(.. هذه النظرة الجديدة الى تنمية البشر هي التي سبق الى التنبيه اليها المفكر الاقتصادي المسلم محبوب الحق عليه ألف رحمة ونور جزاء ما أضافه الى الفكر الاقتصادي الانمائي الدولي من أياد بيضاء..) ولكم حارت البرية في أمر عام 2000 الحالي: هناك من انطلقوا من نزعة الاحتفال والمهرجان فكان أن أعتبروه نقطة البدء للألفية الجديدة الثالثة.. وهناك من انطلقوا من نزعة التمحيص والتدقيق فكان أن رأوه آخر الأعوام المتممة للقرن العشرين حيث المفروض أن يكون العام المقبل, وعليك خير, هو غرة القرن الحادي والعشرين ومستهل الألفية الثالثة للميلاد بمشيئة الله. ولا يخفى عليك أن خلق الانسان عجولا, ومن ثم فقد تغلبت نزعة الاحتفالية واستعجل الناس في انحاء العالم قاطبة حكاية مقدم الألفية الثالثة.. كيف لا وقد بدأوا يكتبون على استحياء وفي تردد واستغراب الرقم 2000 في تواريخهم ومواقيتهم. وهكذا أقيمت الأفراح والليالي الدولية الملاح وكان ذلك على حساب حكاية التمحيص والتدقيق. وسواء علينا أن ننتظر الى العام الراهن من موقع الكرنفال أو موقع علم الرياضيات فالحاصل أن العام قد بلغ منتصفه بحمد الله وأصبح متاحا لنا أن نمسك العصا كما يقولون من وسطها ونحاول رصد كشف حساب للمراحل الجوهرية الحاكمة من القرن العشرين في مسعى لاستسقاء الدرس المستفاد من عبرة التاريخ.. وفي ضوء الحكمة التي تقول (إن الذين لايتعلمون من التاريخ جديرون بأن يكرروا أخطاءه) . العقاد والقرن العشرون ويبدو أن حكاية المنتصف هذه كانت محورا لاهتمامات الدارسين والمؤرخين في تراثنا الفكري العربي, اختار الأستاذ عباس العقاد عقد الأربعينيات, يعني قرب منتصف القرن لكي يصدر كتابه التأملي الشهير بعنوان: (القرن العشرون: ما كان وما سيكون) . وفي التراث الغربي.. اختار البروفيسور (ديفيد رينولدز) الأستاذ بجامعة كمبردج البريطانية الوقوف بدوره عند منتصف القرن العشرين وبالتحديد عند عام 1945 لكي يصنف كتابا ضخما (861 صفحة من القطع المتوسط) أصدره مؤخرا بعنوان: (عالم واحد.. منقسم: تاريخ للعالم منذ عام 1945) . ولما كانت مسيرة العالم الحديث, ثم المعاصر تزداد باطراد متوال تعقيدا وتشابكا ومن ثم صعوبة في الرصد والتفسير والتحليل, فقد بات العلم التاريخي يقتضي جهدا دؤوبا في التركيز والتكثيف وفي سبر الاحداث ومحاولة فهمها, لا بمنطق المتابعة السردية, ولكن بمنطق الاطلالة على كل حدث وكل واقعة في اطار من تشابكها وديناميكيتها وترابط ايقاعاتها وانعكاسات ظلالها مع أحداث ووقائع أخرى شهدها وعايشها بُعْد الزمان والمكان. بين توينبي.. والطبري نعم.. انقضت الأيام التي كان فيها مؤرخ مثل الأستاذ ارنولد توينبي ينبي يشمر فيها عن ساعد الجد ليكتب عملا موسوعيا بعنوان (دراسة في التاريخ) من منظور اطلالته الشاملة على الحضارات وتطورها على مستوى العالم كله. ناهيك عن كتابات مؤرخينا المسلمين, أثابهم الله, مثل ابن جرير الطبري الذي قرر أن يكتب تاريخ الأمم والملوك بادئا بنشأة الحياة وقصة خلق الانسان إذ يدب ويكسب عيشه فوق كرة الأرض(!) في زماننا يؤكد المختصون أن كتابة التاريخ هي في التحليل الأخير حوار دائب بين المؤرخ ومصادره.. وطبعا كلما تعددت وتشابكت المصادر فهناك الخطر, كل الخطر أن يتحول الحوار العلمي الى ثرثرة أو الى أحاديث جانبية صاخبة يضطرب فيها الفكر ويختل ميزان الحقيقة. والحق أنه لم ينج من مغبة هذا الاختلال كتاب المؤرخ الانجليزي (رينولد) الذي ألمحنا اليه آنفا.. فالرجل بادر لفوره الى مصارحة قارئه بأن كتابة تاريخ النصف قرن الأخير من القرن العشرين عمل شبه مستحيل ومن ثم فهو يتصور أن يطرح (رأيا خاصا أو رؤية