اتصل بي منذ عدة أيام قارئ كريم بدا من الوهلة الاولى للحديث انه غاضب لأمر ما, سألته اختصاراً للوقت عن سبب غضبه, أجابني: الاسواق يا سيدتي تمتلئ ببضائع مختلفة لأغطية هواتف, وأحذية اطفال, وحقائب, واقلام.. الخ مزينة بالنجمة السداسية, وحتى انتم وضعتم ذات يوم رسما كبيرا في احد الملاحق الاسبوعية تبدو فيه (نجمة داوود) واضحة جدا. واسترسل غاضبا: أين المقاطعة العربية, وأين؟ وأين؟!! لم اطل الحديث معه فقط تذكرت اغنية للسيدة أم كلثوم تقول فيها: لسة فاكر.. كان زمان! غطاء الهاتف النقال المزين بنجمة داوود السداسية لن تغسل دماغ مستخدم الهاتف وربما لن ينتبه لوجودها, فالذي سيؤثر على دماغه ذبذبات الجهاز الضارة بالتأكيد, لكن الذي سيغسل ادمغتنا جميعا اصحاب النجمة نفسها وهم يطلون علينا يوميا عبر جهاز التلفاز, ونتسمر نحن لنسمع أكاذيبهم وتلفيقاتهم التي لا تنتهي على انها تحليل سياسي او اقتصادي من محلل وناقد (اسرائيلي) مهم! فماذا تفعل نجمة سداسية أسفل حذاء طفل مقابل هذا السيل من المفاهيم الاسرائيلية التي صار واجبا علينا الانصات اليها يوميا على أنها نوع من الحوار الحضاري مع الآخر! هذا الحوار الذي سيجعلنا نشاهد النجمة السداسية ترفرف ذات صباح على أحد المباني في كل الجغرافيا العربية. الجغرافيا العربية التي تصادر بطريقة توزيع الحلوى المسمومة ضمن ثقافة السلام التي تتبناها اطراف دولية وعالمية واقليمية ومحطات تلفزيونية عربية عديدة, هذه الجغرافيا التي قدر لها في الأيام المقبلة ان تصنع تاريخا آخر للانسان العربي مؤسسا على التزوير والسرقة, تزوير التاريخ وسرقة الجغرافيا. لقد قال الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديجول ذات يوم: (ان الجغرافيا هي العامل الأهم بل والأساسي في صياغة التاريخ) , وكان ديجول يعني خطورة عبارته التي جرى ويجري اللعب على معانيها وايحاءاتها للاعداد لكل ما سيأتي مرورا في البداية بقبول كل الذي كان, والذي سيأتي ليس سهلا, ولا يشبه ما كان أبدا. اننا معنيون دائما بالبحث عما وراء قضية الوجود والتحدي مع (اسرائيل) معنيون بأن نكشف بوضوح لا نفاق فيه للسياسة أو الاقتصاد, لأنفسنا ولأبنائنا بأن اشتراطات التكوين عندنا راسخة في التاريخ وفي العقيدة وفي الأدب والبناء وبأننا على ثقة من هذا التكوين الحضاري والثقافي, بينما الثقافة (الاسرائيلية) ليست سوى خليط هش وتهويمات تعوزها الأصالة والرسوخ بسبب انعدام المقومات الصلبة والأسس الطبيعية المتعارف عليها في بناء الثقافات. يلزمنا الكثير من الثقة بالنفس والثقة بأن الآخر المدجج بالكذب والتزوير ليس سوى زَبَد سوف يذهب جفاءً برغم كل محاولات تضخيم الصورة, والاقتناع بالأساطير المزيفة, يلزمنا ألا نقع بكل هذه البساطة.