وكنا قد بينا فيما سبق ان تلك الثقافة السياسية السائدة داخل هذا التجمع الصهيوني مركبة من عناصر عديدة, متأثرة بمناخات وبيئات عديدة, مترابطة بأحزمة مقدسة (التوراة, السامية, شعب الله المختار, الوعد الالهي, المسيح المخلص) . لذا كان من الطبيعي ان تفرز تلك الثقافة تعبيراتها في الموقف من كافة القضايا المعايشة من قبل هذا التجمع الصهيونية, هذا بالاضافة الى ما تساهم به التنشئة الاجتماعية عبر كافة الادوات الاخرى. انطلاقا من تلك القاعدة, نجد ان مفهوم السلام لدى ذلك التجمع, هو مفهوم فريد في نوعه, حيث يعبر عن تلك الثقافة بل ويعتبر افرازا طبيعيا لها, فهو سلام القوة والامن والتميز والتفوق, وفرض الامر الواقع والاستيطان والهيمنة والتطبيع انه سلام دولة اليهود فقط. وكل ذلك طبيعي وبالذات عندما ننتبع المفاهيم المصدرة من التوراة والصهيونية ركني البناء العقائدي لهذا التجمع الصهيوني العنصري. كثيرة هي النصوص المقدسة! في التوراة الداعية الى العنف وقتل وسلب الاغنياء انطلاقا من (قدسية) الشعب اليهودي, شعب الله المختار (ان لم تطردوا سكان الارض من امامكم يكون الذين تستبقون منهم اشواكا في عيونكم ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم على الارض التي انتم ساكنون فيها فيكون اني افعل بكم كما هممت ان افعل بهم) ((سفر العدد 56.55:23) ) ومتى اتى بك الرب الهك الى الارض التي انت داخل اليها لتمتلكها وطرد اصحابها من امامك وضربتهم فإنك تحرمهم تبيدهم, لاتقطع لهم عهدا ولاتشفق عليهم (سفر التثنية 7) ومن هذا القبيل ما جاء في سفر الخروج من ايعاز لليهود بالاحتيال على المصريين (الاغيار) لسلب حليهم وامتعتهم, حيث جاء ((في الاصحاح الثاني عشر 35/36) ) وفعل بنو اسرائيل بحسب قول موسى, طلبوا من المصريين امتعة فضة, وامتعة ذهب وثيابا, واعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى اعادوهم فسلبوا المصريين) وفي الاصحاح الحادي عشر من سفر التكوين (2) طلب الرب من موسى (تكلم في مسامع الشعب ان يطلب كل رجل من صاحبه وكل امرأة من صاحبتها امتعة فضة (وامتعة ذهب) وهكذا اصبح الاحتيال والسرقة امرا (للشعب المقدس) وضد الاغيار وتقول التوراة في الاصحاح السادس من سفر الخروج 6/7 (لذلك قل لبني اسرائيل انا الرب وانا اخرجكم من تحت اثقال المصريين وانقذكم من عبوديتهم واخلصكم بذراع ممدودة وبأحكام عظيمة واتخذكم لي شعبا واكون لكم الها) . وجاء في الاصحاح العشرين من سفر اللاويين 26 وتكونون لي قديسين لاني قدوس انا الرب وقد ميزتكم من الشعوب لتكونوا لي) . وجاء الاصحاح السابع من سفر التثنية 6/8 (لانك انت شعب مقدس للرب الهك لتكون له شعبا اخص من جميع الشعوب على وجه الارض) . ويردد التلمود في اكثر من موضع مزاعم على تفضيل اليهود سائر البشر, حيث جاء فيه (ان اليهود احب الى الله من الملائكة وهم من عنصر الله كالولد من عنصر ابيه فمن يصفع اليهود كمن يصفع الله) . وعندما تتشكل تلك الثقافة السائدة لدى التجمع الصهيوني من مقدس ديني عنصري يرى الاخر دونه, لذا ليس غريبا ان نسمع من الحاخام (ابراهام افيدان) مسئول الشئون الدينية بالقيادة المركزية الاسرائيلية قوله:(طبقا للشريعة الدينية يجب الا نثق بغير اليهودي وفي قوله ونصائحه للجنود الصهاينة, (يجب