محدودة) لأحداث العقود الخمسة الأخيرة من القرن المذكور.. العالم: تاريخ متشابك وغير مُجد في ملتنا واعتقادنا أن يندب المرء نفسه لاحاطة شاملة أو حتى شبه شاملة باحداث تلك الفترة الحافلة بتطورات, ما أشد خطرها وما أعمق تأثيرها على حياة الأمم والشعوب وخاصة بعد عام 1945 الذي حل على العالم وقد حمل معه العقابيل المادية والسيكلولوجية للحرب الكونية الثانية, وتجربة العالم مع الفاشية والنازية ومن قبلها التجربة الكولونيالية الطويلة والمريرة مع قوى الاستعمار الغرب _ أوروبي ومن ثم أفضى العام المذكور الى بداية الحرب الباردة وسياسة القطبين اللذين فرضا الهيمنة السياسية والعقائدية من الشرق ومن الغرب على اقدار عالم ذلك الزمان القريب نسبيا من زماننا.. منظور التنمية أهم ونحسب أن الأجدى هو أن نتابع كاتبا وأكاديميا هو الأستاذ جاك فريمان الذي نبه الى أن المهم هو التركيز في الاطلالة على العقود الخمسة الأخيرة من القرن العشرين من منظور أساسي واحد هو.. منظور التنمية.. أو منظور التطور الذي استجد على حياة البشر في شتى أنحاء العالم من خمسينيات القرن الى منتهاه في عقد التسعينيات الذي لم يمض على انقضائه سوى أشهر معدودات. هذا المنظور الإنمائي يعكس تطور وعي الانسان فوق كوكب الأرض سواء بانجازاته التي أضافت رصيدها الايجابي الى حياة البشر أو بالسلبيات التي خصمت من هذا الرصيد وأدت ولاتزال تؤدي الى تعريض حياة البشر الى شتى المحن والأخطار. إنها عملية واسعة النطاق من الشد و الجذب والتفاعل الدائب دارت على نطاق العالم كما يعبر عنها الأستاذ (جاك فريمان) في دراسة نشرها في ربيع هذا العام في دورية (ايرث تايمز) التي تعنى بأمور البيئة بالذات فوق كوكبنا وتشارك في اصدارها هيئات شتى في طليعتها منظمة الأمم المتحدة. هي عملية دفع الله الناس بعضهم ببعض كي تستمر سلامة الحياة دون أن تفسد أو تتراجع فوق كوكب الأرض كما قد نسميها بوحي من تراثنا الروحي وفكرنا العقدي. يقول الأستاذ (فريمان) : من خلال هذه العملية توصل العالم بأسره الى ادراك أن نجاح التنمية والتطور ينبغي أن يتجاوز بالضرورة عمليات الاستثمار في مجالات الصناعة أو انشاء البنى الهيكلية الأساسية, وعليه أن يمضي أشواطا أبعد الى حيث يأخذ في اعتباره الاهتمامات والشواغل البيئية فضلا عن قضايا تتعلق بحقوق الانسان وانصاف المرأة وترشيد أساليب الحكم, على أساس أن هذه الجوانب كلها هي الدعائم التي يرتكز عليها نجاح (التنمية البشرية) . منظور جديد في التاريخ نحن الآن أمام منظور جديد في علم التاريخ يضع الانسان في بؤرة الاهتمام ويطل على الانسان من زاوية التنمية ويربط ما بين الصحة البدنية والنفسية والروحية لهذا الانسان وبين سلامة البيئة التي يعيش فيها. ويتجاوز هذا المنظور في هذا كله ما درجت عليه النظرة التقليدية سواء في علم التاريخ من سرد ومتابعة أحوال الحروب والصراعات والمنافسات بين الأمم وحكامها وبين الشعوب وقادتها.. كما يتجاوز ما درجت عليه المدارس التقليدية من النظرة الى التنمية والتطوير على أنها استثمارات طائلة تصل الى خانة المليارات ويتم توظيفها في مجالات بناء المؤسسات الصناعية ورشق المداخن في سموات المدن وزرع المكائن والآلات في أنحاء البوادي وزوايا الأرياف وتشييد المرافق الكبرى والهياكل الأساسية من ري وصرف ومن منافع عامة تقدم خدماتها الصحية والاجتماعية والتأديبية.. وكل هذا بات في حكم الأمور البدهية التي لاغنى عنها لأي مجتمع, ولكنها لم تعد كافية لكي يتحقق من خلالها وحدها التنمية المنشودة للبشر وتحويل حياتهم الى المستوى الأرقى روحيا والأنفع ماديا والأسلم نفسيا والأكثر عمقا وطموحا من حيث