من اعضاء تنظيمي الجهاد والجماعة الاسلامية خلال السنوات العشر الاخيرة ـ وقد عرف نفسه فضلا عن ذلك بأنه راعي (حزب الشريعة) , الذي يسعى لتأسيسه فريق من قادة الجماعتين اعلنوا عن قناعتهم بأن طريق العنف مسدود. في مداخلتي الاستهلالية, قلت ذلك الذي كتبته كثيرا من قبل, وهو ان الدولة الوطنية المعاصرة تضم مواطنيين يختلفون في اديانهم ومذاهبهم واجناسهم وعقائدهم وانواعهم, تساوي بينهم في الواجبات وفي الحقوق, بصرف النظر عن هذا الاختلاف وتحكمها دساتير عصرية تقوم على سلطات ثلاث معروفة, منفصلة ومستقلة يصل بينها المصدر الرئيسي الذي تنبع عنه وهو ارادة الامة التي هي مصدر السلطات وان التيار الذي يدعو الى اقحام الدين في السياسة, لم يحدد موقفه حتى الآن, وبشكل واضح من هذه الدولة الوطنية, هل يقبل العمل في اطارها, وبأدواتها, ام ان لديه تصورا آخر لدولة اخرى, تقوم على تنظيم مختلف للسلطات.. وما هو؟ وكانت دهشتي بالغة, حين ضرب (الاستاذ المحامي) بكل ما قلته حائط الاستوديو, وتهرب من الرد على سؤالي, وطلب الي قبل اي كلام واي سؤال ان احدد موقفي اولا من اعتماد الشريعة الاسلامية كمرجعية للأمة اذ الذي يعرفه هو انني من (بتوع التنوير) وهم في رأيه يدعون للتحلل من القيم الدينية والاخلاقية ويرفضون اعتماد الشريعة كمرجعية للأمة! ولم يكن امامي سوى خيار من ثلاثة: الاول: ان اقوم على الفور, وابوس يد المحامي. الثاني: ان اضحك لأن الاستاذ المحامي الذي درس القانون الدستوري بالجامعة, والذي يستخدم القوانين في الدفاع عن موكليه في ساحات المحاكم, والذي يرعى حزب (الشريعة) تحت التأسيس, لم يجد على امتداد اكثر من عشرين عاما, قضاها في صفوف الحركة الاسلامية وقتا لكي يجتهد ويحاول المواءمة بين ضرورات الدولة الوطنية العصرية, وبين ما يدعو اليه, فيعلي من شأن الدين ويثبت ان الشريعة الاسلامية قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان فإذا اصاب فسوف يكون له أجران, واذا اخطأ فسوف يكون له اجر. لكنني فضلت الاختيار ـ الثالث, وهو ان اغضب, ليس فقط لأن المحامي توهم انه بما قال ـ سوف يكسب المعركة من اول جولة, وبلا اي مجهود, وبالضربة القاضية, حين يتهم خصمه بأنه تنويري كافر والعياذ بالله, ولكن اساسا لأنني اعتقد ان اسلوب الخطاب المراوغ الذي اتبعه هو الخطاب السائد في تيار الاسلام السياسي في مصر وفي الوطن العربي, وهو خطاب آن الآوان للتصدي له, ولفضحه, ليس دفاعا عن التنوير, ولكن دفاعا عن الاسلام ذاته, الذي يسيء اليه هذا الخطاب اكثر مما يسيء اليه اكثر خصومه تطرفا. وبصرف النظر عن وقائع المناظرة, التي اذيعت في الاسبوع الماضي, فقد وجدت نفسي امام واحد من اهم توابع زلزال اعشاب البحر, وما سبقه وما سوف يتلوه, فخلال الاعوام العشرين السابقة, استطاع تيار الاسلام السياسي من خلال عمل دؤوب ومتواصل, ان يشن حملة دعائية ومنظمة, شاركت فيها كل فصائله, المعتدلة والمتطرفة, والارهابية وغير الارهابية, استغل فيها كل الادوات الاعلامية المتاحة له, من منابر المساجد الى صفحات الصحف ومن قنوات التلفزيون الارضية والفضائية, الى محطات الاذاعة المحلية والعالمية ومن احزابه المحجوبة عن الشرعية الى مؤسسات الدولة وادواتها الفارقة في الشرعية ومن ألسنة وعاظ الجهاد الى احاديث من يصفهم هؤلاء بأنهم وعاظ السلاطين لتتجمع هذه الروافد كلها في مجرى واحد, وتخدم هدفا واحدا, هو تشويه مصطلحات الفكر الديمقراطي وصك تعريفات لها تؤدي الى التيقن بأن الديمقراطية كفر, واشاعة ذلك كله بين عوام المسلمين الذين لا يملكون من