غداة الحدث الابرز في المنطقة, وهو رحيل الرئيس السوري حافظ الاسد, كان واضحا ان الجانب الذي استأثر بانتباه وسائل الاعلام الاجنبية اكثر من غيره, انه في غضون اقل من عامين بدأت تظهر ملامح جديدة للمنطقة, تتمثل في بروز عدد متزايد من القادة الشبان. وتشير هذه الوسائل بصورة خاصة الى ثلاثة من هؤلاء تضعهم في صف واحد وهم: عاهل الاردن الملك عبدالله الثاني, وعاهل المغرب الملك محمد السادس, وبشار الاسد الذي يوشك ان يتولى منصب الرئاسة في سوريا. غير ان السؤال الذي ينبغي ان يطرح هو: هل سيقترن هذا التغيير في الوجوه بتغيير في السياسات ايضا؟! ثمة اغراء مفهوم لتوقع تطورات جديدة, مع كل تبدل يقع في قمة الهرم السياسي في اي بلد, سيما اذا كان القادم الجديد شابا يتمتع بطاقة وحيوية وبالضرورة مزاج مختلف يفرضه السن والخبرة وطبيعة الاهتمامات, ناهيك عن ان مثل هذا القادم ربما يكون متحررا الى حد كبير من الارث الماضي, سواء كان على هيئة خصومات او تحالفات ما يجعله اكثر قدرة على الحركة وبناء اسس عهده بحرية معقولة. لكن هذا احد وجهي العملة فحسب فهناك دائما وجه آخر. واذا نحن انطلقنا من حقيقة ان لا شيء يأتي من فراغ وان الرئيس يخلف والده, يخلف معه جملة اشياء ومعطيات, اولها التوازنات السياسية والمجتمعية الداخلية, لكن ليس آخرها التوازنات السياسية الخارجية, اقليمية كانت او دولية فإننا نستطيع ان نستنتج تبعا لذلك ان التغييرات المتوقعة ليست بالسهولة التي يجري الحديث عنها. ان الامر يرتبط هنا الى حد بعيد بالطريقة التي تمت بها عملية الوصول الى الحكم. وربما من باب المفارقة ليس الا ان الانقلابيين وقادة التغيير الجذري (الثورات مثلا) هم في العادة اكثر تحررا وقدرة على صنع اقدار بلدانهم من اولئك الذين يرثون الحكم من آبائهم او عائلاتهم على نحو مرتب سلفا. فالزعيم الذي يأتي للسلطة عن طريق الانقلاب يتوقع منه دائما ان يقيم نظاما سياسيا جديدا يلغي فيه نظام من سبقوه. وهو الى هذا الحد يظل مطالبا كي يبرز ما يفعل, بأن يثبت ان نظامه الجديد افضل من ذاك الذي جاء على انقاضه. في حين ان جزءا كبيرا من شرعيته ومصداقيته تتحقق بالذات من الاختلاف والتغاير مع الحكم السابق. اما في حالة الحكم الوراثي فغالبا ما نجد مطالبات بالاستمرار على نفس النهج ونفس السياسات مع بعض التغيير هنا او هناك. بل قد تسود احيانا مخاوف من ان يلجأ الملك او الرئيس الجديد الى احداث تغييرات واسعة, ربما تفوق قدرة المحيطين به عن استيعابها. ثمة اختلاف ايضا بين النمطين. فالانقلاب او الثورة, يأتي بفئات او اجيال جديدة الى السلطة في حين ان التوريث يختص برأس النظام فحسب. وبالتأكيد نستطيع ان نلمح المزيد من القيود والتعقيدات التي تحيط بهذا النوع الثاني من الحكم الذي ربما كان راغبا في ان يختط لنفسه طريقا جديدا, لكنه يظل مشدودا بقوة الى الارث القديم. وهذا القديم قد يكون توازنا سياسيا معينا, او اتفاقات ومعاهدات... الخ. وهذا ما يفسر ان تجربتي المغرب وكذلك الاردن على سبيل المثال, ورغم قصرها, لم تؤشرا حتى الآن على تطور جوهري في الداخل, كما في الخارج. بل لعلنا رأينا نوعا من الاستمرارية في كل شيء, بما في ذلك التحالفات والخصومات. بالطبع بالنسبة لأي حاكم جديد لابد ان يقوم ببعض التغييرات في بعض المواقع والوجوه والسياسات. لكن هذا ليس مقتصرا على الحاكم وحده, حتى مدراء الادارات او رؤساء الاقسام في الوزرات والشركات يفعلون الشيء نفسه, حينما يتسلمون مناصبهم الجديدة. لكن ما نعنيه ليس هذا, وانما القيام بخطوات تدل على بداية نهج وسياسة وتوجه جديد. ويحدث احيانا ان يكون الدور او الوظيفة التي تقوم بها هذه الدولة او تلك ضخمة ومعقدة الامر الذي يضطر الرئيس الجديد الى اتباع احد خيارين. اما ان يستغرقه الوقت ريثما يتمكن من السيطرة على الوضع واستيعابه او اللجوء الى الطاقم السياسي القديم لمساعدته وفي الحالين فإن ذلك يقلل من الزخم اللازم لعملية الاصلاح والتغيير, وربما ادى الى ان يستهلك نفسه ويجمد عند النقطة ذاتها. الملاحظ ان الكثيرين في الاحوال الطبيعية, يؤمنون بأن الدول والمجتمعات هي اكبر من الاشخاص, وهو اعتقاد صحيح بالطبع لكنهم سرعان من ينسون اعتقادهم هذا او يتخلون عنه بمجرد حدوث تغييرات في الحكم فيذهبون الى حد توقع حدوث المفاجآت العظيمة. غير ان وقائع الحياة سرعان ما تكذب هذا الاعتقاد او على الاقل تقلل من اهميته وتكبح حماسته. ينبغي الاعتراف اذن بأن الحديث عن معالم جديدة قد بدأت تظهر في المنطقة العربية بنتيجة رحيل عدد من الزعماء المخضرمين, يظل صحيحا على مستوى الشكل والوجوه, ولكن ليس من السهل ان يتبعه تغيير مماثل على مستوى السياسات او التوجهات في بلدانهم. الارجح ان بعض الامور قد تتغير لكن ذلك يظل محدودا ومرهونا في الوقت نفسه بقدرة هذا التغيير او قابليته على تثبيت ركائز الحكم الجديد. كاتب بحريني