كما يحدث في الموالد والاحياء الشعبية في مصر هبط مصارع متجول قرية من قرى جبال سوريا الشمالية الغربية تسمى (قرداحة) وتقع بالقرب من اللاذقية, وبصوت جهوري كالرعد راح المصارع الذي كان (تركيا) قويا يتحدى كل من يمر به, وتجمع الفلاحون حوله للفرجة والمتعة, لكنهم ما لبثوا أن أحسوا بالحسرة عندما راح اقرانهم يتساقطون واحدا بعد الآخر أمام عضلات المصارع الذي بدا أنه لا يقهر.. وفجأة برز إليه من بين الصفوف رجل قوي البنية في الاربعينات من عمره, أمسك به, ورفعه بقوة في الهواء, ثم طرحه أرضا, فصاح الناس معجبين: (يا وحش.. يا وحش) . كان اسم بطلهم الذي نال اعجابهم في تلك اللحظة (سليمان) .. لكنه.. منذ ذلك الحين يعرف باسم (سليمان الوحش) .. وسيصبح الوحش لقب عائلته لسنوات طويلة, كان ذلك الرجل هو الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد, ولكن لقب (الوحش) قد تحول إلى لقب (الاسد) في عام ,1927 ومن وقتها لم يفارق لقب الاسد تلك العائلة المتواضعة, المحظوظة التي انجبت الحاكم الاقوى والاطول بقاء في حكم سوريا منذ نالت استقلالها في عام ,1946 فقد استمر حكمه 30 سنة. لقد اتيح لي أن أرى الاسد عن قرب أكثر من مرة في قصر (الشعب) المطل على أحد تلال دمشق الرئيسية والمقام بطريقة معمارية تجعله في غير حاجة لأعمدة تتوسط قاعاته المطرزة بزخارف ونوافير شرقية, وبدت لي قوة (الاسد) في هدوء وثبات اعصابه, وفي قدرته الفائقة على التحكم في النفس, وفي ابتسامة محايدة مرسومة على وجهة, إن معايير العصر غيرت مفاهيم القوة التي كان يؤمن بها جده وأبوه. كان الاب (علي سليمان) في الخامسة والخمسين من عمره عندما ولد حافظ الاسد, وكان يتسم بالوقار والصرامة, وقد تزوج مرتين, وأنجب أحد عشر من البنين والبنات, كانت الأولى (سعدى) وكانت الثانية (ناعسة) .. وكانت (ناعسة) قوية وجميلة وتصغره بعشرين عاما, وقد أنجبت له أبنة وخمسة بنين, كان ترتيب حافظ الاسد (ولد في 8 أكتوبر 1930) الرابع بينهم. وهناك صورة للبيت الذي ولد فيه حافظ الاسد, يبدو فيها بناء من غرفتين وسطح من الصخر غير مكسو يطل على فناء أمامي من الطين المضروب, وعلى أحد الجانبين امتداد طيني خاص بالماشية, بينما يؤدي ممر مشقوق في الصخر إلى سفح التل, وكانت بساطة هذا المنزل الصخري متناسبة مع ما حولها في كل بيوت القرية التي يسكنها (العلويون) , الذين يصل عددهم إلى 300 ألف شخص, والعلويون طائفة اسلامية شيعية تستمد لقبها من علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وإن كان لقب (العلويين) هو لقب حديث يعود إلى أيام الانتداب الفرنسي على سوريا, فقبل الحرب العالمية الثانية كانت هذه الطائفة تعرف إما باسم (الأنصارية) نسبة إلى اسم سلسلة الجبال التي تعيش فيها, أو بالتسمية الأكثر شيوعا وهي (النصيرية) نسبة إلى مؤسسها محمد بن نصير وهو داعية ديني عاش في القرن التاسع الميلادي. إن قصة الاسد تبدأ من هنا, حيث الخشونة والرحمة, حيث الجبل والبحر, حيث رقة الشعر وقسوة العيش, وهي قصة طويلة, ومتشابكة, وقد سمعت اطرافا منها في زياراتي المتباعدة لرجل رافق الاسد منذ كانا يدرسان في المدرسة الحربية هو وزير الدفاع السوري العماد أول (مصطفى طلاس) , كما أنني قرأت الكثير منها في مذكراته الضخمة, وقرأت أطرافا منها