الوعي او من العلم او من الوقت او الحس النقدي ما يمكنهم من التدقيق فيماتسوقه اليهم اجهزة الاعلام من افكار وما تضخه في عقولهم من تعريف للمصطلحات.. خاصة وان هذه التعريفات تضخ اليهم ممزوجة بآيات من القرآن الكريم, وبأحاديث نبوية شريفة, وبمأثورات واشعار مماتتضمنه كتب التراث عن السلف الصالح. بالالحاح الذي لا يخلو من سماجة, والذي يصل الى حد الاكراه او الارهاب العقلي, استطاع التيار الاسلامي ان يروج لدائرة معارف سياسية, اشاعت بين الناس تعريفات محددة لكل المصطلحات الديمقراطية فالعقلانية طبقا لما تقوله هذه الدائرة تعني الالحاد والتنوير يعني التحلل الخلقي وخاصة الجنسي والدولة العصرية الدستورية: دولة مستوردة من الغرب الصليبي الكافر. والاعتراف بالآخر دعوة للاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها وللتنازل عن ثوابت الامة وخصوصيتها. والغريب ان خطة التيار الاسلامي لتشويه المصطلح الديمقراطي, لم تؤثر فحسب على العوام بحيث اصبح مجرد اطلاق صيحة: امسك تنويري.. او امسك علماني.. بمثابة كلمة السر التي تدفع هؤلاء العوام لاغلاق عقولهم بالضبة والمفتاح, بل انها ارهبت كذلك النخبة المثقفة بحيث اصبحت تخشى الدفاع عن هذه المصطلحات وتوضيح دلالتها الحقيقية. منذ حوالي عشر سنوات, اشتركت في ندوة عقدت بعنوان (مائة عام من التنوير) بمناسبة الاحتفال بمرور قرن على صدور مجلة (الهلال) اقدم الدوريات الثقافية العربية وقد صدرت عام 1892 ـ وفي حوار على هامش احدى الجلسات اقترحت على عدد من المشاركين في الندوة, ان نستصدر منها توصية تدعو الى حوار قومي عام ينتهي بصياغة عقد اجتماعي عربي جديد, يكون اساسا لتحديث النظام السياسي العربي بحيث يقوم على رباعية: الوطنية والديمقراطية والعلمانية والعدل الاجتماعي فإذا بهم وكلهم من الديمقراطيين التنويريين يتحفظون على الفكرة ولما سألت عن السبب قال لي احدهم وهو وزير حالي ان مصطلح العلمانية بالذات قد اصبح مصطلحا سيىء السمعة! اما الاكثر مدعاة للاستغراب فهو ان هناك من بين صنوف التيارالاسلامي في مصر وفي غيرها كثيرين من المستنيرين ومن الحريصيين حقا على دين الله, ومن الذين لايشرون بآياته ثمنا قليلا هو الشره لمقاعد السلطة والسلطات ومن يحفظون نصيحة الامام (حسن البنا) الذي قال لاتباعه (لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة, ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض) وهؤلاء هم اكثر الناس ادراكا بأن المواءمة بين مبادىء الشريعة وضرورات العصر, تتطلب اجتهادا خلاقا وتجديدا متواصلا للفكر الاسلامي وهم لا يجدون لا في الديمقراطية ولا في العلمانية مصادمة لتلك المبادىء, لأن ذلك لن يكون لمصلحة الاسلام. لكنهم على عكس المتوقع منهم يغمدون سيوفهم حين يتوجب عليهم ان يشرعوهها دفاعا عن التنوير والعلمانية والديمقراطية وكل مالا يختلف عاقل على ان فيه مصلحة الاسلام والمسلمين خشية ان يتهمهم المتهوسون والجهلة في دينهم وحرصا على مكانتهم لدى عوام المسلمين, بعد ان اصبحت هذه المصطلحات كلها بمشاركة حتى من بعض هؤلاء المستنيرين ـ مصطلحات سيئة السمعة! منذ سنوات قليلة, وفي مناظرة تلفزيونية اذاعها برنامج (الاتجاه المعاكس) اشهربرامج الحوارات في التلفزيونات العربية كان طرفاها هما المفكر الاسلامي المعروف الدكتور يوسف القرضاوي وكان الطرف الآخر هو المفكر العلماني المعروف صادق جلال العظم, وبعد مناقشة ساخنة قال العظم: يا مولانا العلمانية هي الزمنية.. ومعناها حق الناس في ان يشرعوا لزمانهم بما يوافق زمانهم وهذا لا يعني