برحيل الرئيس السوري حافظ الاسد يستمر مسلسل انقراض جيل من الزعماء العرب الذين وسموا الساحة العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فبعد الملكين الراحلين الاردني الحسين بن طلال والمغربي الحسن الثاني، يغيب الموت الزعيم السوري حافظ الاسد، الذي حكم سوريا طيلة اكثر من ثلاثين سنة اذا اخذنا بعين الاعتبار نفوذه كوزير للدفاع قبل ان يصبح رئيسا للحكومة فمنذ تسنمه للسلطة اثر ما سمي بالحركة التصحيحية في نوفمبر 1970 فقد تمكن من السيطرة على كافة اجهزة الدولة، سواء تعلق الامر بحزب البعث العربي الاستراكي او رئاسة الجمهورية التي تعاقب عليها كمرشح وحيد طيلة حكمه ومن ثم فقد استطاع خلال ثلاثة عقود ان يبقى بمثابة الثابت في ظل كافة المتغيرات الداخلية والاقليمية كما أرسى قواعد نظام شمولي ساهم داخليا في خلق الاستقرار بعد حقبة من الاضطراب، ارتكازا على هندسة سياسية تمكنت من القضاء على كافة اشكال المعارضة تارة بالاساليب السياسية، وتارة اخرى باستعمال العنف كما وقع في احداث حماة التي شكلت ضربة موجعة بالنسبة لتيار الاخوان المسلمين. وعلى شاكلة الانظمة الشمولية فإن الأمر لم يكن يخلو من انحرافات ومن تفش للفساد. ولا شك في ان حملة التطهير ومحاربة الفساد التي طالت رموز النظام القديم، انما كانت تمثل عملية سياسية موجهة من طرف الرئيس الراحل لتعبيد الطريق امام بشار الاسد وابرازه كنموذج جديد للممارسة السياسية، وعلى المستوى الخارجي فقد نجح في تحويل سوريا الى قوة اقليمية لا مناص منها في عملية التسوية وقد بنى استراتيجيته على محورين: يتمثل الاول في العلاقة الاستراتيجية المتميزة مع لبنان والتي لعبت دورا اساسيا في مواجهة اسرائيل. وفي هذا الصدد فقد ظلت سوريا طرفا اساسيا في المعادلة اللبنانية. وتمكنت من اقصاء كافة الاطراف التي كانت تجادل في هذا الموقع المتميز لسوريا في الشأن اللبناني فهي حاربت اسرائيل من خلال لبنان ومن خلال مساندة المقاومة اللبنانية في الجنوب فقد ارغمت الاحتلال الاسرائيلي على الانسحاب بعد الخسائر التي تكبدها هناك واما المحور الثاني فقد ارتكز على التمسك بمقتضيات الشرعية الدولية في معالجة الاحتلال الاسرائيلي للجولان. ومن ثم فقد رفض تقديم، اي تنازل في العملية التفاوضية مع دولة الاحتلال. ولم تغير الاتفاقيات المنفردة التي ابرمتها دول عربية اخرى من هذا التصور، وقد زكى الراحل حافظ الاسد هذا الموقف عند لقائه مع الرئيس الامريكي بيل كلينتون في مارس الماضي في جنيف ويتذكر الرؤساء الامريكيون الاربعة الذين عاصرهم الراحل حافظ الاسد انهم وجدوا فيه رجلا صلب المراس متشبتا بمواقفه. لكن بالمقابل فقد رفض دائما السماح باستعمال الاراضي السورية لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي وهو امر ينم عن واقعية جعلت الكثيرين يشبهونه بزعيم المانيا بيسمارك. فالدفاع عن المصالح السورية كان يوضع فوق كل اعتبار وهو ما يفسر مواقفه المساندة لايران ابان حربها مع العراق، وكذلك الانضمام الى تكتل الدول المتحالفة بعد الاجتياح العراقي للكويت. فاضعاف خصمه التاريخي الرئيس صدام حسين المنتمي لنفس ايديولوجية حزب البعث شكل دائما احدى ثوابت السلوك السوري الخارجي. لكن وفاة الرئيس حافظ الاسد المفاجئة، رغم ظهور مؤشراتها منذ سنوات، لم تمهله في استكمال مشروعه المتمثل في تكريس ابنه الدكتور بشار الاسد كخلف له والذي من المتوقع ان ينتخبه حزب البعث خلال مؤتمره العام المقرر عقده الاسبوع المقبل، كعضو في قيادة الحزب. وفي الوقت نفسه تصفية الاحتلال الاسرائيلي من الجولان والذي يستمر منذ ثلاث وثلاثين سنة. فالمفاوضات السورية الاسرائيلية لم تستطع تجاوز بعض المعوقات التي انتصبت في وجهها لذلك فإن اختفاء الاسد يتم في مرحلة غير دقيقة وهي تترك لخلفه ارثا ثقيلا ينبغي التعامل مع بعقلية جديدة اعتبارا الى ان الخلف مهما كانت قدراته وامكانياته لا يمكن ان يكون مجرد نموذج مطابق تماما لسلفه. على خلاف الدول الملكية التي تضبط فيها الاستمرارية بشكل وراثي محدد سلفا فقد طرحت وفاة حافظ الاسد اولية تكمن في آلية انتقال السلطة وهذا الامر يختزل اول التحديات فالقيادة الجديدة سواء تعلق الامر ببشار الاسد او