يثير موضوع الانتماء الكثير من الجدل والنقاش والاخذ والرد, بين اوساط المفكرين والمثقفين.فهناك فريق من الناس, يرون ان من الضروري للانسان ان ينتمي الى جهة او فئة سياسية او اجتماعية او ادبية او دينية او غيرها.. فيستظل بمظلتها ويحتمي بحماها, ويمارس من خلالها نشاطات هادفة بالتعاون مع الآخرين مما يساعد على تنمية وعيه وزيادة اسهامه في خدمة الوطن وفي الطرف المقابل يوجد من يعتقد بأن الانتماء يحد من حرية الفرد ويبقيه تحت سيطرة الفئة التي ينتمي اليها ويجعله يرى الامور كلها بمنظارها وحدها دون ان يتمكن من البحث عن الحقيقة الموضوعية الخالصة. كما انه يغدو في ظلها عاجزا عن القيام بمبادرات شخصية مستقلة ويظل اسيرا ضمن شرنقة ضيقة يخضع فيها لاملاءات الآخرين وتوجهاتهم. فأي الفريقين على حق واين نحن من هذين الرأيين المتباعدين؟ وهل المنتمون اناس مخلصون يخدمون اوطانهم ام انهم رجال انانيون يهدفون الى تلبية مصالحهم الشخصية؟ وهل هناك من سبيل لتضييق الهوة او جسر الفجوة بين المؤيدين للانتماء والمعارضين له, من اجل الخروج برأي معتدل يشكل حلا وسطا يرضى به هؤلاء واولئك؟ هذا ما سنحاول ان نفعله الآن: يمكن في نظري ان نصنف الانتماء افتراضيا ضمن ثلاثة اصناف, اولها الانتماء العام وثانيها الانتماء الخاص الايجابي وثالثها الانتماء الخاص السلبي اما الاول, وهو اقدس وانبل الولاءات واعظمها نزاهة وموضوعية فهو يتجلى في الولاء للأرض او الوطن او الانسانية او الدين وهذا النوع يمثل ولاء طبعيا وعاديا لا يقيد صاحبه بأية افكار مسبقة او ارتباطات ضيقة, ولا يجعله يدور في افلاك الآخرين او يسبح بحمدهم. ان المنتمين من هذا النوع ينظرون الى الاحداث والتطورات ومجريات الامور بمنظار مصلحة الوطن كله. ويمكن ان نطلق على هؤلاء اسم المستقلين. وهم يشكلون الاكثرية الساحقة من الجماهير في الوطن العربي. ومشكلة هؤلاء, انه على الرغم من اخلاصهم وعفويتهم ورغبتهم الاكيدة في خدمة وطنهم كله فإنهم ليسوا منظمين تنظيما يتيح لهم القيام بذلك فجهودهم فردية وطاقاتهم مبعثرة, وهم غير قادرين الاغلب على حشد امكاناتهم في اعمال جماعية فعالة. وتلافيا لهذه الثغرة لجأ بعض الناس الى الانتماء الضيق والانضواء تحت لواء حزب او جمعية او فئة او جماعة او ناد او شلة حتى يهتدوا بهديها ويستظلوا بظلالها في نشاطاتهم السياسية او الفكرية او الاجتماعية او الدينية او الرياضية وهؤلاء اذا كانوا مخلصين وكانت الجهة التي ينتمون اليها نزيهة ربما يستطيعون خدمة الوطن افضل مما يفعل المستقلون لان نشاطاتهم منظمة ومبرمجة. وهذا النوع من الانتماء مشروع وايجابي بل ومطلوب في كثير من الحالات التي يتوجب فيها على العرب ان يتصدوا لاعدائهم بطرق مخططة. ولكن للاسف هناك نوع من الانتماء كالذي يقود الى اسوأ النتائج, ويضر بمصلحة الوطن. وذلك عندما يكون هدف المنتمي تحقيق مصالح خاصة ومكاسب استثنائية لنفسه, حتى لو تعارض هذا مع مصلحة الامة او عندما تكون نوايا الفئة التي انتمى اليها هدامة وغير بناءة, ولو كان هو نفسه صادقا في توجهاته فينساق وراءها وهو مخدوع بشعاراتها البراقة. وعندما يكون الانتماء سلبيا ويهدف الى التسلط والانتفاع نجد ان الاعضاء المنتمين يصبحون بالتدريج وكأنهم غرباء عن الوطن فيتصورون ان الآخرين اعداء لهم ويقفون حجر عثرة في سبيل حصولهم على المزايا الاستثنائية التي يطمحون الى نيلها. ان هؤلاء يريدون ان توصلهم انتماءاتهم الى مكانات اجتماعية ومناصب وظيفية لايستحقونها وهم يطمحون الى الاثراء وصعود السلم بسرعة كبيرة دون ان يكونوا حائزين على مؤهلات علمية واخلاقية كافية فالانتماء بالنسبة اليهم وسيلة لتحسين اوضاعهم الخاصة, بصرف النظر عن مصالح الوطن. وهكذا فإن الانتماء سلاح ذو حدين ويمكن ان يكون نعمة او نقمة حسب طبيعية المسار الذي يسير فيه وهوية المركب الذي يركبه. فقد تكون لإنسان ما نوايا طيبة ومخلصة تجاه الوطن, ولكن تأتي فئة ما مغرضة فتزين له الانتساب اليها وتوقعه في حبائلها دون ان يكون واعيا لمراميها فيغدو بالتدريج مطية لها فتحقق اهدافها من خلاله. وهنا نجد ان للوعي دورا مهما في قضية الانتماء لذلك فإن الانتماء في الدول المتخلفة اكثر مدعاة للخطر منه في الدول المتقدمة حيث يسود الوعي. خلاصة القول, ان الانتماء العام من اجل المصلحة العامة, هو اكثر الانتماءات نزاهة ونظافة ولكنه لا يكفي للقيام بأعمال منظمة ومخططة لصالح الوطن. وهذا ما يجعل الانتماء مفيدا, شريطة ان يتوجه توجها ايجابيا ويسلك مسلكا قويما بعيدا عن الاهواء الخاصة والرغبة في اقتناص المكاسب واغتراف الغنائم. كاتب سوري