وسط الظروف المضطربة التي احاطت بسوريا داخليا وخارجيا نجح الرئيس حافظ الاسد وعلى مدى ثلاثة عقود في تأمين مسألة رئيسية للسوريين: الاستقرار السياسي في مجتمع يميل لتحدي السلطة ويلعب فيه الجيش دور ارئيسيا في تقرير الحكم. وفي عهده حققت سوريا نجاحا في مسائل عديدة ولكنها واجهت بالوقت نفسه اشكالات لم تنجح في حلها. وقد عرف الرئيس الاسد كيف يبني وضعا اقليميا. وضع سوريا كلاعب رئيس يتحكم بعدة ابواب. فسوريا نجحت في عهده في حماية جناحها الايمن وسط الحرب الاهلية في لبنان, ووسط التدخلات الاسرائيلية في اوضاعه. وقد نجحت سياسية الرئيس الاسد في جعل اسرائيل تتراجع في لبنان وتنسحب من مفصل رئيسي من خلال انهاء الحرب الاهلية ثم تحرير الجنوب. كما استطاعت سوريا تحسين موقفها التفاوضي حول الجولان وذلك من خلال مقدرتها على قيادة التيار العام في البلاد العربية الذي عارض التطبيع ودعم المقاومة اللبنانية. وفي تمسك الاسد بمواقفه هذه غير الميزان العام مما جعل سوريا مفصلا رئيسيا للسلام العربي الاسرائيلي. ان المتابع للتاريخ السياسي لسوريا في زمن الرئيس الاسد تبرز امامه حالة مليئة بالحسابات. فمن حسابات دعم المقاومة في السبعينيات الى حسابات مواجهة اسرائيل الى جانب مصر في اكتوبر 1973, الى حسابات التعامل مع لبنان في الحرب الاهلية اللبنانية, مرورا بحسابات الصدام مع اسرائيل ابان الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982, الى حسابات مواجهة الولايات المتحدة سياسيا وعسكريا في لبنان في العام 1983. مرورا بالوقوف الى جانب ايران في زمن الحرب العراقية الايرانية الى حسابات التصدي لتطلعات ولمغامرات الرئيس العراقي في الكويت, انتهاء بحسابات المرونة في التعامل مع تركيا وحسابات التعامل مع السلام ودعم المقاومة اللبنانية بالجنوب تبرز الحالة السورية في نجاحها الهادىء وطريقتها الخاصة. في هذا تتضح تناقضات الساسة وتتضح حاجة سوريا للتحرك باتجاهات مختلفة في مرحلة تواجهت مع الولايات المتحدة وفي اخرى تحالفت معها وفي ثالثه حافظت على التوازن. ولا يخفى ان سوريا استطاعت استيعاب الكثير من العنف الداخلي والثورة ونجحت في امتصاص العنف. بالنتيجة نجح الاسد في تأمين الاستقرار وفي استيعاب مكونات العنف الداخلي. لكن سوريا بالوقت نفسه وامام تحديات العولمة والتغيير العالمي, ظلت تعيش الهم السياسي السوري والعربي. وقد مثل هذا الهم بالنسبة للرئيس الاسد الاولوية, فيما تأخرت قضايا الانفتاح الاقتصادي وقضايا التغيير السياسي والاداري. لكن الواقع الموضوعي في سوريا يشير الى حتمية بناء الفرد والمجتمع لصالح الانفتاح ولصالح الحريات ولصالح السلام العادل ولصالح التنافس ضمن اسس العصر والانفتاح عليه. لهذا يمكن القول بأن الرئيس الاسد يترك سوريا بعد ان حقق لها الكثير, ولكنه يتركها وهي في مرحلة انتقال حساسة. فسوريا في عهد الاسد عاشت اخر فترات المرحلة السابقة التي استندت الى دولة قوية وسلطات حاسمة, وحسابات اقليمية عالية. لقد بدأت مرحلة ما بعد الاسد باختيار ابنه الشاب وفي هذا مؤشر لمرحلة جديدة عنوانها اصلاحات تؤثر في عصب الادارة والاسلوب وفي عصب الاقتصاد وعلاقة الدولة بالمواطن. ان المهمة الكبيرة الملقاة على عاتق بشار الاسد لن تكون سهلة, فمراحل الانتقال وعلاقة ذلك بدور الاجيال الجديدة والتغير والاصلاح هي الاصعب في تاريخ الامم والشعوب. ان هذه المسئولية في يوم حزن السوريين على الرئيس الراحل حافظ الاسد تقف وراء ذلك المزيج من الحزن على فقدان قائد والتفاؤل بامكانيات المستقبل. استاذ العلوم السياسة بجامعة الكويت