أيضا في كتاب اشتريت نسخة منه في دمشق, ألفه رجل آخر كان قريبا من الاسد هو الصحفي والكاتب المتخصص في سوريا (باتريك سيل) , ويعد كتابه الذي صدر في عام 1988 في 832 صفحة بعنوان (الأسد) أهم كتاب عن الرئيس السوري الراحل. لقد بدأ (الاسد) مشواره من القرية الى السلطة عندما أرسله والده إلى المدرسة في اللاذقية وهو في التاسعة من عمره, لقد نزل من الجبل إلى البحر, وترك القرية إلى المدينة, وفيما بعد وصف ذلك بانه (أهم نقطة تحول في حياتي) , وقضى الصبي الاشهر الثلاثة الاولى مع أخت له متزوجة, ولكن زوجها كان عليه أن ينتقل إلى مكان آخر, فبقى الاسد بلا أقارب في غرفة متواضعة, ويتذكر الاسد تلك الايام الحزينة بسبب فراقه اسرته ويقول: (في تلك الايام كانت الكيلومترات الثلاثون من قرداحة إلى اللاذقية بضخامة المسافة التي تفصل اليوم دمشق ولندن) . ولا ينسى الاسد ذلك المدرس ذو الثياب الرثة الذي فقد بصره وتمسك بكرامته وصرخ في الطلاب (إنكم لن تستطيعوا أن تشتروني ببضعة ليرات) .. كانت أسر الطلاب الميسورين هي التي تدفع رواتب المدرسين, وهو ما جعل ابناءها يعاملونهم باستخفاف واحتقار, وهو ما رفضه ذلك المدرس المضطهد الذي اعتبره الاسد أول بطل قومي يصادفه في حياته, وكان لايزال طالبا في المدرسة الثانوية. ولاجدال أن هذا المشهد ومشاهد أخرى في الحياة اليومية جعلته يشعر بعدم المساواة بين عالمه وعالم الوجهاء (من التجار وملاك الاراضي ورجال الدين المتواطئين مع الاحتلال الفرنسي) والذين جعلوا من أنفسهم سادة على الفقراء, ورغم تفوقه الدراسي فإنه لم ينسي الشعر, وقد كان يمضي الساعات الطوال محدقا في أمواج البحر المتوسط, وهو يحاول أن يسكب عواطفه في قصائد فرضتها عليه مشاعر تلك الايام, وهو ما كشف عنه فيما بعد لطالبة سورية سلمها جائزة الشعر في عام 1974. في تلك الفترة كانت الاحزاب السياسية تنمو بصورة فرضتها ما بعد الحرب العالمية الثانية, كان هناك حزب (القوميين السوريين) الذي أسسه مسيحي من أصل لبناني هو (أنطون سعادة) , كان هناك الحزب الشيوعي الذي أسسه كردي هو (خالد بكداش) , وكانت هناك حركة البعث التي أسسها ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار, ولمع إلى جانبهما أكرم حوراني, وقد انضم الاسد إلى هذه الحركة وهو في السادسة عشرة من عمره قبل أن يحصل على شهادة البكالوريا بأربع سنوات.. هكذا.. كان عليه في وقت مبكر أن يدافع عن شعار (البعث) : (وحدة حرية اشتراكية) .. وأن يؤمن كما يؤمن البعث بأنه مواطن في أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة, وفي شتاء 1947 تحول (البعث) من حركة إلى حزب. في عام 1949 انتقلت عائلة الاسد إلى اللاذقية بعد أن دخل أصغر أبنائها (رفعت) المدرسة الثانوية, وراحوا في الوقت نفسه يراقبون النشاط السياسي لشقيقه الاكبر والذي لم يكونوا موافقين عليه تماما, فقد كانوا يعدونه لتحسين أوضاعهم لا لينغمس في معارك كاد أن يذهب ضحيتها.. ففي عام 1948 احتك بعض اعضاء جماعة الاخوان المسلمين في اللاذقية بالاسد وطعنوه بسكين في ظهره, واستغرق التئام الجرح عدة اسابيع, وحاولوا عدة مرات أن يضربوه, وهو ما يعني أن العداء بينه وبين الاخوان المسلمين أقدم بكثير مما يبدو على السطح, كما أن هذا العداء الذي أخذ فيما بعد