بعد فترة طويلة اكتشفت مجموعة من الأفلام التي استخدمتها في التقاط بعض الصور في مناسبات مختلفة لم أتذكرها إلا بعد أن ظهرت هذه الأفلام عند أحد محلات التصوير. ولا أدري كيف باغتتني الصور واللحظات التي أمكن لهذه الآلة السحرية ان تسجن الزمن من خلال الصورة. بعض الصور تعود لأكثر من ثلاث سنوات, فقد فاجأني ابن شقيقي وهو ما زال في الثانية من عمره بينما يجري الآن كل صباح باتجاه الروضة, وكأنني إذ أراه في الصورة اتذكر تلك الاغنية التي تقول: سألونا وين كنتوا وليش ما كبرتوا انتو ... بنقولن انسينا!! فهل يمكن أن ينسانا الزمن وأن نتمكن من نسيانه فلا نكبر؟ الذين يمكثون في مختبراتهم من العلماء ومهندسي الوراثة واللاعبين بالجينات يحاولون مستميتين أن يجمدوا الزمن ويكتشفوا سر الوقت لأجل مزيد من العمر ولأجل ايقاف شبح الشيخوخة ... ولكن؟! بعض الصور التقطت في بلدان مختلفة, سنغافورة, استراليا, لبنان, بعضها يضم شحاذين في الطرقات وبعضها يتسمر فيه رجال سياسة وزوجات كبار الساسة في بعض الدول, بعضها جمعت بين أصدقاء لم يجتمعوا سوى مرة واحدة ولكنها المرة التي أسست لصداقات عمر, وبعضها سمر حدثا مفصليا في اطار صغير سيظل الحدث مأسورا فيه برغم ان انقلابا حدث غير كل التفاصيل الواردة في الاطار. ومن هذا القبيل هناك صور التقطتها أثناء زيارتي لجنوب لبنان في مارس الماضي تبدو فيها بعض تحصينات وتجمعات العدو (الاسرائيلي) كما تبدو فيها السيدة بهية الحريري النائب في البرلمان اللبناني وهي تدعو الحاضرات في يوم المرأة العالمي لكتابة رسالة للأمين العام للأمم المتحدة (كوفي عنان) من أجل العمل الحثيث لفك أسر السجينات اللبنانيات في معتقل الخيام والسجون الاسرائيلية. اليوم بعد هذا الزمن من التقاط الصور ما عاد للجنود الاسرائيليين موطئ قدم في أرض الجنوب, وقد سقطت أسطورة معتقل الخيام وتحررت السجينات وكل السجناء فيه دون الحاجة لشفاعة كوفي عنان وأممه المتحدة. وتذكرت لا أدري لماذا المصور البريطاني (كودري) الذي توفي منذ شهر تقريبا مخلفا وراءه ارثا من الأعمال الفوتوغرافية التي استطاع بها أن يحفظ ارثا كاملا لمنطقة الخليج ودولة الامارات ودبي تحديدا, فهناك شخصيات وطقوس احتفالية اجتماعية وشعبية ودينية ما كنا سنعرف رونقها وتفاصيلها لو لم تحفظ عدسة (كودري) عبقها وألوانها في ارث الصور الذي خلفه لنا شاهدا على حياة مجتمع انتقل من الفاقة إلى الغنى ومن العدم الاقتصادي إلى الطفرة بمقدار 360 درجة. الصورة ذاكرة وحياة وقبض على الزمن بشكل ساحر واختراع إنساني لا يقل عجائبية عن كثير غيره نمر عليه فلا نشعر بأهميته إلا حين تباغتنا المفاجأة, ساعتها نعترف ونتيقن ونعرف.