هل يهيئ رحيل الرئيس حافظ الأسد فرصة تاريخية جديدة لنشوء علاقات صداقة بين سوريا والولايات المتحدة؟ هناك اجابة فورية عملية.. لكنها مقتضبة وغير واضحة. فقد تخلف الرئيس الامريكي عن المشاركة في تشييع الرئيس السوري الراحل موفدا ممثلا عنه مما يمكن ان يعتبر رسالة الى دمشق بأن واشنطن لاتزال عند موقفها الثابت باعتبار سوريا دولة عدوانية وراعية للارهاب. وربما يكون الوقت مبكرا جدا للمخاطرة باستخلاص حكم نهائي من هذه (الرسالة) الامريكية. فالرئيس السوري الجديد د. بشار الأسد لم يتسلم زمام السلطة رسميا بعد. وربما تمضي شهور طويلة قبل ان يتبين بشكل قاطع ونهائي ان الرئيس الابن مصمم على ان يقود سوريا في ساحة العلاقات الدولية على نهج والده.. وقبل ان يتبين ايضا ان الرئيس الجديد لا يواجه تحديا من اي قوة او شخصية داخلية ضد سلطته. لكن العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة في عهد الرئيس حافظ الأسد لمدى الثلاثين عاما الاخيرة, لها تاريخ درامي ذو دلائل عميقة بما يمكن ان ينبئ عن ملامح صورة المستقبل. فقد افرزت هذه العقود الثلاثة ثوابت عميقة ورصينة سوف يجد اي حاكم سوري بعد عهد حافظ الاسد انه من المستحيل المساومة عليها مع اية قوة خارجية حتى لو كانت امريكا دون ان يخاطر بتعريض سلطته للنسف. لقد تصور بعض الناس ان بعضا من هذه الثوابت قد تغير عندما اختار الرئيس حافظ الاسد لسوريا عند مطلع التسعينيات الانخراط في (التحالف الدولي) العسكري بقيادة الولايات المتحدة في شن حرب مكشوفة ضد العراق حين قامت القوات العراقية باحتلال الكويت. وظنت واشنطن نفسها ان دمشق بدخولها حملة عسكرية ضد دولة عربية تحت قيادة امريكية قد باتت مهيأة سياسيا للاعتراف باسرائيل وابرام اتفاق سلام معها على اساس تنازلات سورية اساسية. لكن سرعان ما تبين لاحقا ان الرئيس الاسد قرأ الموقف غداة الاحتلال العراقي لكويت وتداعياتها الاقليمية بذهنيته البراجماتية. فقد رأى فيه ببساطة فرصة استثمارية لتخليص سوريا من عبء ديونها الخارجية بالاضافة الى قبض مكافآت سخية من دول الخليج مع المحافظة على اوضاع العمالة السورية في تلك الدول. لكن ربما كان لدمشق موقف مختلف تماما لو ان موعد واقعة الغزو العراقي للكويت تقدم بنحو عشر سنوات.. أي قبل انزلاق الاتحاد السوفييتي ـ الحليف الدولي الاول لسوريا ـ على طريق التحلل الذي اوصله الى اعتاب الانهيار الكامل مع مطالع عقد التسعينيات. ببصيرته النافذة ادرك الأسد انه ليس من الحكمة مجابهة دولة عظمى متحفزة للحرب بينما الدولة العظمى الاخرى المنافسة التي يعتمد عليها كانت على وشك الاختفاء في ذمة التاريخ. مع ذلك لم تخرج سوريا من حرب الخليج الثانية كحليف لامريكا وصديق لاسرائيل على حساب ثوابت دمشق كما تصورت واشنطن. فالرئيس الأسد كان يدرك بدوره ثوابت الولايات المتحدة وفي مقدمتها الانحياز الكامل غير المشروط للدولة اليهودية. تأسيسا على ذلك تمسك الرئيس الاسد حتى اخر لحظة في حياته بالثابت الاساسي والاول في توجهاته السلطوية.. الا وهو رفض اي سلام مع اسرائيل لا يقوم على اساس الانسحاب الاسرائيلي الكامل غير المشروط الى حدود ما قبل 5 يونيو 67.. اي عدم التفريط في السيادة السورية على اي شبر من ارض الجولان المحتلة. لقد أدى صمود الرئيس الاسد وتصلبه ازاء هذه الثوابت دون ادنى تنازل لمدى 30 سنة الى ان تبلغ هذه الثوابت مرتبة مقدسة سوف يجد أي خليفة له انه من غير المتصور المساومة عليها.