أغلب تراث العرب قبل الإسلام وبعده: كلام في كلام, كلام محكي ومكتوب ومحفوظ, جله من الشعر وباقيه حكم وأمثال ونثر وحكايات أبطالها عشاق وأمراء ومجانين وبهاليل وبخلاء وفرسان لا يشق لهم غبار. وعلى ذلك فالعرب هم أكثر أمم الأرض تعاطيا للشعر والكلام حتى قيل: الشعر ديوان العرب. فهو جامع أخبارهم وحكمتهم ونبوغهم وأحوالهم وأنسابهم وفحول شعرائهم وفرسانهم وعشاقهم. وبرغم مكانة الكلام عند العرب فهم أصحاب أمثال معروفة بمواقفها الحازمة والقامعة لحق الكلام! ألم يقل العرب (إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) وان (من كثر كلامه قل احترامه) و(العاقل من عقل لسانه) و(سلامة الإنسان في حفظ اللسان) و(الندم على السكوت خير من الندم على القول) وغيرها مما لا يعد ولا يحصى من الأدبيات الكلاسيكية الدالة على مدح الصمت والسكوت وذم القول! والسؤال الأسرع هو: متى وأين يمتدح السكوت؟ ومتى يذم الحديث أو القول؟ خاصة وقد سنت المنظمات الدولية والمؤتمرات العالمية العديد من التشريعات والقوانين المعترف بحجيتها ونفاذها من قبل أغلب دول العالم فيما يتعلق بحرية القول والتعبير بكافة الأشكال. وربما وحدها دول العالم الثالث بما فيها المنظومة العربية لا تقترب من مناقشة هذه القوانين والحقوق لأسباب معروفة لنا جميعا. في مديح الصمت والسكوت قصائد وارث من الأمثلة, وفي حق التعبير ليس سوى ديباجات حقوق الإنسان الصادرة منذ منتصف القرن الماضي, أما في العالم العربي فمازال السكوت من ذهب, فإذا سئل المواطن أمام صناديق الاقتراع ولجان الانتخاب: ما رأيك بانتخاب فلان رئيسا؟ صمت المواطن (خوفا وهلعا) فيسجل رئيس اللجنة: إذن أنت موافق؟! كيف عرفت يا سيدي؟ يجيب رئيس اللجنة: لان السكوت علامة الرضا! لكن هذا عند الزواج فقط يا سيدي! يجيب رئيس اللجنة: وفي الانتخابات العربية! لقد سئل شاعر عربي, في قطر عربي يغرق مواطنوه في شعارات الكرامة والعزة والصمود: ما رأيك في قانون المطبوعات؟ أجاب: يعيش قانون المطبوعات, ويعيش قانون السير, ويعيش قانون الري, ويعيش قانون الرقابة وقانون الجمارك والمصارف والاستثمار الأجنبي و... يسقط الإنسان! كيف يكون السكوت علامة الرضا؟ أليس الرضا موقفا محددا من الأشياء, أليس دليلا على قبول أمر معين لأسباب واضحة, فكيف يكون الصمت تعبيرا عن قبولنا بهذا الأمر؟ إن الصمت أو السكوت هنا دليل واضح على الاستسلام أمام سطوة الأمر الواقع حيث لا خيار, وهذا لا يسمى رضا أبدا, نحتاج لأن نحاكم بعض أدبياتنا الدارجة أو أن نتعامل معها بحذر, ذلك بأن السياسة ونفوذ السلطة قد جيرت بعض هذا الارث لصالحها, مستغلة ذهنية وتربية الإنسان العربي الذي تتلمذ منذ نعومة أظفاره على تقديس الميراث الأدبي الرامي لالغاء حق الاعتراض والانتقاد والقول المخالف لانه من سوء الأدب وقلة الحكمة والجهل, اما السكوت فهو الذهب الذي يجب الحرص عليه دائما لأنه رأس الحكمة!