شخص اخر قد لا تملك نفس الكاريزما ولا التجربة ولا المناورة السياسية كما ان حدة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الموروثة وضغط المطلب الديمقراطي العالمي لا يترك امامها من خيار ان ارادت البقاء في السلطة، وضمان الاستقرار الاجتماعي سوى الدخول في برامج اصلاحية سواء على المستوى السياسي من خلال احترام حقوق الانسان واطلاق الحريات والقبول بالتعددية كشرط لازم لمناعة الدولة او من خلال الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي عن طريق محاربة الفساد والامتيازات واعادة تأهيل الاقتصاد حتى يتمكن من الاستجابة للتحديات المطروحة ويشكل هذا الامر اختبارا لمدى قدرة القيادة الجديدة على التعاطي مع هذه المشكلات بعقلية جديدة. ففي بلد يتجاوز فيه الشباب اكثر من 50% فإن استمرار النظام لا يمكن ان يرتكز فقط على شعارات التحرير والتصدي لاسرائيل بل من الضروري العمل على تحديث البلاد وتمكين المواطن من سبل الاستفادة من الحداثة في اشكالها ومنابعها المختلفة. ولا ريب فإن هذا الهدف ليس ميسور التحقيق. فهو يتطلب ارادة سياسية واضحة ومعقلنة مقرونة بانتاج نخبات اكثر انفتاحا على حاجيات البلاد والتطورات الاقليمية والعالمية. اما التحدي الثاني الذي يبرز امام القيادة الجديدة فيكمن في استرجاع الجولان وبالاساس في كيفية ادارة المفاوضات مع اسرائيل، والتي قطعت اشواطا مهمة لا تنقصها الا تصفية بعض القضايا المرتبطة بالتطبيع والضمانات والماء. وتكتسي هذه المسألة حساسية خاصة في الوقت الذي تم فيه الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني الامر الذي ابرز سوريا وكأنها في موقف صعب خاصة وان احتمال التوصل الى اتفاق اطار على المنحى الفلسطيني قد يزيد من متاعب سوريا. فصحيح ان الاستراتيجية السورية ركزت لحد الساعة على عدم تقديم اي تنازل لكن الى متى سيصمد هذا الخط في الوقت الذي يستمر فيه احتلال الجولان؟ من الواضح انه على المدى القصير، فإن مسار المفاوضات السورية الاسرائيلية سيعرف نوعا من الجمود ناتجا عن تفرغ القيادة الجديدة لترتيب البيت الداخلي علاوة على ذلك وعلى خلاف ما قد يعتقد فإن هامش المناورة بالنسبة للمسئولين الجدد قد يكون اضيق مما كان عليه الامر في عهد الراحل حافظ الاسد الذي كان اكثر قدرة واستقلالية لادارة المفاوضات لكن لا ينبغي ان نستبعد احتمال تسريع هذا المسلسل بفعل رغبة الرئيس الامريكي الذي يريد ان يسجل اسمه كصانع السلام في المنطقة وكذلك حاجة الطرفين الى هذا السلام للانكباب على معالجة المشكلات الداخلية. يرتبط بهذا التحدي بملف اخر يتعلق بالعلاقات مع لبنان. وبارتباط مع ما قلنا سابقا فإن رحيل الاسد يترك وضعا حساسا ودقيقا بدأ يفرض تساؤلات على ضوء الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني الذي جرد سوريا من احدى مبررات وجودها في لبنان. لكن المتعمق في العلاقات اللبنانية السورية لا ينبغي ان يختزل هذه العلاقة في التواجد العسكري السوري في لبنان. والذي تم برضى الحكومة الشرعية، فالعلاقات بين هذين القطرين يحكمها تشابك التاريخ وميراثه. فسوريا ولبنان يمثلان حالة متميزة في العلاقات الدولية من حيث انهما الدولتان الوحيدتان اللتان لا تخضعان في ارتباطاتهما للتمثيل الدبلوماسي بل لقنوات سياسية مباشرة بين مختلف الزعامات ولا اخال ان علاقة بهذه الكثافة يمكن ان تتأثر كثيرا باختفاء زعيم ما. لكن هذا لايمنع من اعادة صياغة الحضور السوري في لبنان على ضوء المتغيرات الجديدة، والتي تحتاج الى تقييم هادىء من الطرفين فالتواجد العسكري السوري في لبنان قد يفقد مبرره مع اقرار السلام في المنطقة وخاصة مع انهاء الصراع بين سوريا واسرائيل. بصفة عامة لا يمكن انتظار تغيرات جوهرية على الاقل على المدى القصير. فعوامل الاستمرارية متعددة. لكن في الوقت نفسه فإن سوريا تدخل حقبة جديدة حبلى بالتساؤلات والهواجس والقلق. ولن تبدأ حلقاتها الاولى الا مع تعيين خلف رسمي للرئيس الراحل حافظ الاسد رحمة الله عليه واذا كانت كل المعطيات الراهنة تنبىء بخلافة الدكتور بشار الاسد لأبيه، فإن ما ينتظره الجميع هو وضع البلاد على سكة الاصلاح حتى تستمر في الاضطلاع بدور فاعل على كافة الاصعدة.