الان وقد انقضى شهر او اكثر على الملحمة القتالية بين اثيوبيا واريتريا في جولتها الثانية فان السؤال الذي يظل مطروحا هو: لماذا يتخذ العالم موقف المتفرج السلبي تجاه حرب يقدر عدد قتلاها من الجانبين حتى الان بنحو مئة الف؟ هناك الولايات المتحدة, الدولة العظمى الاولى التي ابدت مؤخرا اهتماما غير عادي بما يجري في القارة الافريقية. وهناك اسرائيل التي يهمها موقع البحر الاحمر الاستراتيجي كمدخل ومخرج مرتبط بقناة السويس. وهناك العالم العربي الذي يجب ان يهمه مصير القرن الافريقي من حيث كونه امتدادا للحضارة العربية الاسلامية. كل هؤلاء ينظر الى الحرب الاثيوبية الاريترية وكأنها تدور في مكان ما في الفضاء الخارجي لماذا؟ بالنسبة الى الولايات المتحدة فان الدولتين المتقاتلتين صديقتان. وكذلك الحال بالنسبة الى اسرائيل. لقد دخلت وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية على خط الثورة الاريترية المسلحة في عام 1983.. ومنذ ذلك الحين تخلت الثورة ليس عن يساريتها فحسب.. بل ايضا نبذت شقها ذا التوجه العروبي الاسلامي. ومما يروى ان أحد عوامل نجاح (الجبهة الشعبية) في الانتصار على نظام منجستو هايلا مريم الماركسي في اثيوبيا (بالتعاون مع فصائل الثورة الاثيوبية) في اوائل التسعينيات هو ما تلقته من مدد من وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. اما النظام الثوري الاثيوبي الذي تولى السلطة بعد الاطاحة بالنظام الماركسي فانه واصل ما انقطع من تحالف حميمي بين اثيوبيا والولايات المتحدة. الصورة اذن واضحة: نظامان في اديس ابابا واسمرا مواليان لواشنطن ومخططاتها الجيو ـ سياسية في القارة الافريقية, ومواليان في الوقت نفسه لاسرائيل. ومن فرط الاعجاب الامريكي بولاء النظامين ان الرئيس كلينتون ظل مولعا بوصف الزعيمين ميليس زيناوى وأسياس افورقى بأنهما (طراز جديد من الزعامة في افريقيا) . الولايات المتحدة اذن محرجة تجاه اندلاع الحرب بين الدولتين. وبالتداعي فان اسرائيل محرجة كذلك. لكن تبقى تساؤلات, من ذلك: لماذا اقرضت واشنطن المال لكلا الحكومتين لشراء اسلحة من السوق العالمية من قبيل الاستعداد للحرب؟ ايضاً: لماذا لم تستغل كل من الولايات المتحدة واسرائيل ما هو متوافر لدى كل منهما من وسائل الضغط للحيلولة دون اندلاع الحرب؟ على الصعيدين العربي والاسلامي يلفت الانتباه ان اللامبالاة تجاه الحرب الاثيوبية الاريترية تنتظم الشعوب كما تنتظم الحكومات. الحكومات العربية والاسلامية غير مبالية لأنها لو كانت تبالي لتحركت لنصرة العراق ولبنان, وقبلهما, ليبيا.. علما بأن هذه الدول الثلاث اعضاء في الجامعة العربية بينما اثيوبيا واريتريا ليستا كذلك. اما على الصعيد الشعبي فان هذه الحرب لن تثير مشاعر الشعوب العربية او الشعوب الاسلامية لأنها حرب تقليدية بين نظامين كلاهما غير عربي وكلاهما غير مسلم. زيناوي الاثيوبي وأفورقي الاريتري مسيحيان. ان الشعوب العربية تستذكر الان ان الزعامة الاريترية رفضت بعناد لدى اعلان الاستقلال الوطني قبل سبع سنوات دخول اريتريا عضوية الجامعة العربية. على ان هذه الحقيقة ليست تبريرا لاحجام الحكومات العربية عن تأييد اريتريا الان في الحرب الدائرة.. فالاحجام الحكومي العربي قائم في كل الاحوال.. لكن ربما كانت اريتريا ستحظى بشيء من التعاطف الشعبي العربي ضد اثيوبيا لو أنها كانت عضوا في الجامعة العربية. وبالقدر نفسه فان الشعوب العربية تستذكر ان الكنيسة الاورثوذكسية الاثيوبية هي القاعدة التقليدية الصلبة للمسيحية في افريقيا التي تعتمد عليها المسيحية العالمية في صد المد الاسلامي في القارة السوداء. الحرب الاثيوبية قد تطول وقد تقصر لكنها سوف تظل حربا معزولة الى ان تضع اوزارها.