في العام الماضي زرت دمشق الحبيبة لمتابعة الاستفتاء على ولاية جديدة للرئيس الأسد, كان الجو مشحونا بالعواطف الشعبية الجارفة التي لم ينل من عفويتها وصدقها مبالغة بعض الأجهزة الرسمية التي لو تركت الجماهير تعبر عن مشاعرها دون تدخل لكان التعبير أسمى، والصورة كاملة عن علاقة شعب يثق بالرجل الذي قاد مسيرته في أصعب الظروف. ووسط مظاهرات التأييد والمبايعة جاء خبر وفاة الملك حسين, ثم كانت المفاجأة بقرار الأسد أن ينهي القطيعة بين دمشق وعمان, وأن يشارك في تشييع جنازة حسين, وأن يبدأ علاقة جديدة مع العاهل الأردني الجديد. وانشغلت أجهزة الاعلام العالمية بتحرك الأسد, خاصة بعد لقائه بالرئيس الأمريكي بيل كلينتون على هامش الجنازة وفتح الباب لعلاقات جديدة مع واشنطن ولاستئناف مباحثات السلام في المنطقة. ورغم المفاجأة.. فلم يكن ما حدث يومها بعيدا عما يحدث في دمشق. فقد كان واضحا أن الساحة يتم اعدادها لتطورات كبيرة, وأن تغييرات حاسمة على الصعيد الداخلي على الأبواب.. وأن الرئيس الأسد بعدما يقرب من ثلاثين عاما في الحكم, وبعد أزمات صحية عنيفة طاردته في السنوات الأخيرة.. يريد أن يطمئن على استقرار الأوضاع بعده, وأن يعد الساحة الداخلية لانتقال هادئ للسلطة, ويمهد الطريق لها.. داخليا: بالاستعانة بفريق عمل جديد يصلح للتعامل مع القيادة الجديدة, وعربيا: بتصفية الخلافات التي يمكن أن تسبب متاعب لخليفته, وإقليما: بفتح الباب من جديد أمام التسوية السياسية مع اسرائيل خاصة إذا فاز حزب العمل الاسرائيلي في الانتخابات التي كانت يومها على الأبواب, ودوليا: بالسعي لتفاهم مع أمريكا سيتحقق بالطبع إذا تمت التسوية مع اسرائيل, وإذا لعبت دمشق دورا ايجابيا في تثبيت السلطة الجديدة في الأردن. ولم يكن الأمر سهلا كما يبدو.. ففي الداخل كانت معركة الخلافة مازالت مستمرة منذ سنوات, ومنذ أول أزمة صحية كبيرة واجهها الرئيس الأسد ومحاولة أخيه رفعت الأسد تأكيد موقعه كخليفة منتظر, وهو ما أدى الى فقدانه لموقعه كأحد نواب رئيس الجمهورية وإبعاده الى الخارج. لكن ذلك لم ينه المعركة بل بدأها. فالخلافة ظلت منذ هذا الوقت قضية مطروحة, وزاد من وطأتها عدة عوامل: أن طول عهد حزب البعث بالحكم قد أصابه بشئ من الترهل. ورغم أن قضية الصراع مع اسرائيل وتحرير الجولان كانت تفرض حالة من الاجماع الشعبي على قيادة الرئيس الأسد الصلبة والواعية والمتمسكة بالحقوق العربية المشروعة, إلا أن طول عهد الحزب بالحكم فرض كما هائلا من الصراعات.. فهناك صراع بين الجيل القديم الذي مازال يمسك بمقاليد الأمور والجيل الجديد الذي يريد فرصة لتحقيق أحلامه, وهناك صراع بين رؤى مختلفة لمواجهة الأزمة الاقتصادية أو التسويات السياسية المطروحة مع اسرائيل, أو للتعامل مع النظام العراقي, أو لفتح ملف الاصلاحات الديمقراطية المطلوبة. إن الصراع كان يدور في ظل حديث تزداد نبرته يوما بعد يوم عن تفشي الفساد في الادارة, وعن تورط مسئولين كبار, وعن صفقات مشبوهة وعمولات وعندما بدأ فتح الملفات الكبيرة بعد التعديل الوزاري, بدأت التساؤلات تتكاثر .. خاصة مع اتهام رئيس الوزراء