في الذكرى الثانية والخمسين لاغتصاب فلسطين وقيام دولة اسرائيل فوق هذه الارض العربية يتراجع المشروع الوطني والقومي العربي بشكل واضح امام المشروع التوسعي الصهيوني ويبدو ان الصهاينة لم ينجحوا فقط في احتلال او استعمار الارض بقوة السلاح وانما نجحوا في السيطرة على العقول، من خلال ايهام البعض بجدوى السلام والتعايش وفق صيغ تسوية لم تحقق من الناحية العملية الحد الادنى من الحقوق الوطنية المشروعة للشعب العربي في فلسطين ولا الحقوق المهضومة لباقي الشعوب العربية التي فقدت ارضها ايام نكبة يونيو (حزيران) 1967. ولذلك نجد انه بعد 52 عاما على اغتصاب فلسطين ان اسرائيل تسعى لطمس حقيقة وجود فلسطين التاريخية عبر تهويد مدنها المقدسة ومعالمها التاريخية وتقطيع اوصالها بالاحياء الاستيطانية وعزلها عن محيطها العربي من خلال السيطرة على الحدود وتجريدها من كافة معالم السيادة الوطنية عبر السماح بقيام سلطة هزيلة لا قرار لها على صعيد السيادة الوطنية او الثروات الطبيعية ونجحت اسرائيل طوال تلك الفترة في (تسويق) نفسها بأنها الطرف الضعيف المتطلع بلهفة الى السلام وسط محيط من العداء والكراهية العربية وحينما وصلت الى مبتغاها وظن العالم ومعه كل العرب بأن اتفاق اوسلو سوف يضع المنطقة كلها على طريق الحل الشامل والعادل اكتشف الجميع من زعماء عرب واجانب انهم وقعوا ضحية الخداع الاسرائيلي فالعقلية الاسرائيلية لا تستقيم مع السلام, لان الحرب والعدوان والسيطرة على الارض هي عوامل تضمن اساس البقاء والحياة لاسرائيل على المدى الطويل والسلام هو الذي يحطم الاسطورة الاسرائيلية ولذلك فإن الاسرائيليين ارادوا من وراء ابرام معاهدات سلمية مع بعض الدول العربية واتفاق اعلان مبادىء مع منظمة التحرير الفلسطينية بهدف الوصول الى مرحلة من الاندماج الاقتصادي مع الدول العربية واضعاف مواقف الدول العربية الرافضة للتطبيع او الحل السلمي من خلال سياسية فرق تسد. فمن الناحية السياسية تستعلي اسرائيل على العرب وتتعامل باعتبارها ديمقراطية اوروبية ومن الناحية الاقتصادية تعتبر نفسها دولة شرق اوسطية يجب ان تحصل على حصتها من الصادرات التجارية الى الاسواق الاستهلاكية العربية الواسعة. تناقض تاريخي هذا الواقع الذي كرسته اسرائيل على الارض طيلة 52 عاما مضت يكشف عن تناقض تاريخي في العقلية الاسرائيلية لان اسرائيل بعد كل ما حصل تزعم بأن لها حقوقا تاريخية تخولها امتلاك السيادة السياسية والقانونية على كل ارض فلسطين وبالتالي فإنها تمنح الشعب الفلسطيني حق (الحكم الذاتي) فقط في المناطق ذات الاكتظاظ السكاني وتتجاهل في ذلك كافة القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الامن الدولي والامم المتحدة منذ العام 1947 وحتى الآن وتنسى او تتجاهل انها ما زالت قوة احتلالية استعمارية تستخدم قوتها العسكرية ووسائلها الضاغطة من خلال واشنطن ضد الشعب الفلسطيني وتنسى كذلك ان حقوق الشعب الفلسطيني في وطنه وفي تقرير مصيره لا تسقط بالتقادم مهما طال امد الاحتلال. يقول الباحث الفلسطيني غازي الصوراني: ان هذا التناقض الصارخ بين السيادة السياسية التي استطاعت اسرائيل ان تحققها بدواعي القوة والامر الواقع وبين السيادة القانونية للفلسطينيين المرتبطة بالحقوق التاريخية يشكل احد اهم اشكال الصراع وبالتالي فإن حل هذا التناقض عبر التفاوض في سياق العلمية السلمية بين الجانبين (الفلسطيني والاسرائيلي) لا يمكن التوصل اليه بالمعنى الموضوعي والواقعي بدون الاعتراف المتبادل بالأمر الواقع او السيادة السياسية الاسرائيلية من جهة وبالحقوق التاريخية او السيادة القانونية للفلسطينيين من جهة اخرى. وهذا يعني ان السلام في المنطقة لا يمكن ان يتحقق بدون الاعتراف والالتزام الاسرائيلي الموازي لاعتراف الفلسطينيين بقرارات الشرعية بما في ذلك القرار