صراعا حادا وشرسا على السلطة لا يخلو من المشاعر الشخصية القديمة. في العشرين من عمره حمل الاسد شهادة البكالوريا إلى أسرته, كانت الدنيا حوله أضيق من أن تحتمل طموحه, ففكر في أن يدرس الطب في الجامعة (اليسوعية) في بيروت, لكن.. كانت الرحلة إلى بيروت أكبر من طاقة الاب الذي كان قد شاخ دون أن يملك فائضا من المال لتعليم ابنه في كلية الطب.. وهكذا.. أخذته الظروف في طريق آخر.. وان كان قد حقق حلمه فيما بعد عندما دفع بأحد ابنائه وهو بشار إلى دراسة الطب, ودرست أبنته الكبرى الصيدلة. كان الجيش بديلا مغريا لأن اقساط الكلية الحربية في (حمص) كانت قد الغيت منذ أن استقلت سوريا في عام ,1946 والحق انها كانت المكان الوحيد الذي يقدم لأولاد الفقراء بداية كريمة للحياة إذ كان الطلاب يتلقون فيها الطعام والتعليم والملابس مجانا, بل كانت تمنحهم رواتب شهرية أيضا, ولم تكن الكلية الحربية تجذب ابناء الاثرياء, وثبت أن تلك كانت الغلطة التاريخية لطبقة التجار والملاك التي تركت الجيش وسخرت منه واستخفت به كمهنة, فقد استولى اعداؤها من الفقراء عليه واستولوا على السلطة نفسها. دخل الاسد الكلية الحربية في عام 1952 في دفعة كانت مكونة من 90 طالبا وهناك التقى وعرف ومد جسورا قوية لم تنقطع حتى الآن بينه وبين مصطفى طلاس وهو شاب سني من قرية (الرستن) القريبة من حمص ومثله مثل الاسد كان بعثيا, لكنه بقي في الكلية الحربية بينما ذهب الاسد إلى الكلية الجوية في حلب هو و15 طالبا في الدفعة, كان الاسد يريد أن (يطير) , ومن حسن حظه أن مدرسة الطيران التي كانت متواضعة قد اصبحت كلية راحت تنمو في العام الذي انتسب فيه اليها. وفي حفل التخرج حصل الاسد على شهادة في (حركات الطيران البهلوانية) , ولكنه كاد أن يفقد حياته في كارثة جوية عشية تخرجه في عام ,1955 كان يجري بروفة حفل التخرج عندما دخل في سحابة كثيفة فوق حلب, وكان التحليق في السحاب يتطلب تدريبا لم يكن قد حصل عليه, لكنه كان يعلم أنه عندما يطير طيرانا أعمى فيجب ألا يثق إلا بحواسه بل عليه أن يراقب ادواته, وهكذا لاحظ أنه يفقد السرعة, ولاحظ أنه يطير بالمقلوب, ولكن في الوقت المناسب نجح في اعادة الطائرة إلى وضعها الطبيعي وارتفع بها قبل أن يلقى حتفه وترتطم الطائرة بالارض. خدم الاسد في بداية حياته العسكرية في قاعدة (المزة) الجوية قرب دمشق, ولكنه لم يكف عن المعارضة السياسية, فالمؤسسة العسكرية السورية كانت أكثر المؤسسات تسيسا في العالم العربي كما أنها كانت أكثر المؤسسات العسكرية في العالم العربي تعرضا للانقلابات والاضطرابات, فالجيش هناك ليس معزولا عن السياسة, وليست السياسة محرمة عليه, لكن.. الاسد لم يتردد في أن يترك دمشق حين وقع عليه الاختيار عام 1955 للسفر إلى مصر في دورة تدريبية متطورة على الطيران, ولابد أن أيامه في القاهرة في فترة كان فيها جمال عبد الناصر رمزا للمد القومي قد جعلت مصر قريبة من هواه.. وجعلته يكرر فيما بعد عبارة اصبحت شهيرة في سوريا وهي: (أن سوريا لا يمكنها أن تفعل الكثير بدون مصر) .. وقد فسرت هذه العبارة معظم ما يعتري العلاقات المصرية السورية من مد وجزر في وقت واحد. لكن.. الاسد كان من أسعد الناس بالوحدة مع مصر في عام ,1958 فقد قامت الوحدة استجابة لضغوط من الضباط البعثيين على جمال