الخروج عن العقيدة.. فقال الدكتور القرضاوي: اذا كانت تلك العلمانية فأنا اوافق عليها فهذا حق كفله الاسلام للمسلمين وهذا هو ما فعله اصحاب المذاهب والفقهاء من اهل السنة.. وقال العظم: اعترف بأن فضيلتك اكثر سماحة واستنارة مما قدرت! لم يقل لنا احد ممن وضعوا دائرة المعارف هذه, على اي مصدر استندوا لكي يقولوا بأن التنوير يعني الالحاد والكفر والتحلل الخلقي, مع ان المصطلح في نشأته يعود الى العقود التي مهدت للثورة الفرنسية, ويصف حركة فكرية لعبت دورا مهما في تحرير الشعوب من الاستبداد, وتصدت للتحالف بين الكنيسة الكاثولوكية والملوك المستبدين لاشاعة مناخ من الخرافة يبرر الطغيان ويدعو للخضوع له وهي حركة افترضت ان الوعي يلعب دورا حاسما في تطور المجتمع, وألقت مسئولية الشرور الاجتماعية على جهل الناس, ودعت لأفكار الخير والعدالة والمعرفة العلمية, وتصدت للتواطؤ بين الكنيسة والملوك لسلب حريات الناس وارزاقهم وهو ما تحول الى شعار تردد بقوة على ألسنة الناس اثناء الثورة الفرنسية فارتفعت هتافاتهم: اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس! وكان الاصلاح الديني في المسيحية هو احد روافد حركة التنوير الاوروبية وهو ما ادركه بوضوح قبل اكثر من مئة عام جمال الدين الافغاني الذي اعتبر هذا الاصلاح العامل الرئيسي الذي نقل الاوروبيين من الهمجية الى التحضر, واصلح اخلاقهم وقوم اعوجاجهم وطهر عقولهم ومابشر به الامام محمد عبده, الذي دعا الى تحرير الفكر الاسلامي من قيد التقليد, والى اعتبار العلم صديقا للدين وباعثا على البحث في اسرار الكون, وكان الافغاني يحرض تلاميذه على الاعتماد في تفسير القرآن, على العقل المفسر لأنه ادرى بالمصلحة المعاصرة من المفسرين القدماء, وذات مرة ذكر احد المتحدثين في مجلسه قولا للقاضي عياض تمسك به فقال الافغاني: سبحان الله ان القاضي عياضا قال ماقال على ما وسعه عقله وما تناوله فهمه, وناسب زمانه افلا يحق لغيره ان يقول ما هو اقرب للحق واصوب ولماذا لا نستنبط ونقول ما يوافق زماننا, وماينطبق على العلوم العصرية وحاجات الزمان واحكامه؟ أليس التنوير هو التجديد؟.. ألم يتنبأ الرسول عليه الصلاة والسلام, بأن يبعث الله على رأس كل مئة سنة لهذه الامة من يجدد لها أمر دينها؟ فمن اين اذن اتي مؤلفو دائرة المعارف هذه بأن التنوير كفر وتحلل في الاخلاق! ما يتجاهله او يجهله هؤلاء الاسلاميون هو ان المصطلح الديمقراطي مصطلح متكامل, فحركة التنوير الاوروبية, قد جددت الفكر المسيحي واطلقت الحرية للعقل الاوروبي لكي يبدع وحطمت التحالف الاستبدادي الذي كان يصادر حريات الناس وانشأت انظمة حكم دستورية تصون حرياتهم وحقوقهم وبذلك تقدمت اوروبا, وحققت نهضتها وقويت حتى استطاعت ان تستعمر كل بلاد المسلمين. وما يخفيه هؤلاء وراء خطابهم المراوغ ووراء حملتهم الدعائية ضد المصطلح الديمقراطي لتشويهه هو خطابهم الحقيقي فهم ضد الديمقراطية وهي يعتبرونها عبادة للطاغوت انطلاقا من تفسيرهم الذي قال به الاستاذ سيد قطب منذ ثلاثين عاما وهي ان تشريع الناس لأنفسهم هو عدوان على سلطة الملك عز وجل الذي له الحاكمية وحده, وهو تفسير مراوغ فمن الصحيح ان الحكم لله وحده, ومن الصحيح كذلك ان الذين يطبقون احكام الله هم البشر, وليس لرفض بعض الاسلاميين للمصطلح الديمقراطي الا معنى واحد, هي انهم يختصون انفهسم دون بقية المسلمين بالحق في التشريع نيابة عن الله عز وجل! وهو طريق سوف يقودهم اذا حكمونا لا سمح الله, الى اقامة دولة استبدادية من النوع الذي كان شائعا في اوروبا في العصور الوسطى.