المعرفة والتعامل المستنير مع قضايا الحاضر وتوقعات المستقبل. مآثر محبوب الحق وبدهي أن هذه النظرة الجديدة الى تنمية البشر هي التي سبق الى التنبيه اليها المفكر الاقتصادي المسلم "محبوب الحق" عليه ألف رحمة ونور جزاء ما أضافه الى الفكر الاقتصادي الانمائي الدولي من أياد بيضاء بعد أن عمد خلال حياته العلمية القصيرة الباهرة الى بناء ما أصبح يعرف باسم "دليل التنمية البشرية" وهو المؤشر الشامل المركب من مؤشرات أو هي أرقام قياسية فرعية, محسوبة على أساس معدلات رياضية دقيقة حيث يستخدم هذا "الدليل" معيارا للحكم على مدى ما أسدته عمليات التنمية والتطوير والاصلاح وما أسهمت به في ترقية حياة الانسان عبر اختلاف الأمصار والثقافات, وهو ما أشرنا اليه في عدد من الأحاديث السابقة التي نشرناها في هذا المكان.. واذا كان البروفيسور محبوب الحق قد اصطنع تعبيره الأثير.. التنمية البشرية فثمة تعبير آخر بات بدوره رائجا على ألسنة وأقلام المختصين في هذا المجال وهذا التعبير هو: ** نحو مجتمع بشري مستدام. وهو مصطلح أقرب الى الشعار كما ترى.. والاستدامة هنا تعبير اجتهدت في التوصل اليه ادارة الترجمة العربية في الأمانة العامة للأمم المتحدة في نيويورك بعد أن تداول العاملون بها وهم من أهل البحث والاختصاص فكان أن وقعوا على مصطلح (مستدام) رغم ايقاعه الغريب كي يصف بدقة المجتمع الذي يمكن أن تستمر فيه عمليات التنمية وقد أعانت نفسها بنفسها بعيدا عن التنمية القائمة على استنفاد الموارد مما يؤدي الى نضوبها. أنت تطور الزراعة في أفريقيا مثلا فاذا بك تجتث أشجار الغابات من أجل تحويلها الى مزارع للمحاصيل وهنا تختل الدورة المائية التي فطرها الخالق جل وعلا.. وأحسن تنسيقها وأكمل هندستها. وهي دورة تعتمد على وجود الغابات وما تتواصل به مع حركة السحاب الممطر بفضل الغازات التي يفرزها النبات ومن خلال عمليات التمثيل الضوئي التي تعيش عليها المزروعات وعندما تختل الدورة المائية فقل يارحمن يارحيم على أحوال العباد ومستقبل التنمية في البلاد إذ يعز القَطْر ويشح المطر ويحل الجفاف مواسم في أثر مواسم وتكشر عن أنيابها المقيتة ظاهرة زحف الصحراء تجور على الرقعة الخضراء أو التي كانت كذلك قبل ازالة الغابة وهو ما أصبح يعرف باسم "التصحر" وهو بالمناسبة أيضا مصطلح من صياغة ادارة الترجمة العربية بالأمم المتحدة. حالة العالم سنة (2000) في هذا السياق يقول واحد من أكبر المهتمين الثقات بقضايا التنمية البشرية والوصول الى المجتمع المستدام وهو الأستاذ (لستر براون) في تصديره المهم لكتاب (حالة العالم سنة 2000) (خلال القرن العشرين.. وَقَر في أذهاننا (نحن البشر) تصوراتنا عن السفر الى القمر وعن صناعة أجهزة الكترونية وأنظمة حواسيب أكثر قوى ودقة وفاعلية وعن زرع الجينات في الجسم البشري. ولكن ها نحن وقد شارفنا على أعتاب القرن الجديد فاذا بنا ندرك أن علينا قطع أشواط أخرى من أجل التوصل الى (مجرد) مياه نقية.. صحية ومأمونة لبلايين من البشر (في العالم الثالث طبعا الأقواس مضافة) وعلينا أن نبذل قصاري الجهد كيما نبطئ من سرعة خسارة (أو انقراض) آلاف من الفصائل وأنواع المخلوقات الحية, وعلينا أن نلبي احتياجاتنا من الطاقة بغير أن يؤدي ذلك الى خلل يصيب الغلاف الجوي المحيط (مثل المشيمة الواقية) بكوكب الأرض الذي نعيش على أديمه. هكذا تنفتح أمام الفكر والتحليل آفاق حديث ذي شجون.. وهي ليست شجونا محلية ولا اقليمية بل ولا حتى دولية.. هي شجون كوكبية أو كونية لأنها تتعلق بالانسان , مطلق الانسان, وقد استخلفه خالقه عز شأنه على موارد الأرض وعليه أن ينهض بهذه الأمانة التي حملها.. فإلى لقاء.