فيتنام الشمالية وفيتنام الجنوبية.. الصين وتايوان.. وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية: هذا هو بعض من (منجزات) الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية في تفتيت الوحدة الوطنية للشعوب في منطقة جنوب شرق آسيا. لقد نجح الشعب الفيتنامي في منتصف سبعينيات القرن الماضي في اعادة توحيد شقيه الشمالي والجنوبي. وتوحيد جزيرة تايوان مع الصين الأم صار مسألة وقت فقط بعد ان عادت الى البيت الصيني الكبير كل من جزيرة هونج كونج عام 1997 وجزيرة ماكاو عام 1999. تبقى الآن الكوريتان.. فهل تنجح مساعي اعادة التوحيد الجارية والتي بلغت الآن ذروة تاريخية بالتقاء زعيمي الشطرين الشمالي والجنوبي في اجتماع قمة هو الاول من نوعه بعد نصف قرن من الانقسام؟ لقد كان ذلك اللقاء المفعم بالعواطف مشهدا ابكى الملايين في كوريا الجنوبية وهم مشدودون الى شاشات التلفزيون. لكن اللقاء نفسه بين الزعيمين الكوريين لم يقتصر على العواطف السلبية. فقد وقع الزعيمان على وثيقة تتضمن بنودا تدعو الى المصالحة والتعاون واجراءات تمهد لاعادة التوحيد. والسؤال التلقائي المطروح عالميا هو ما اذا كان التوحيد سوف يتحقق فعلا.. وفي اي مدى زمني. باستثناء وشائج الوحدة الثقافية والعرقية واللغوية فإن كلا من الكوريتين نقيض للأخرى من حيث الايديولوجيا الاقتصادية والسياسية. فبينما اخذت كوريا الشمالية بالنظام الاشتراكي المركزي وهيمنة الدولة الكاملة والحزب الحاكم على الاقتصاد والحياة السياسية فإن كوريا الجنوبية نموذج رأسمالي يأخذ باقتصاد السوق والديمقراطية الليبرالية التعددية. وقد ظلت الصورة على الجانبين ثابتة لمدى نصف قرن منذ مطلع الخمسينيات حين انشق الجنوب بدعم عسكري امريكي امام زحف عسكري شمالي بدعم من الاتحاد السوفييتي. على هذه الخلفية ذات البعد التاريخي فإن من الصعب تصور قيام وحدة فورية بين الكوريتين, تحت نظام حكم واحد, فأي من النظامين العريقين الاشتراكي او الرأسمالي قابل للتفكيك بين يوم وليلة؟ غاية ما يمكن ان نتصوره هو ان يتوافق النظامان على اجراءات تمهيدية مثل لم شمل العائلات في الشمال والجنوب على طريق تعايش سلمي لمدى قد يطول. وهذا الحد الادنى في حد ذاته رهين بمدى استقلالية كوريا الجنوبية عن الهيمنة الامريكية. تاريخيا كانت كوريا بلدا موحدا حتى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بقليل. ويفيد التاريخ المعاصر لشبه الجزيرة ان اليابان ضمتها اليها في عام 1910. وبعد انهيار اليابان كدولة منهزمة في الحرب العالمية الثانية نشأ فراغ ادي لقيام ثورة تحريرية مسلحة في كوريا كان طليعتها قوات الحزب الشيوعي بقيادة الزعيم كيم ايل سونج. وفي زمن وجيز استولت الثورة المسلحة على السلطة في الشمال وزحفت صوب الجنوب لاستكمال تحرير البلاد, تعززها قوات سوفييتية. وبما ان هذا الزحف الشيوعي قابله زحف لقوات امريكية من الجنوب فإن المشهد انتهى الى تقسيم كوريا عند خط عرض 38 الى منطقتين: سوفييتية وامريكية. لكن الامرلم يتوقف عند هذا الحد فقد كان الحزب الشيوعي في الشمال مصمما على توحيد شطري البلاد مما دفع به الى ارسال قوات الى الجنوب. وهذه كانت الشرارة التي اشعلت الحرب الكورية الشهيرة بين شمال مدعوم من الاتحاد السوفييتي وقوات احتلال امريكية في الجنوب. وتلك كانت البداية لقيام ما نراه اليوم, وهو تبلور كيانين متناقضين ايديولوجيا ولدا نتيجة لحرب ايديولوجية انتهت عام 1953. الآن وبزوال الاتحاد السوفييتي كقطب دولي منافس للولايات المتحدة بوسعنا ان نقول ان اعادة توحيد الكوريتين اصبحت اقرب احتمالا من اي وقت مضى. لكن الامر ليس بهذه البساطة, فعلى مدى نصف قرن تقريبا تحول الجنوب الى قلعة رأسمالية بينما نما الشمال كقلعة اشتراكية. مشوار التوحيد سوف يكون اذن طويلا ,لكن نستطيع مع ذلك ان نقول انه قد بدأ.