عبدالناصر, وكان سر هذه الضغوط هو خشيتهم من أنهم بدون جمال عبد الناصر فقد يتجاوزهم الشيوعيون الذين كانوا يتمتعون يومها بشعبية غير عادية بسبب صفقة الاسلحة السوفييتية والتعهد بمساعدة اقتصادية. لقد اتيح للأسد أن يرى نظام جمال عبد الناصر عن قرب, لكنه في تلك السنة أيضا كان عليه أن يحقق مسألة خاصة جدا, في تلك السنة كان مصمما على الزواج من أنيسة مخلوف التي عرفها منذ الطفولة (ثم اختارها دون غيرها وهو ملازم أول وفي أوائل العشرينيات من عمره ليتقدم إليها) .. وهي تمت له بصلة عائلية من بعيد, وان كانت عائلتها موسرة ولا تميل لتزويج بناتها من الضباط, كما أن الخلافات السياسية بين ما تؤمن به عائلتها وما يؤمن به الاسد كانت عقبة أخرى, لكنه.. كان مصرا عليها, فقد زاد تعلقه بها بعد عودته من مصر, وهي معلمة (ذات سلوك رزين محتشم, وشابة رقيقة ذات شعر بني تقاربه في العمر, وقد تلقت ثقافة رفيعة في مدارس دير راهبات القلب المقدس الفرنسية في مدينة بانياس الساحلية) . ان عناد الاسد ليس في المسائل العامة فقط وإنما في المسائل الخاصة أيضا, وقد تزوج في شقة صغيرة متواضعة على أطراف حي (المزة) الفقير, وهو ما تحملته الزوجة التي لم تتعود هذه الحياة, وعلى حد ما كتب باتريك سيل فإنه (في سنوات زواجهما الاولى لم يكن الاسد قادرا على تأمين مستوى الحياة التي اعتادت عليها زوجته.. ولكن ذلك لم يثبط عزيمتهما كما لم تثبطها تذبذبات حياته العسكرية والسياسية في مدها وجزرها, وقد قدر لها أن تكون زوجة وأما مخلصة وكاتمة أسراره وأن تقدم له مناخا منزليا محترما لا تشوبه شائبة) , وكان هذا المناخ يلائمه, فهو لم يرتكب مغامرات الشباب الطائش قبل الزواج ولم يتسم بغلظة في السلوك كما أنه لم يرتد المقاهي والملاهي. وبعد اسابيع قليلة من الزواج كان عليه أن يفارق بيته ووطنه وزوجته وتحمل فراقا لا يقل عن 11 شهرا قضاها في موسكو للتدريب على الطيران الليلي بطائرات ميج 15 وميج 17 التي كانت سوريا قد زودت بها في منتصف عام الوحدة, وقد ودع الاسد في المطار وداعا عاطفيا من قبل عائلته واصدقائه, وقد تذكر ذلك المشهد المؤثر فيما بعد قائلا: (في تلك الايام كان الناس يودعونك وكأنك لن تعود قط) .. فالسفر إلى موسكو كان يبدو كأنه رحلة إلى القمر, وعادت زوجته التي كانت حاملا إلى بيت اسرتها. تغيرت سوريا كثيرا في شهور غيابه في موسكو, لم يقبل جمال عبد الناصر أن يواصل الجيش تدخله في السياسة, فقام بتصفية نادي الضباط الذي كان محور السياسة في دمشق, واغلق مكاتب حزب البعث, واعتمد جمال عبد الناصر على الاستقبال الشعبي الكاسح له في الاقليم الشمالي وكأنه (صلاح الدين الايوبي) قد بعث من جديد, شعبية الزعيم العربي التي لم ينل مثلها غيره في العصر الحديث لم تكن لتكشف ما يفور تحت السطح من شكاوى وغضب وخوف غير محدود المعالم. لقد حاول عبد الناصر أن يقتلع احشاء السياسة في سوريا وكان ذلك شرطه الذي أصر عليه قبل الوحدة, أن ينسحب الضباط من السياسة وأن تحل الاحزاب السياسية, وقد وافق الضباط البعثيون على ذلك وإن لم يصدقوا أن يحدث.. وعندما حدث, بدأت البراكين تغلي, والصدمات تتوالى, وفي هذه الظروف غير المريحة وغير المطمئنة وجد الاسد نفسه في القاهرة, وما جرى في القاهرة قصة مثيرة ومؤلمة تحتاج الانتظار.