عليكم قتل افضل الناس من غير اليهود) . اما حاخام اسرائيل الاكبر في يونيو 1967 (اسحاق نسيم) يقول: (ارض اسرائيل هي ميراث مقدس لدى كل يهودي ولا تملك اي سلطة دنيوية او دينية القدرة على انقاص هذا الدعاء او التقليل من شأنه) . والحاخام (كوك) الابن هو الاخر لم يفته قطار الاقوال عندما صرح (ان هذه البلاد لنا, ولا توجد هنا اية مناطق عربية, او اراض عربية, بل اراضي اسرائيل, تراث الآباء الخالد, وهي في جميع حدودها الواردة في التوراة تابعه للحكم الاسرائيلي) . وقد اعلن الحاخام العسكري موشيه جورن (ان الحروب الثلاث التي جرت بين اسرائيل والعرب خلال السنوات 1948, 1956, 1967 هي في منزلة الحرب المقدسة, فأولها لتحرير ارض اسرائيل والثانية لاستمرار دولة اسرائيل اما الثالثة فقد كانت لتحقيق نبوءات انبياء اسرائيل. وعلى هذا الاساس وانطلاقا من تلك المفاهيم المقدسة فإن حركة جوش ايمونيم ترفض اي فكرة للسلام مع العرب لان السلام من قدسية البلاد (ان اليهود الذين يؤمنون بأن السلام لديهم هو قيمة عليا او مقدسة او ونبوئية والهية ليسوا على استعداد لتدنيسيه بالمساواة الشرفية المخجلة والسلام الحقيقي هو نبوءة اخر الايام, معناه اعتراف العالم بالوحدانية المطلقة للرب الواحد, واعتراف سكان البلاد الذين يقيمون فيها من غير اليهود بالقدس كعاصمة روحانية لهم ومصدرا لوحيهم الاخلاقي, وحيث ان هذا اليوم ليس قائما في مجال المستقبل الواقعي والنبوءة السياسية, وليس الاجزءا من ايام المسيح نفسها, فإن فكرة السلام مع اسرائيل والعرب مرفوضة تماما, (يعقوب ارائيل: الاخلاق, والايمان الديني وسياسة السلام جـ 13 ص, 210,211) المهم ان هذه المفاهيم والرؤى الدينية تجسدت في قوى وجماعات دينية صهيونية عملت على دمج التوراة بالصهيونية, او بالاحرى قرأت وفسرت التوراة تفسيرا ايديولوجيا واسياسيا مثل حزب (المزراحي) و(العامل المزراحي) اي المركز الروحي) و(اجودات اسرائيل) و (المفدال) اي الحزب الديني القومي الذي جاء من توحيد المزراحي والعالم المزراحي وخرج منها جوش ايمونيم كحركة استيطان متطرفة بقيادة الحاخام حييم دروكمان الذي رأى ان يهودا والسامرة او الضفة الغربية هي جزء من ارض اسرائيل الكبرى وتحريرها يمثل تطبيقا للوصاية اليهودية واحكام الشريعة اما حزب المفدال فهو المنادي بلا للدولة الفلسطينية والقدس عاصمة اسرائيل الى الابد واستمرار الاستيطان في كل ارض اسرائيل بما فيها الضفة الغربية والجولان وشجب الحكم الذاتي الفلسطيني واعتباره خطرا على اسرائيل. اذن نحن امام اتساق بين المفاهيم التوراتية العنصرية وبين تجسيداتها في الحركة على مستوى الحاخامات والاحزاب والقوى الدينية وموقف كل منها من مفهوم وقضايا السلام فإذا كان ذلك هو تأثير التوراة فما بالنا بتأثير الصهيونية وهنا ايضا نستطيع ان نرصد افكار مؤسسي الحركة الصهيونية بمختلف اتجاهاتها ومواقف احزاب وقوى من اليمين الى اليسار بالاضافة الى معسكر السلام. ان الصهيونية بنية فكرية منسقة لا تختلف في تركيبها عن الاساطير اليهودية الدينية, وتعدد الرؤى والاتجاهات داخلها من صهيونية سياسية وصهيونية ثقافية وصهيونية دينية لا يعني ذلك عدم الوقوف لصالح غاية واحدة وانما العكس هو الصحيح فالجميع وراء غاية وطن لكل يهود