أطلق لخيالك العنان وتصور ان الصين صارت صورة مكبرة لجزيرة هونج كونج: حمى الاستهلاك والاباحية تجتاح قطاعات المجتمع كافة. الكل, رجالا ونساء, شبابا وأطفالا لا هاجس لهم سوى اقتناء الجديد فالجديد من الملبس ووسائل التسلية.. يدمنون شراب الكولا نهارا والخمر ليلا. وما بين ساعات العمل والسهر يتلقفون في تلهف كل منتج جديد من منتجات الثقافة التكنولوجية الامريكية. وهكذا يتحول المجتمع الصيني صوب امريكا والمثال هذه هي الصورة المستقبلية للصين كما يعرضها (اللوبي) الصيني داخل الولايات المتحدة وتبناها بالكامل البيت الابيض والكونجرس. فهل هي صورة رسمت بناء على معطيات موضوعية مستمدة من الواقع ام انها مجرد جموح خيالي ممتزج بتفكير رغبوي؟ على خلفية من الجدال المتشعب بين خبراء الاستراتيجيات الاقتصادية والسياسية اجاز الكونجرس الامريكي قبل نحو اسبوعين مشروع قانون تاريخيا تقدمت به ادارة كلينتون لمنح الصين وضع (التبادل التجاري الطبيعي المستديم) وهو مصطلح يعني وفقا لقوانين (منظمة التجارة العالمية) ان تسمح كل من الدولتين بدخول منتجات الدولة الاخرى برسوم جمركية مخفضة. معنى هذا ان السوق الامريكية تصبح الآن اكثر من اي وقت مضى مفتوحة للسلع الصينية بقدر ما تكون السوق الصينية مفتوحة للسلع الامريكية. وفريق الاستراتيجيين الامريكيين الذين تبنوا بحماسة مشروع القانون هم الذين يروجون للتحول المستقبلي المتخيل للصين نيابة عن مجموعة من كبرى الشركات الامريكية العملاقة التي تتعامل مع السوق الصينية. وبما ان الافكار التي يعرضها هؤلاء الاستراتيجيون ـ ومن أبرزهم د. هنري كسنجر وجيمس بيكر وزيرا الخارجية سابقا ـ تنطلق من مصالح تلك الشركات فانهم يقدمون الى الرأي العام الامريكي صورة احادية الجانب, فيحصرون حججهم في الفوائد الايجابية مع تعمد اغفال السلبيات. على هذا المنوال الدعائي التبريري ظلت الشركات الكبرى الامريكية تستأجر هؤلاء الخبراء ذوي الاسماء الرنانة ليبشروا بأن مباراة الانفتاح بين امريكا والصين سوف تكون لصالح تحويل الصين في الاتجاه الرأسمالي. فأمريكا, بناء على هذا التصور الوردي, سوف تتمكن في المستقبل المرئي من اختراق المجتمع الصيني المغلق سلميا عن طريق الغزو السلعي كمقدمة للغزو الفكري والثقافي على أساس ان المد القومي الايديولوجي لن يقوى على الصمود امام المد الاستهلاكي في نهاية المطاف. صحيح ان التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والصين في صورته الجديدة سوف يؤدي الى خفض الرسوم الجمركية الصينية على السلع الامريكية. فمثلا سوف تهبط الرسوم الصينية على المنتجات الصناعية الامريكية بالتدريج من 25 في المئة الى تسعة في المئة في غضون خمس سنوات. لكن هذا الامتياز ينسحب ايضا على المنتجات الصينية التي تدخل السوق الامريكية. وهنا يجب ان نلاحظ ان الميزان التجاري بين الدولتين ظل لسنوات يحقق فائضا ضخما لصالح الصين.. وبالتالي عجزا لامريكا. وفي عام 1999 المنصرم بلغ الرقم نحو 70 مليار دولار لصالح الصين. وما لا يقوله استراتيجيو الشركات الامريكية المتعاملة مع السوق الصينية هو ان الاقتصاد الصيني اقتصاد مخطط مركزيا تسيطر عليه الدولة وتتحكم في توجيهه بصورة كاملة ومطلقة. لذا فان من المشكوك فيه ان تسمح الصين بطوفان سلعي امريكي من المنتجات الاستهلاكية. نعم.. سوف تلتزم الصين بفتح اسواقها امام الشركات الامريكية لكنها سوف تجعل هذا الالتزام مرتهنا بسياسة تجارية انتقائية تعطى أفضلية لاستيراد السوبر كمبيوتر مثلا على حساب استيراد الكولا وأشرطة افلام الاباحية الجنسية. والخلاصة هي ان الرأسمالية الامريكية سوف يسمح لها بجني الربح المتصاعد من السوق الصينية لكن بشروط صينية مبنية اولا على استفادة الصين من السوق الامريكية وثانيا على ضبط التدفق السلعي الامريكي بحيث لا يتحول الى غزو.