السابق محمود الزعبي واحتجازه ثم انتحاره بعد أن قضى 13 سنة في موقعه ولم يكتشف فساده إلا في نهايتها!! ثم كانت الاتهامات التي تم تسريبها للعماد حكمت الشهابي قائد الجيش السابق وأحد أطراف الصراع على الخلافة, والذي سافر قبل أيام وبموافقة رسمية الى أمريكا.. ليريح ويستريح! أن الصراع حول الخلافة في سوريا اكتسب أبعادا عائلية وطائفية. فمنذ أن طرح رفعت الأسد نفسه وخسر المعركة باكرا لتسرعه في إعلان نواياه, طغى العامل العائلي على السطح. وبرز اسم ابن الرئيس الأسد العقيد باسل كخليفة يتم إعداده, وبعد رحيل باسل في حادث مأساوي تم استدعاء شقيقه بشار الذي كان يدرس طب العيون في الخارج ليتم تأهيله للموقع المنتظر, وليطرح نفسه كداعية للتحديث ومحارب للفساد. ومع الرحيل المفاجئ للأسد, تم تعديل الدستور ليسمح للابن بأن يأخذ طريقه لمقعد الرئاسة, وتم الأمر بسرعة فائقة تعكس الرغبة في تثبيت الأوضاع وحسم الأمر في وجه أي معارضة موجودة أو متوقعة داخل الحزب أو خارجه.. خاصة مع عودة الحديث عن الطوائف ونصيبها في الحكم والادارة, وهو حديث سترتفع نبرته بعد وراثة بشار لأبيه الراحل الكبير, ومع اختفاء شخصيات مؤثرة ترى نفسها أو يراها البعض أحق بالمنصب! ومن هنا.. ورغم سرعة حسم الموقف في سوريا الشقيقة, فإن الموقف يبدو شديد الحساسية, وهو يطرح على الأشقاء في سوريا وفي غيرها من الدول العربية عدة قضايا لابد أن تكون محل حوار موضوعي أمين في الأيام المقبلة, وبعد أن تجف دموع الحزن على الفقيد الكبير. اننا هنا أمام خسارة قومية فادحة برحيل رجل في قامة حافظ الأسد. قاد سوريا لما يقرب من ثلاثين عاما, واستطاع رغم الظروف الصعبة أن يوفر لها الاستقرار والتقدم, وأن يجعل منها قلعة للصمود العربي في زمن التراجع والهزيمة. ويكفيه هنا أنه كان الشريك في نصر أكتوبر العظيم, وكان الساعي إلى اقامة القوة العربية القادرة على ردع اسرائيل عن العدوان بعد كامب ديفيد, كان الرافض للتنازل عن الحقوق العربية, المتمسك حتى آخر لحظة باستعادة الحقوق المسلوبة, ورغم محاولات أمريكا وإسرائيل استغلال المصاعب الداخلية لسوريا والظروف الصحية له شخصيا في فرض التسوية على حساب سوريا والعرب.. فقد رفض الرجل, ولم يهتز حينما حملته أمريكا مسؤولية فشل مساعيها لفرض الحل كما تراه, ولم يرضخ حين قال كلينتون ان الكرة في ملعبه.. أي أن عليه أن يقبل ما تراه أمريكا وإسرائيل أو يتحمل العواقب! رفض الرجل أي تنازل, ولم يعبأ بتهديدات أمريكا ولم ينصت لطبول الحرب التي تدقها إسرائيل, وأعلن بوضوح كامل أنه لا تنازل عن حبة رمل من الأرض السورية, وأنه لن يضيره أن تنتظر سوريا أعواما أخرى عديدة كما انتظرت على احتلال الجولان أكثر من ثلاثين عاما.. فستعود الجولان في النهاية وسينتصر الحق مادام مسلحا بالقوة والارادة رافضا التنازل والهزيمة. وكأنما أراد الله أن يكافئ الرجل على صموده, وأن يمنحه شيئا من الرضا عن النفسي بما أعطى.. فلم يرحل الاسد عن دنيانا إلا بعد أن شهد الرحيل الذليل للجيش الاسرائيلي من لبنان, وانتصار المقاومة التي رعاها ودعمها وتحمل من أجلها الكثير من التضحيات. رجل