العالم في فلسطين, وقد عبر عن ذلك بوضوح موشيه ليلينلوم عندما قال: ان الامة كلها اعز علينا من كل التقسيمات المتصلبة) ومن هنا كان طبيعيا ان تكون الصهيونية كأيديولوجي وعقيدة مناقضة تمام التناقض مع الحقوق العربية وفي القلب منها الحق الفلسطيني, كما كانت مناقضة للسلام, اما مايطرحه بعض القيادات من الاتجاهات المتعددة داخلها فهو تعبير عن سلام يحقق لهم المصلحة الخاصة بهم مصلحة التفوق والتميز والهيمنة والدور الاقليمي الاكبر, مصلحة الاقتصاد الاسرائيلي والرخاء الاسرائيلي. وقد كان هرتزل واضحا في يومياته جـ 1ص: 342 عندما تناول تصوراته لحدود الدولة (يجب ان تكون حدودنا الشمالية تلك الجبال المواجهة لقبادوكيا والجنوبية عند قناة السويس, وسوف يكون شعارنا (فلسطين داوود وسليمان) وفي رسالة هرتزل الى دوق يادن, في 26 ابريل عام عام 1896 نجده عن مشيئة الله في عودتنا الى وطننا التاريخي ويعرب عن رغبة الصهيونيين في العودة بمثابة (ممثلين للمدنية الغربية) حاملين (النظافة والترتيب وتقاليد الغرب وعاداته المصفاة الراقية الى تلك الزاوية المنكوبة بالطاعون والآفات من الشرق وها هو ادون ماركوس 1843 ـ 1916 يعلن بعد قضاء ليلة كاملة مع هرتزل اثناء انعقاد المؤتمر الصهيوني الاول: (ان مسألة كيفية تسديد الفلسطينيين لديونهم البارزة, وكيف يمكنهم نقل نسائهم وابقارهم عبر البحر هي مسألة لا نكترث لها) . وكان ذلك تعبيرا عما قاله هرتزل في كتابه (الدولة اليهودية) بأن (الانسان مهما بلغ من الثراء غير قادر وحده على اقتلاع شعب من ارضه, الفكرة وحدها تستطيع ان تفعل ذلك.. وفكرة الدولة تمتلك هذه القوة.. لذلك يجب على اليهود حمل السلاح ضد بحر من المشاكل) . كما جاء في يوميات هرتزل جـ 2 ص702 (كلما ازداد عدد المهاجرين ازدادت حاجتنا للارض) وها هو جابوتنسكي فيلسوف العنف والارهاب في الحركة الصهيونية, واضحا كالسيف الذي عشقه عندما قال: (ان السيف والتوراة قد نزلا علينا من السماء) وذهب الامر بمفكر صهيوني اخر مثل ميخا يوسف بيرديتشفيسكي ان يرى اعظم الايام في تاريخ اليهود هي ايام احتلال كنعان حيث يقول ما نصه (ان كلا من السيف والكتاب يناقض الاخر بل ويقضي عليه كليا. ان الفترة التي يعيشها الشعب اليهودي هي فترة عصيبة, وفي مثل هذه الفترات يعيش الرجال والامم بالسيف وليس بالكتاب. ان السيف ليس شيئا مجردا او بعيدا عن الحياة انه تجسيد مادي للحياة في انقى معانيها, اما الكتاب فليس كذلك) . ثم يأتي مناحيم بيجين على نفس الطريق ويعلن (ان قوة التقدم في تاريخ العالم ليس للعلم بل للسيف) ويرفع شعاره الشهير مقلدا ديكارت (نحن نحارب, فنحن اذن نكون) ومن بعده نتانياهو مصرحا في (ملحق هآرتس 22 نوفمبر 1996) قائلا: (قدرتنا للتوصل الى السلام مع جيراننا مقبلة في الدرجة الاولى بفضل قوتنا الرادعة, وبسبب تقدير اوساط عريضة في العالم العربي ان اسرائيل تملك قوة كبيرة, وفي اللحظة التي يتحطم فيها هذا التقدير فان التقدم السياسي كله الذي حققناه حتى اليوم سيتحطم ايضا) . اما بن جوريون زعيم المدرسة العمالية واول رئيس وزراء لدولة اسرائيل فهو صاحب المقولة الشهيرة: بالدم والنار سقطت يهودا, وبالدم والنار ستقوم يهودا وهو القائل: (ان الاتفاق مع العرب لا يستهدف احلال السلام, فالسلام