لاشك أن إختفاء قائد وزعيم في حجم ووزن حافظ الأسد سيكون له ردود أفعال مساوية له في الفترة مضادة له في الاتجاه, وهذه القاعدة المتفق عليها تقودنا الى سؤال في الدرجة الأولى من الأهمية, والسؤال هو: هل تمضي عملية نقل السلطة بهدوء في مسارها الذي تم اعداده لها في حياة الرئيس الأسد, وبتنسيقه وباشرافه وبحنكته السياسية التي مكنته من حكم القطر السوري ثلاثين عاما كاملة دون أن تعترض طريقه مطبات من النوع الخطير؟ وفي عهد الرئيس الأسد اختفت النكتة التي كانت متداولة في العالم العربي, والتي كانت تقول أن الضابط السوري الذي يستيقظ مبكرا هو الذي يحكم سوريا, ولكن لعدة أيام أخرى حتى يستيقظ ضابط آخر مبكرا جدا فيذهب الى الاذاعة ويذيع البيان الأول! ولم تعرف سوريا طعم الاستقرار والاستمرار إلا في عهد حافظ الأسد.. ولكن هل يستمر الاستقرار والاستمرار بعد رحيله؟ البعض يقول أن الجهاز المنضبط الذي تأسس في عهد الرئيس الأسد قادر على استمرار المسيرة بعد رحيله.. ولكن هناك قاعدة سياسية تقول: لا أحد يستطيع أن يحكم من القبر! وهي مقولة صحيحة لأنه لا أحد يستطيع تنظيم الحياة وهو راقد بلا حراك تحت الأرض. وقد يقوم كائن من كان برسم الخريطة التي يجب تنفيذها بعد موته, ثم تكون النتيجة أن لاشئ منها يجد طريقه الى التنفيذ بعد الموت. ذلك لأن الحياة تفرض إرادتها ومنطقها وحساباتها, وهي بالتأكيد حسابات أقوى من حسابات سكان القبور. وسوريا بالذات قطر له خصوصية تختلف عن غيره من الأقطار. وكانت في الخمسينيات من القرن العشرين أشبه بوردة وسط صحراء العرب القاحلة.. وكانت تتصارع على أرضها كل الاتجاهات من الحزب الشيوعي بقيادة خالد بكداش الى الاخوان المسلمين بقيادة مصطفى السباعي.. وكانت الجرائد السورية تغطي أرصفة الشوارع, جرائد مع الشرق وجرائد مع الغرب وجرائد مع الرزق الذي يحب الخفية. وكانت الوحدة مع مصر هي فكرة من تدبير حزب البعث, الذي كان يقوده ميشيل عفلق وأكرم الحوراني وصلاح بيطار. وهو تنظيم يختلف تماما عن حزب البعث الذي يقوده حافظ الأسد. وكان البعث العفلقي يهدف الى الانفراد بالسلطة من خلال عبدالناصر. وعندما اكتشف عبدالناصر نوايا حزب البعث الخفية وقع الخلاف ثم الانفصال, ولم تستقر حكومة سورية في السلطة بعد الانفصال إلا عندما تولى الأسد السلطة في دمشق. والسر في استمراره واستقراره أن حزب البعث بقيادة الأسد يختلف تماما عن حزب البعث بقيادة عفلق. حزب عفلق كان حزبا منغلقا يحتكر السلطة والحكمة معا, ولكن حزب الأسد كان يحكم سوريا من خلال جبهة تضمها خيمة واحدة, الماركسي يجد لقدمه مكانا تحت مظلة السلطة, والناصري والمسلم المعتدل والقومي العربي. وحزب عفلق كان يؤمن بأن الموت هو جزاء من يعترض, وحزب عفلق كان يعتمد على استمراره في السلطة على بعض الكوادر العسكرية, بينما حزب الأسد كان حريصا على أن يكون له قاعدة شعبية الى جانب كوادره العسكرية. والعبد لله لايكيل الاتهامات لحزب عفلق من فراغ, ولكني أستشهد بشهادة من أهله جاءت في كتاب خطير للغاية اسمه التجربة المرة للدكتور منيف الرزاز أمين عام القيادة القومية لحزب البعث السوري, والذي ورث المنصب عن سلفه ميشيل عفلق, وفي هذا الكتاب وصف حزب عفلق بأنه حزب لا وجود له في الشارع ولا تربطه علاقة بالقواعد الشعبية وأنه مجرد يافطة يعلقها الحزب فوق رأسه لكي يحكم باسمها. ولأن سوريا تحكمها جبهة في الوقت الحاضر ففي اعتقادي أنه لن تكون هناك مشاكل بالنسبة لخلافة بشار الأسد, وإذا ظهرت على السطح بعض هذه المشاكل فيمكن معالجتها بمزيد من الديمقراطية, على اعتبار أن الشكل الذي كان سائدا في عهد الراحل حافظ الأسد, لن يكون مناسبا لأي أحد آخر. ولكن المشكلة الرئيسية التي ستطل برأسها ستكون من جانب الأسرة الحاكمة نفسها ومن جانب الطائفة التي تنتمي اليها العائلة, ومعروف أن الطائفة العلوية هي التي تحكم سوريا منذ ثلاثين عاما وأكثر. وهناك قطاع في الطائفة يتصور أن بشار الأسد أصغر من استطاعته الحفاظ على امتيازاتها وأضعف من تحقيق مصالحها. ويفضل بعض هؤلاء رفعت الأسد عم بشار وشقيق الرئيس حافظ الأسد.. ويلقبونه بالقبضاي القادر على مواجهة التحديات ودحرها.. وهو رأي غير صحيح بالمرة, لأن الزمن تغير والدنيا تطورت , لم يعد زمن الفتوات والقبضايات, ولكنه زمن أصحاب العقول والحكمة, والعبد لله لم ير رفعت الأسد إلا مرة واحدة في حياتي, جلست أمامه على مائدة غداء بدعوة من صديق, وأذكر أن الصديق سأل السيد رفعت الأسد سؤالا حول خلافه مع الرئيس حافظ وأجاب السيد رفعت قائلا: خلافي معه حول الديمقراطية. وتحدث عدة دقائق مفسرا حديثه.. وكيف أنه يؤمن بالديمقراطية والرئيس الأسد لايؤمن بالديمقراطية, ووجدت نفسي أقول له بدون تردد, ولكنك إذا كنت مع الديمقراطية يكون الرئيس الأسد على حق.. قال مندهشا كيف؟ قلت لو طبقنا الديمقراطية كما في الغرب فالأكيد أنك كنت فشلت في الوصول الى ما وصلت اليه, والثروة التي جمعتها كان من المستحيل جمعها لو كانت الديمقراطية مطبقة.. وأذكر أنه نظر نحوي في دهشة وقال في سذاجة وربما في خبث.. ليه؟ وأدعو لسوريا بالسلامة, ولرفعت الأسد بالهداية, ولبشار الأسد بالتوفيق!