بهذه القامة لابد أن يترك فراغا عند رحيله, خاصة إذا جاء الرحيل وسط الظروف الدقيقة التي تمر بها سوريا والمنطقة, ولا شك أن القوى المعادية التي حاولت قبل ذلك استغلال ظروف المرض سوف تحاول الآن وبشراسة أكبر أن تفرض على سوريا ما تريد. وهو ما يستدعي يقظة الأشقاء في سوريا, ويستلزم وهذا ما نريد التنبيه إليه أن تقف الأمة العربية كلها مع سوريا.. تدعم, وتساعد, وتشد الأزر بالفعل لا بالقول ولا ببرقيات العزاء! ان ما حدث مع انتقال السلطة في سوريا بالطريقة التي تم بها, يطرح سؤالا لم يعد هناك مهرب منه عن أزمة الديمقراطية في العالم العربي. أن أي حديث عن التحديث ومواكبة العصر والتقدم التكنولوجي, أو عن محاربة الفساد, أو عن الاصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يتم بمعزل عن قضية الديمقراطية. بل أن استمرار المقاومة ضد الضغوط الخارجية واستمرار الصمود في معركة التحرير لا يمكن أن يكون بمعزل عن مشاركة الجميع ليكون القرار قرار الامة. وإذا كان المواطن قد ارتضى في فترة سابقة أن يترك بعضا من قراره في يد رجل كالأسد, فإن القرار لابد أن يعود لكل مواطن بعد أن اختلفت الظروف, ليتحمل الجميع مسؤولياتهم في هذه الظروف الصعبة. إن ما حدث مع انتقال السلطة في سوريا يطرح أيضا سؤالا جوهريا عن مصير الجمهوريات العربية, وهل ستتحول إلى (جمهوريات وراثية) إذا صح التعبير؟ لقد فرضت الظروف التاريخية في مرحلة سابقة أن يظل الرؤساء في الحكم دون الالتزام بفترة محددة يتركون فيها مقاعد الحكم لغيرهم, وباستثناء لبنان فقد ظل كل الرؤساء في الحكم حتى الوفاة أو الانقلاب عليهم. ولقد تغيرت الظروف الآن ولم يعد هناك مبرر لذلك, ولا مفر أمامنا إذا اردنا أن يكون لنا مكان في هذا العالم من بناء دولة المؤسسات واحترام القانون وتأمين انتقال السلطة والخلافة. ولعل المثير للاهتمام أنه في النظم الملكية في العالم العربي انتقلت السلطة بهدوء رغم بعض الملابسات الدراماتيكية في بعض من هذه الدول, أما في الدول الجمهورية فيبدو الامر أكثر تعقيدا مع ضعف الأحزاب السياسية والحياة الديمقراطية من ناحية, وعدم التقيد بوضع حد أقصى للبقاء في منصب الرئاسة من ناحية أخرى. وقد كانت إحدى نتائج هذا الوضع أن تحول العديد من الجمهوريات العربية إلى المنادة بنظام (الرئاسة الوراثية) .. وإذا كان الامر قد تحقق الآن في سوريا فإن دولا عديدة تنتظر! ولعل هذا ما دفع الرئيس المصري حسني مبارك في حديث صحفي أخير أن يؤكد أن هذا الامر لن يحدث في مصر, بعد أن بدأ البعض للترويج للفكرة, متصورا أنه بذلك يساعد الحكم وينال رضاه, وهو ما أوقفه الرئيس المصري بحسم أخيرا. ان الامر يحتاج لإعادة نظر شاملة. ولعلها تكون آخر مآثر الفقيد العظيم, أن يفتح برحيله الملفات التي لا يريد أحد أن يتحدث عنها. رحم الله حافظ الاسد بقدر ما أعطى لشعبه وأمته, وأعان شعب سوريا الشقيقة على تحمل الفجيعة ومواصلة المشوار الصعب, ووفق القيادة الجديدة في دمشق على ما ستتحمله من أعباء تحملها الراحل العظيم بشجاعة حتى اختاره الله إلى جواره ونسائم انتصار الجنوب تملأ جوانحه. رحمه الله