هو حقا امر حيوي بالنسبة لنا, لانه لا يمكن بناء البلاد في وضع من الحرب الدائمة, ولكن السلام بالنسبة الينا, مجرد وسيلة, اما الهدف فهو التحقيق التام للصهيونية. ولأجل ذلك نحتاج فقط الى اتفاقية) . ومن بعده قال موشي ديان: (سنمتلك نحن الارض في كل مكان, ونوطن فيها اليهود وذلك باستخلاص الارض من سكانها الحاليين بالضرورة, ولن يوافق العرب على افعالنا, فاذا كنا نريد الاستمرار في عملينا لتكوين ارض اسرائيل ضد ارادتهم, فلا مخرج الا بقتالهم, ويبقى مصيرنا مرتبطا بالبقاء في حالة حرب مستمرة مع العرب) . وفي عام 1975, صرح رابين قائلا: (ان اسرائيل قادرة على العيش بدون سلام ثلاثين سنة اخرى) وكان ذلك في تصريح لجريدة يديعوت احرونوت بتاريخ 15/11/1975. اما باراك رئيس الوزراء الحالي فهو القائل في جريدة هآرتس 4 اكتوبر 1996 موصفا الصراع بأنه صراع معقد, وصراع وجود والغريب ان رجالات وقادة ما يسمى بمعسكر السلام لاسرائيل لهم نفس المفاهيم والمعتقدات والمواقف لها هم ثلاثة من ابرز ادباء معسكر السلام في اسرائيل (عاموس عوز ـ اب. يهوشع ـ باعيل ديان) يعقدون مؤتمرا صحفيا ينتقدون فيه معارضي الحرب في اسرائيل ويهاجمون بعنف حركات السلام في الغرب ويعلنون انهم دعاة سلام لا استسلام وانهم ليسوا ضد الحرب بالمطلق وانما ضد الحروب غير العادلة وبما ان الحرب ضد العراق هي عادلة فيجب تأييدها, وقد تم نشر ذلك في هآرتس بتاريخ 10 فبراير 1991. كما أعلن يوسي ساريد في صحيفة هآرتس ايضا بتاريخ 17/8/1990 عندما سمع ولاحظ فرحة الفلسطينيين من سكان الارض المحتلة عند بداية تهديدات العراق لاسرائيل, وعندما عانق ابو عمار صدام حسين: (يجب التزود بقناع واقع من الغاز لمحاولة التغلب على الرائحة السامة والكريهة لموقف منظمة التحرير الفلسطينية من صدام حسين, كما يثير العناق بين ياسر عرفات وصدام كثيرا من الاشمئزاز وايضا من الخوف, واذا كنت قد أيدت انشاء دولة فلسطينية لمجرد ان الفلسطينيين يستحقون دولة لكنت الآن تخليت عن تأييدي لذلك, لكني استمر في المطالبة لهم بدولة مستقلة لأن من حقي ان اتخلص من الاحتلال واضراره السيئة, رغم انهم يستحقون الاحتلال لكن نحن لا نستحقه) . اما يوري افنيري داعية السلام الاسرائيلي فانه يعلن: (ان الجيش الاسرائيلي يعبر عن العبقرية القومية, فهو مثل الكنيسة في اسبانيا والنظام الملكي في انجلترا, والرأسمالية والحرية في الولايات المتحدة الأمريكية) وهاهو تسالي ريشف زعيم حركة السلام الآن يصف بيان الأكاديميين في جامعة تل أبيب والداعي لقبول حل سلمي شامل في المنطقة اثناء حرب العراق ـ الكويت كمن يدير الخد الآخر للصفع. كما كان هناك اتجاه داخل اسرائيل يدعو للتوسع عبر السيطرة الاقتصادية والتكنولوجية وقد مثل هذا الاتجاه ناحوم جولد مان وحاييم نحرون وموسى شاريت, وشمعون بيريز, وقد عبر عن ذلك ناجوم جولد مان بوضوح عندما قال في (29 يوليو 1987 هعولام هزية): (ان تحقيق السلام مع العرب ونشوء تعاون اقتصادي سيهيئ فرصا لتطوير اقتصاد اسرائيل ويشكل انتقالا لمرحلة كبيرة بالنسبة الى اسرائيل من حيث تعزيز مركزها وقوتها وجعلها امبراطورية اقتصادية بدلا من دولة عسكرية, وان نقل التقنية والحضارة المعاصرة الى العرب مقابل انتقال رؤوس الاموال العربية