رقم 181 وهو الحد الادنى المقبول عربيا وفلسطينيا الذي يمكن ان يوفر لاسرائىل بشكل تراكمي بطيء اسباب البقاء والحياة في المنطقة. وسيكون واهما كل من يفترض ان ذلك الالتزام الاسرائيلي يمكن ان يتحقق بدون توفر مقومات ارادة القوة العربية الفلسطينية من جهة وبدون تراجع جوهر التفكير الاسرائيلي المستند الى الجغرافيا والتفوق العسكري كعوامل زمنية اسرائيلية مطلقة من جهة اخرى. كذلك لابد من التنبه الى ان خطوة الاعتراف بحقوق السيادة السياسية لكل من الاسرائيليين والفلسطينيين كما نص عليها القرار 181 لا تشكل سوى حل مرحلي انتقالي نحو الحل النهائي الذي يستند الى فكرة الدولة ثنائية القومية في اطار دولة فلسطين الديمقراطية لكل سكانها وعن هذا المنطق نقول بأن القيادة الفلسطينية الحالية غير مخولة بالتوقيع والاقرار بالتنازل عن فلسطين التاريخية لصالح المشروع الاستعماري الصهيوني كما ان اسرائىل لم تعترف عمليا بالحقوق الوطنية لشعب فلسطين كاملة دونما انتقاص. مفهوم السيادة في فلسطين يقول المؤرخ هنري كتن بأن لفظ السيادة في العرف الشائع يعني السلطة العليا لدولة ما على اراض معينة وعلى شعبها بغض النظر عن شرعية اصلها, ولكن السيادة تنطوي كذلك على مفهوم ارحب واعمق وهو الحق الشرعي الذي لا يجوز التفريط فيه لقائد او لأمة من الامم في ارض من الاراضي ويوضح المؤرخ والكاتب الانجليزي البريطاني ج.هـ. ويلز في كتابه (موجز التاريخ) ذلك بقوله (في جميع الحالات فإن السيادة لا تنطفىء ولا تزول بفعل الاحتلال القسري للوطن او بفعل الفتح ومن ثم يجب التفريق بين السيادة القانونية والسيادة السياسية لان الاخيرة تعني السيطرة والاشراف الفعلي بينما الاولى تشير الى الحق الشرعي الذي لا يجوز التفريط فيه لشعب ما في ارضه) . ويقول الباحث غازي الصوراني ان السيادة القانونية مرتبطة بالحق الشرعي التاريخي وبالتالي فان اسس السيطرة او السيادة السياسية الاكراهية وكافة المتغيرات السياسية التي عرفتها فلسطين في الخمسين سنة الاخيرة وما قبلها لا تلغي اطلاقا السيادة القانونية المرتبطة بالحق التاريخي للشعب الفلسطيني على ارض فلسطين حاضرا او مستقبلا وفقا للقانون الدولي حسب هنري كتن فإن الاثر القانوني لفصل فلسطين عن الامبراطورية العثمانية ولاعتراف جمعية الامم المتحدة بأن الجماعة التي تعيش فيها امة مستقلة هو ان جعل لهذه البلاد كيانا سياسيا مستقلا استقلالا دوليا ومن ثم فإن الجماعة التي كانت تعيش في فلسطين في ذلك الحين اصبحت شخصية معنوية يعترف بها القانون الدولي انيطت بها السيادة على الاراضي التي تعيش فيها ورغم ان كل التطورات السياسية اللاحقة لم توفر للشعب الفلسطيني امكانية ممارسة سيادته الكاملة على ارضه بسبب الاحتلال العسكري البريطاني والانتداب عام 1922, الا ان ذلك لم يؤثر في السيادة القانونية للسكان الفلسطينيين على ارضهم وفق نصوص متنوعة في القانون الدولي حول هذه المسألة تؤكد في جوهرها ان السيادة على ارض موضوعة تحت الانتداب تعود الى السكان انفسهم وقد اشار الى هذا الجانب فان ريس نائب رئيس اللجنة الدائمة للانتدابات والتابعة للجمعية العامة بقوله (ان السيادة تعود الى الجماعات والسكان الاصليين في الاراضي الموضوعة تحت الانتداب) وبالتالي فإن منح جمعية الامم انتدابا للحكومة البريطانية لتتولى بمقتضاه ادارة فلسطين لم يحرم شعبها حق سيادته ويمكن اجمال الوضع القانوني لفلسطين بمقتضى القانون الدولي في فترة الانتداب والى يوم (15 مايو 1948) يوم اعلان قيام دولة اسرائيل كما يلي: ـ في اثناء سريان الانتداب تمتع شعب فلسطين بوضع دولي مستقل كانت له السيادة على اراضيه وكانت لفلسطين شخصيتها الخاصة المتميزة عن شخصية الدولة المنتدبة وكانت ادراتها من حق شعب الدولة المنتدبة وكانت اداراتها من حق شعب فلسطين نظريا وان تكن في