في شهر مارس الماضي اتيحت لي فرصة زيارة جامعات اوروبية عريقة وكنت وما زلت اغتنم هذه الزيارات العلمية واعتبرها نوعا من انواع الارتياد الحيوي لصروح العلم والمعرفة. احرص على الاستفادة منها واستعادة ما تيسر من ذكرياتي فيها وبخاصة في جامعة السوربون بباريس حيث قضيت سنوات من العمر صعبة ومنعشة في الوقت نفسه. وفي شهر مارس الماضي زرت السوربون بباريس وكذلك جامعة لندن وكلية الدراسات الاسيوية والافريقية فيها وعميدها السير تايم لا نكستر وكذلك جامعة وستمنستر وكلية الاعلام والاتصال فيها وعميدها السير ونستن. ومن خلال هذه اللقاءات استكشفت بأن هوة لا تزال تفصل بين المناهج الجامعية هناك والمناهج الجامعية هنا في عالمنا العربي ـ مع اختلافات طفيفة في الجزئيات ـ ولعل اهم ما يميز هذه الجامعات الاوروبية العريقة هو ما نلاحظه من سرعة تكيفها مع مقتضيات العصر المعولم وبطء تأقلم جامعاتنا العربية بالمقابل مع تلك المقتضيات بالرغم من ان عراقة الجامعات الاوروبية (السوربون على سبيل المثال يرجع تأسيسها الى عام 1350م) لم تكن عائقا عن التطور السريع ولا داعيا للجمود والتقليد. وكان اول ما لفت نظري هنا وهناك في جامعات باريس ولندن هو هدم الحواجز بين الاقسام العلمية والتخصصات بشكل يمكن ان يندهش له دعاة الجمود الاكاديمي العربي. فعندنا ينكفىء كل فريق على تخصصه كما تنكفىء الدجاجة على فراخها او على بيضها يخشى ان يدس زميل ذو تخصص آخر انفه او يحشر نفسه (فيما لا يعنيه..) فتكون الكارثة اي اعلان حالة الاستنفار القصوى ضد هذا الدخيل وهي اخلاق في اغلب الجامعات العربية اسميها (اخلاق الضرائر) اعاقت تقدم الجامعات واصابتها بداء تصلب الشرايين وجعلت كل جامعة عبارة عن ارخبيل من (الجزر العلمية) لا جسور تربط بينها ولا علاقة بين فرقائها ولا صلة بين خططها الدراسية. وقد لاحظت مثلا في جامعة السوربون انشاء قسم البيولوجيا الوراثية ـ او الجينية ـ اجتمع فيه للبحث والتدريس الطبيب الماهر وعالم الاجتماع وخبير القانون وعالم الاديان المقارنة... لسبب بسيط هو ان الفكر الاكاديمي في جامعة السوربون توصل الى ان علم الوراثيات ليس طبا فحسب بل وكذلك حقل بحوث اجتماعية وقانونية ودينية لا يمكن ان يستقيم هذا التخصص الا بتضافر جهود وبحوث تلك الصفوة من ذوي التخصصات المختلفة. وفي كلية الاتصال والاعلام في جامعة وستمنستر اطلعت على (مختبرات) تدريس علوم الاتصال والاعلام. وهي مختبرات وورش عمل تختلف عن الفصول الدراسية لدينا حيث يقوم الزملاء يتلقين فصول من كتب الاعلام لا لأنهم عاجزون بل لأن المناهج هي هكذا ولا يجدي الاجتهاد كأنها تدرس الاعلام لطلابنا وطالباتنا بغاية تخريج صحفيين سيعملون في مجلة (الرسالة) للمرحوم احمد حسن الزيات عام 1935 لا تخريج خبراء اتصال سيعملون على الكمبيوتر ويتصلون بوسائط الاعلام المتعددة ويربطون شبكاتهم بشبكات الانترنت وبرامج الاتصال الدولي. الرأي عندي اننا كأكاديميين عرب لم نعط لانفسنا زمنا للتفكير والتشاور الديمقراطي العلمي الحر والخروج بخطط دراسية حديثة فيها ابداع وابتكار وخيال. بل اصبح هم الجامعات العربية كيف تعالج القضايا الادارية والعلمية والمزاجية اليومية وكيف تحل (معضلة) التناقض بين مخرجاتها ومدخلات التنمية؟ وكيف تقوم بوظيفة خدمة المجتمع؟.. دون التفكير في خدمة العصر الذي نعيشه والذي يتغير بسرعة مدوّخة. هل بالامكان ان نطمح لزمن هادىء تتوفر فيه السكينة العلمية للتفكير والتغيير واعادة النظر؟ ولكن قبل ذلك على جامعاتنا ان تخفف من رصاص العادات القديمة والتقاليد الجاهزة, لتصبح اكثر مرونة واكثر شفافية... وتتحول الى قلاع خيال وتجديد عوض الابراج (العاجية) العالية التي مع الاسف تكلست واستعصت على الافكار الجديدة الطريفة والمبادرات الذكية الحية. فهل من مجيب وهل من صدى؟ استاذ الاعلام بجامعة قطر