الى اسرائيل وانشاء سوق شرق أوسطية سيحقق لاسرائيل سطوة اقتصادية في المنطقة تفيدها اكثر مما يفيدها توسع عسكري) . ما شيمون بيريز احد مؤسسي دولة اسرائيل ومهندس السلاح النووي فيها وصاحب مجزرة قانا فانه هو نفسه صاحب ومنظر الشرق اوسطية والدور الاسرائيلي المهيمن في اقتصادها. بعد هذا المسح لأقوال اجيال متعددة في المشروع الصهيوني الاستيطاني الاستعماري, من قبل الدولة, ومن بعد انشائها حتى الآن, يتكشف لنا قواسم مشتركة بين كل هؤلاء يأتي على رأسها الايمان بالعنف والتفوق وكراهية الاخر والايمان بما يسمى قداسة الشعب والدولة, والنظرة الدونية للغرباء أو الاغيار (حسب مفهومهم). بعد ذلك نجد انفسنا امام سؤال عن سبب هذه القواسم المشتركة داخل تلك التجمعات اليهودية ـ الصهيونية التي احتوتها الدولة؟ يرجع ذلك في اعتقادنا الى الثقافة السياسية السائدة في اوساط تلك التجمعات والتي تشكلت من مفردات وبيئات متعددة, ويأتي في القلب منها التوراة والصهيونية ومعاداة السامية. هذا بالاضافة الى الاستعمارية واستيطانية الفكرة والكيان والمشروع والدولة الذين كانا بمثابة حائط الصد أمام بروز التناقضات داخل هذا التجمع الصهيوني. لذا كان طبيعيا ان يكون السلام لديهم هو سلام الامن اولا, وسلام القوة, وسلام فرض الامر الواقع, وسلام المنتصر وسلام التفوق, وسلام الهيمنة, وسلام الاستيطان والترحيل القسري, وسلام دولة اليهود, وسلام السلاح النووي. وكان محقا دافيد جروسمان في مقابلة له مع النيوزويك عندما قال: (ان الاسرائيلي لا يملك عقلية صانع السلام انه يتحدث عن السلام ويكرر الكلمة لكنه لا يقدم شيئا لتحقيق السلام) . لذلك فمنذ ان بدأ الصراع العربي ـ الاسرائيلي, واسرائيل لا تفوتها مناسبة الا وتتحدث عن السلام, ورغبتها في العيش بسلام مع جيرانها العرب. فما هو مضمون السلام لدى اسرائيل؟ وما مدى مصداقية ذلك بالمقارنة مع الواقع المعيش يوميا في هذا الصراع الذي استمر قرابة القرن؟ بعد توقيع اتفاقيات الهدنة عام 1949, ظلت اسرائيل لسنوات عديدة, ترى ان اعتراف الدولة العربية بها ـ اي الاعتراف بحقها في الارض الفلسطينية التي اغتصبتها ورحلت شعبها بالقسر والعنف ـ يمثل المنطلق الحقيقي للسلام, في تلك المرحلة ايضا رفعت بعض القوى والحركات الصهيونية المنادية بالسلام, شعار الثنائية القومية مثل جماعة بريت شالوم ـ (حلف السلام) ـ جماعة ايحود (الاتحاد) ـ هاشومير هاتسعير (الحارس) ـ الحزب الشيوعي الاسرائيلي (ماكي) ـ موكيد ـ المجلس الاسرائيلي للسلام الاسرائيلي/ الفلسطيني ـ حركة السلام الآن). ورغم تعدد المنابع الفكرية وتباين الرؤى البرنامجية في أماكن مختلفة من الصراع من 1948 حتى الآن الا انه يلاحظ ـ رغم دعاوى السلام ـ انها شاركت جميعها في الاستيطان, وايدت الحرب, بل وساهم الكثير من قياداتها في الجماعات والمنظمات المسلحة التي عملت على فرض الامر الاحتلالي الاستيطاني وقامت بالطرد والترحيل القسري لأهل القرى الفلسطينية, كما يلاحظ ان معظم تلك القوى والجماعات تنازلت عن شعار ومطلب الثنائية القومية بعدما تأكدوا من انتصارهم في حرب 1967, ونجاحهم في السيطرة على مزيد من الارض الفلسطينية العربية, عندما رفعوا شعار حدود 1967, ونجاحهم في السيطرة على مزيد من الارض الفلسطينية