الواقع في ايدي الدولة المنتدبة السلطات وبمجرد انتهاء الانتداب انتهت الادارة التي كانت للدولة المنتدبة وترتب على هذا ان زالت القيود المفروضة على ممارسة شعب فلسطين لسيادته الكاملة واصبح شعب فلسطين بحكم هذا الحق وبحكم حقه في تقرير مصيره مؤهلا لان يحكم نفسه ويقرر مصيره طبقا للمبادىء والاصول الديمقراطية المألوفة كونه يمثل الاغلبية الساحقة في فلسطين غير ان هذا الحكم لم تحترمه الجمعية العامة للامم المتحدة التي اوصت في سنة 1947 في ظروف سياسية معروفة بتقسيم البلاد بين دولتين عربية ويهودية وان الحوداث التي تلت ذلك وقيام اسرائىل ادت جميعها الى الحيلولة دون الشعب الفلسطيني ودون ممارسته حقه في السيادة على اراضيه. وهذا لا يعني اطلاقا بأن اسرائيل قد ظفرت بالسيادة القانونية على فلسطين بالرغم من توصلها عبر وسائل القوة والمساندة من دول الغرب الرأسمالي الى السيادة السياسية كما انها لم تستمد اي حق لسيادة بموجب قرار التقسيم رقم 181 في 29/11/1947 لان الامم المتحدة التي ورثت جمعية الامم ليس لها من سيادة او حق ادارة او اي حق آخر على فلسطين ولا يسعها قانونا ان تقرر كما فعلت عام 1947 مستقبل الحكم في فلسطين وذلك بالتوصية بتقسيم البلاد فمثل هذا التصرف يفتقر الى كل اساس قانوني كما يتجاهل رغبات الشعب الفلسطيني في اقامة دولة ويتصرف على النقيض من مشيئة اغلبية السكان ومن ثم فإن هذا القرار يفتقر كما يقول القانوني الفلسطيني هنري كتن (الى كل سند قانوني وهو ليس داخلا ضمن سلطة الجمعية العامة للامم المتحدة ولا يسعه ان يسبغ على اسرائيل اي حق على جزء من فلسطين مما خصص للدولة اليهودية في قرار التقسيم والنتيجة فإن اسرائيل لا يسعها ان تستمد من قرار التقسيم اي حق مشروع) . ويقول الباحث الفلسطيني غازي الصوراني ان اغلبية اليهود الذين اعلنوا قيام دولة اسرائيل عام 1948 لم يكن اي منهم يحمل الجنسية او صفة المواطنة في فلسطين بالمعنى القانوني مما يعزز افتقارهم لاي شكل من اشكال السيادة القانونية في الماضي والحاضر والمستقبل. اما فيما يتعلق بالاراضي التي استولت عليها اسرائيل خارج المساحة الجغرافية للدولة اليهودية كما حددها قرار التقسيم فهو لا يعدو كونه اغتصابا واخلالا بقرار الجمعية العامة كما ان الامم المتحدة لم تعتبر ان الحرب بين العرب واسرائىل عام 1948 قد اثرت على اي نحو في قراراتها بشأن فلسطين بل ان الامم المتحدة ومقرراتها وخصوصا قرار التقسيم رقم 181 وقرار حق عودة اللاجئين رقم 194 كشرط لقبول عضويتها في الامم المتحدة وذلك في 11/5/1949 وهذا ما نص عليه ايضا بروتوكول لوزان في 12/5/1949 والذي تضمن اعتراف اسرائىل الصريح بحق الفلسطينيين في العودة وتعهدها بتطبيق قرار التقسيم. ويقول هنري كتن: فإن الوضع القانوني لاسرائىل بالنسبة لجميع الاراضي التي احتلتها قبل يوم 5 يونيو 1967 ينطبق على وضعها القانوني فيما يتعلق بالاراضي التي استولت عليها منذ الخامس من يونيو 1967 انه وضع المحتل المحارب حيث لا تستطيع اسرائىل ولا تملك الحق في كل الاحوال بالسيادة على الاراضي التي احتلتها لان صاحب السيادة الشرعي هو الشعب الفلسطيني الذي يحتفظ بالسيادة القانونية التي لا يمكن ان تلغيها اية اتفاقيات تعقد باسمه من اي جهة وفي حال وجود مثل هذه الاتفاقيات التي تتعارض مع حقوق الشعب الاساسية والتاريخية فإنها تعطى اسرائيل مؤقتا سيادة في الواقع سيادة بالمعنى السياسي المرتبط بالقوة والاكراه وليس سيادة بالمعنى القانوني بأي شكل من الاشكال خاصة وان الشعب الفلسطيني لم يوافق باختياره بالاغلبية او بالاجماع على تحويل حق سيادته على وطنه الى الغير كما انه لم يعترف بأي سيادة للمحتل على ارض وطنه كما ان انقضاء الزمن عاجز عن ان يجعل من احتلال اسرائيل لفلسطين عملا مشروعا لان الحق التاريخي لا يسقط بالتقاوم.