ما هي (الشرعية) التي يقول رفعت الأسد شقيق الرئيس السوري الراحل انه يستند اليها في مطالبته بقيادة الدولة السورية كرئيس للجمهورية؟لم يتحدث عن الديمقراطية الليبرالية ومبدأ تداول السلطة بمعنى الاحتكام الى الارادة الشعبية والتنافس الحر، بين اكثر من مرشح في اطار وضع تعددي يكفل حريات التعبير الجماهيري مع حرية المحاسبة. فالسيد رفعت الأسد يريد ان يكون رئيسا (جاهزا) . وعندما يشير الى (الشرعية الدستورية) محتجا بأنه الأجدر بمنصب الرئاسة في دمشق فانه لا يتقدم بأوراق اعتماد سوى انه شقيق الرئيس الراحل. واذا اعدنا الى الذهن الخلفية السياسية العامة للوطن العربي فاننا نكتشف ـ ويا للغرابة ـ ان صوت رفعت الأسد ليس نشازا تماما كما يبدو للوهلة الاولى. فمطالبة السيد رفعت بجائزة الحكم عن غير طريق التنافس الديمقراطي السلمي التعددي مبنية على فرضية عربية بدهية ارتقت بتعاقب العقود الزمنية الى مستوى.. مبدأ انه لا علاقة البته بين تداول السلطة والارادة الجماهيرية. في الوطن العربي يسود النظام الاوتقراطي. ولفترة عرضية وجيزة في مجرى التاريخ العربي الحديث تعرضت الشعوب العربية مؤقتا لحقبة من الاستعمار الاوروبي.. فخلال تلك الحقبة عرفت الممارسة الديمقراطية الليبرالية. اما ما قبل ذلك في عهد الامبراطورية العثمانية وما بعده في عهد الاستقلال الوطني خضعت الشعوب العربية ولاتزال تخضع للحكم الاوتقراطي المنظم. مطالبة رفعت الاسد بمنصب السلطة العليا تستند الى هذا التراث. فالحكم الاوتوقراطي معيار شرعية السلطة العربية وهو معيار ليس معتمدا لدى الحكومات فحسب.. بل المؤسف حقا ان الشعوب العربية تنظر فيه وكأنه قدرها المحتوم. ان رفعت الاسد هو احد ابناء النظام السوري الراهن الذي امتد عبر الزمان لمدى ثلاثين عاما حتى الان. ولذا فان مطالبته بالسلطة مبنية ضمنا على فرضية ارتضائه للصفة الاوتقراطية للنظام على اعتبار انه النموذج (الشرعي) السائد في الوطن العربي. ولذا فان البيان الصادر قبل بضعة ايام عن السيد رفعت لم يتضمن شعارات او برامج جديدة. فلم يعد باقامة نظام ديمقراطي تعددي.. ولم يخاطب بالتالي اي قوى معارضة للنظام سواء داخل سوريا او خارجها. من هذا المنظور فان الاعتبارات التي دفعت بالسيد رفعت ليعلن على العالم (احقيته الدستورية) بالسلطة في اعقاب رحيل الرئيس حافظ الاسد تنحصر تماما في (الانجازات) التي قدمها للنظام. لقد كان رفعت الاسد قبل ان يجبر على العيش في المنفى خارج سوريا نائبا لرئيس الجمهورية كما كان قائدا لقوات خاصة ذات طابع امني داخلي يطلق عليها (سرايا الدفاع) . وبهذه الصفة الاخيرة قاد عملية القمع ضد تنظيم (الاخوان المسلمين) في الثمانينيات.. وبذلك تم القضاء على اخطر تنظيم معارض كان يواجه النظام. وهذه الحادثة ليست الدليل الوحيد على دموية رفعت الأسد وتوجهه الاستبدادي. فالذي دعا الرئيس حافظ الاسد الى التخوف الحقيقي من شقيقه الى درجة اتخاذ قرار حاسم بنفيه أن رفعت شرع في تنفيذ محاولة انقلابية منتهزا اقامة الرئيس في المستشفى وما تصوره من ان الرئيس كان في حالة عجز مرضي. وما ان اخمدت القوات الموالية للرئيس المحاولة الانقلابية حتى قرر الرئيس ان بقاء شقيقه داخل الوطن يمثل خطرا جسيما. ان احتمالات نجاح رفعت الاسد الان في مسعاه لانتزاع السلطة او احتمالات فشله رهينة بتطورات الاوضاع الداخلية في سوريا على صعيد مؤسسات السلطة. ولكن في كل الاحوال رفعت الاسد يظل شخصية انتهازية مغامرة بلا أجندة وطنية.