العربية, عندما رفعوا شعار حدود 1967 وكان ذلك منطلقهم للسلام, بعد ذلك كانوا مع ادخال تعديلات امنية على حدود 1967 لصالح اسرائيل. وها هي جماعة ايحود (الاتحاد) التي تأسست على مبادئ الثنائية القومية, يعلن احد رموزها (جوداه ماجنس) نفيه لعدم صهيونية الجماعة قائلا: (لقد قيل ان هذا التنظيم معارض للصهيونية وهذا ليس صحيحا) , كما ايدت ايحود الهجرة اليهودية بشكل واسع الى فلسطين حتى ولو كانت هجرة غير شرعية واستمرت تلك الجماعة من عام 1942 حتى عام 1965 تدعو لنفس المبادئ تحت زعم السلام. اما منظمة الحارس (هاشومير هاتسعير) والتي يقوم برنامجها على الصهيونية والاشتراكية والكيبوتزية (فلسفة الكيبوتز) ورفعت شعار الثنائية القومية, فانها هي نفسها التي ارتكبت الفظائع في حرب 1948 ضد العرب الفلسطينيين, وهي التي ترى حقا مشروعا لليهود في فلسطين, وهي التي ناضلت من اجل هجرة مفتوحة الى فلسطين من يهود العالم, وهي التي شاركت في اقامة الكيبوتزات وكان على رأسها (كيبوتز ارتزي (الوطني) ). ولقد كانت حركة السلام الآن هي الاخرى نموذجا للقواسم المشتركة التي يقف على ارضها كل قادة الحركة الصهيونية والتجمع الصهيوني على ارض فلسطين حيث عرفت نفسها بأنها حركة صهيونية, ليست حركة مسالمة فهم مستعدون دائما للقتال دفاعا عن امن اسرائيل ورفاهيتها!! وهي نفسها التي أدانت رسالة المئة التي وجهها بعض من الضباط الاحتياط الى وزير الدفاع لكي يعلنوا فيها رفضهم الدفاع عن المستوطنات القائمة في الاراضي المحتلة لأنها مستوطنات غير مشروعة, لكن الحركة رأت انه لا ينبغي تحت اي ظرف من الظروف تحدي اوامر المؤسسة العسكرية! وهاهو ياكوف تالون احد ابرز نشطاء الحركة يرسل خطابا مفتوحا لبيجين يقول فيه (حقوق العرب مسألة لا تخصني.. لكن اهتمامي يرتكز على اسرائيل وأمنها) . ومن هنا كان التصور الاسرائيلي للسلام بمختلف قواها مؤسسا على قواسم مشتركة يأتي على رأسها في المرحلة الاولى من نشأتها اعتراف الدول العربية بها وان يرتبط بهذا الاعتراف انهاء حالة الحرب والالتزام بالعمل على خلق الظروف والترتيبات اللازمة لمنع نشوب حرب جديدة وذلك عبر الدخول في مفاوضات مباشرة مع اسرائيل من اجل حل المشكلات المرتبطة اللازمة لمنع نشوب حرب جديدة وذلك عبر الدخول في مفاوضات مباشرة مع اسرائيل من اجل حل المشكلات المرتبطة بالصراع العربي/ الاسرائيلي (مصر ـ سوريا ـ لبنان ـ الضفة وقطاع غزة) ولا يقتصر السلام بالمفهوم الاسرائيلي على مجرد الاعتراف القانوني بوجود اسرائيل في المنطقة العربية وانما لابد ان يصحبه تعاون اقليمي وتطبيع علاقات, ويبدأ ذلك بانهاء المقاطعة العربية لها وفتح الحدود عليها. وهكذا تحول مفهوم السلام في المرحلة الاولى من نشأة الكيان الصهيوني من طلب الاعتراف العربي بالدولة الاسرائيلية الى تثبيت الدور المتميز والمتفوق لاسرائيل في المنطقة وفرض التعاون والتطبيع عليها. وأخيرا هكذا يتكشف لنا ان مفهوم السلام والتسوية لدى الاسرائيليين يعكس موروثا توسعيا ومزاجا ايديولوجيا استيطانيا, وهاجسا أمنيا يميل لاستخدام القوة والعنف, كما انه يستمد مدلوله على المنطلقات الاساسية للعقيدة الصهيونية, ومن الثوابت الفاعلة في الثقافة السياسية للتجمع الصهيوني على ارض فلسطين. باحث مصري