مشكلة المشاكل في عالمنا العربي ليست في الفقر, وندرة الموارد, فمنذ كنا اطفالا في الروضة وهم يلقنوننا بأن العالم العربي من أكثر المناطق غنى بكل أنواع المعادن ومصادر الطاقة والمنتجات الزراعية والحيوانية, كما اننا نتباهى بوجود مليونيرات يشكل الواحد منهم امبراطورية مالية لا ينقصها سوى لجنة ترسيم حدود واعتراف دولي توضع بموجبه على الخرائط العالمية. ومشكلته ليست في الأمية فلدينا مدارس لا تعد ولا تحصى ومدرسون بالملايين وطلاب يشكلون جيوشا جرارة يطلق عليهم (تجاوزاً) مصطلح طلبة العلم في حين انهم طلبة أي شيء الا العلم, لأن العلم والشهادات لم تعد عرضا مغريا حتى لأكثر الطلاب فقرا واحتياجا وبؤسا الذين هللوا ذات يوم لمجانية التعليم وانتشار المدارس والعلم بعد حقبة التجهيل ومحاصرة العلم على يد الاستعمار. ومشكلة العالم العربي ليست في الديمقراطية السياسية وصناديق الاقتراع والارهاب السياسي والديني والفكري, مشكلته ليست في (رواية) خارجة على تعاليم الدين, وليست في جماعة خارجة على أعراف المجتمع تعبد الشيطان, مشكلتنا في أن (شيطان) الارهاب ونفي الاخر يسكن عقولنا ويستعمر سياستنا وساستنا ومدارسنا وتلفزيوناتنا ومذيعينا وحتى ممثلي الكومبارس وراقصات الدرجة الثالثة, مشكلتنا في الحريات وفي طريقة تطبيقها. مشكلتنا اننا حين نقول ان أنظمة التعليم لدينا والمدارس لم تعد تجذب أحدا او تقنع احدا بدورها حتى حارس المدرسة نفسه, وان محلات الهامبورجر وماكدونالد صارت أحلى وأجمل وأكثر اقناعا من المدرسة ودروس الرياضيات والكيمياء والتاريخ, وحين نقول بضرورة نسف هذا الواقع والدخول لعالم العلم المقنع الذي يحرك الكون بالأزرار ويجس نبض المجرات, يتهمنا المسئولون بالتحريض واثارة المشاكل والتقليل من جهودهم و... الخ. مشكلتنا اننا نريد ان تنتشر المدارس بجمالية محلات هارديز وبسلاسة وسهولة وجاذبية ثلاجات المشروبات الغازية, ومشكلتنا اننا نقرأ تجارب الأمم ومحاولاتها للنهوض بالتعليم ونكتب عنها ونريد الاستضاءة بها فنراهم يطبقونها بالمقلوب ويتهموننا بالتغريب وبأننا لا نفهم شيئا!! لكن المشكلة الاكبر حين نكتشف ان وزارة التربية فقيرة ومكبلة وامكانياتها المتاحة أقل بكثير من طموحاتها!! اذن أين منجم الثروات التي درسونا عنها وحفظونا اياها؟! الحرية وحدها تقول كل المشاكل بصوت نظيف ومطمئن بشرط ان تمارسها عقول نظيفة مطمئنة همها حب الآخر وليس نفيه واعدامه. والحريات انواع أهمها حرية القول والتعبير والرأي الآخر, الرأي الذي يشير الى اخطائنا ومشاكلنا دون خوف. واذا تربى الناس على ممارسة حرياتهم بوعي وانضباط ومسئولية اختفت الأمية وخلل توزيع الثروة وقوافل المنفيين والفقراء.. ما عدا ذلك حرث في البحر لا أكثر.