لست هنا بصدد الدخول في تفاصيل النقاش المحتدم هذه الايام في عدد من الدوائر الثقافية حول ما فجرته اخيرا رواية الكاتب السوري حيدر حيدر على الساحة السياسية المصرية من تعارض حاد في الرؤية والتأويل, وهو التعارض الذي اندلع أواره في الساحة الثقافية المصرية اولا, قبل ان ينتقل الى السياسة ليتسبب في هذا الاستقطاب الذي حدث على الساحة المصرية سواء بين الاحزاب او بين الجماهير, او بين الصحف وقد كتب الكثير عن تفاصيل ذلك في الصحف والمجلات وتناوله الاعلام المرئي باستفاضة اوشكت ان تبلغ حد الملل. ولكن ما اريد ان اتناوله هو محاولة الاجابة عن تساؤل يلح علي كثيرا: هل مثل هذه الزوابع النقاشية التي تتفجر في اجواء الثقافة العربية بين وقت واخر يقصد من ورائها الدفاع عن الثقافة العربية, ام ان مثل هذه الزوابع في حقيقة الامر تهدف ـ ربما دون قصد ـ الى النيل من هذه الثقافة واظهارها بمظهر الضعف والتخاذل وبالتالي الدعوة والاعلان غير المدفوع لمثل هذه الاعمال الادبية والفكرية. وحتى افسر ما ذهبت اليه ربما كنت انا واحدا من بين عشرات الآلاف من المتابعين الذين لم يحظوا بمعرفة حيدر حيدر وكتاباته السابقة قبل ان تندلع العاصفة, ولكن بعد ان انفجر النقاش حول روايته (وليمة لأعشاب البحر) اردت من زواية المتابعة والاطلاع وربما من زاوية حب الاستطلاع الادبي وحده ان احاول قراءة هذه الرواية. حاولت جاهدا ان اصل بقراءة الرواية حتى نهايتها, وانا احدث نفسي بأنه لابد من اكتشاف السر الذي ظللت امني نفسي بأنني سوف اصل اليه بعد حين, ولكني اضعت وقتا ثمينا اقلب في اوراق رواية حيدر دون ان اصل الى ذلك السر الذي نجده دائما في الروايات الكبيرة سواء في الادب الغربي او العربي وذهب سدى الجهد الذي صرفته في قراءة الرواية وهو ما ذكرني بجهد آخر حاولته في هذا المساق وكان في السابق مع رواية سلمان رشدي (آيات شيطانية) منذ اكثر من عقد من السنين وهي الرواية التي لا يستطيع اي قارىء يملك الفطنة والصبر ان يبحر فيها اكثر من بضع عشرات من الصفحات! لماذا اذن تثار مثل هذه الضجة ان كانت هذه الروايات لا يقرأها غير بضع مئات من البشر (اذا استخدمنا مزيدا من المبالغة)؟ وهل لنا ان نتساءل عما اذا كانت مثل هذه الضجة قد اثيرت للفت النظر وتوسيع قاعدة القراء لهذا العمل الادبي او ذاك؟ ام هي لوقف مثل هذه الاعمال التي (تضر) المجتمع وتفسد الشبيبة! في الوقت الذي تكتسب فيه الرواية وصاحبها من جراء اثارة هذه الضجة شهرة ادبية لم يحلما بها. لا اعرف الاجابة التي تسعى على سبيل القطع الى حل مثل هذه الاسئلة, ولكني اميل من زاوية التحليل المنطقي الى القول: ان مثل هذه الضجة التي تثور بين وقت وآخر حول اعمال ادبية قد يكون بعضها متواضعا الى درجة غير معقولة هي في الحقيقة تخدم هذه الاعمال اكثر مما تضرها وتحسن الى كتابها اكثر مما تشوه مواقفهم. تلك هي المحصلة التي يعود بها اي مراقب, اما اذا كان الامر يتعدى العمل الادبي بذاته كي يصل الى اهداف سياسية فإن تحقيق تلك الاهداف مشكوك فيه في المدى البعيد, لان مثل هذه الاعمال سوف تدخل التاريخ بقطع النظر عن قيمتها ولن تخرج منه بينما سيذهب الناس بأسبابهم السياسية المؤقتة ويبقى التاريخ. انه التاريخ الذي حفظ لنا كتابات ابن رشد وجعلنا نطلق اسمه على مدارسنا بعد قرون طويلة جدا من تحريق كتبه: وهو التاريخ نفسه الذي حفظ لنا كتابات الجاحظ واشعار ابي العتاهية وغيرهما ممن جرمهم معاصروهم لاسباب سياسية او فكرية. الحقيقة اذن ان هذا الضجيج الذي يعلو حول عمل ادبي من هذا النوع انما هو خدمة يسديها المتنازعون للعمل الادبي ولصاحبه حيث يرفعهما معا الى مستوى من الشهرة ليسا جديرين به. فهل هذا ناتج عن الجهل ام التجاهل ام التسييس المفرط الذي يصل الى درجة من السذاجة وعدم الفطنة ام قد يكون ناتجا عن هذا كله مجتمعا؟ فقد نقل لنا التاريخ ان هارون الرشيد سأل احد العلماء وكان قد سجنه عددا من السنين عن اسوأ ما في الدنيا فأجاب العالم: ان اسوأ شيء في الدنيا ان يحكم الجاهل على العالم وظن الرشيد انه المعني بذلك: فكظم غيظه واردف زدني من ذلك فقال العالم كنت في سجني اسمع السجان يقرأ القرآن الكريم فقرأ (ويل يومئذ للمكذبين) بفتح الذال, فقلت له مهلا ان المكذبين بفتح الذال هم الرسل, والصحيح انها تقرأ بكسر الذال (لا فتحها) فرد السجان: مازلت اسمع انك زنديق وما تيقنت الا الساعة هكذا يا امير المؤمنين ان اسوأ شيء في الحياة ان يحكم الجاهل على العالم! لعل مثل هذه القصة التي ترددت شبيهاتها كثيرا في تاريخنا الادبي والسياسي تبين ان عدم الفهم والتسييس والتسرع في الاحكام العامة تقود الى فتنة المجتمع في امر هو في غنى عنه لذا من الضروري ترك مهنة تقييم الاعمال الفنية والادبية للمتخصصين في الامر الذين يملكون ادواتهم المتعارف عليها تماما كما يترك القيام بعملية جراحية لجراح يعرف ما يفعل او تترك قيادة سفينة لمن اعد نفسه لهذا الامر. ولا يجوز ان تتولى الاحزاب مهمة التقييم الادبي او تدخلها قسرا ضمن التكتيك السياسي اليومي للمنافسات السياسية التي قد تصح وقد تخطىء اضف الى ذلك استدراج الشارع ودغدغة عواطف الجمهور ومشاعره في امر يعرف الساسة مسبقا ان تقديمه للعامة دون شرح وتفسير كاف انما يضر اكثر ما ينفع. الضجة حول رواية (وليمة لأعشاب البحر) هي جزء من ظاهرة في المجتمع العربي الحديث تكاد تتكرر في تفاصيلها الصغيرة في اكثر من بلد عربي فلم نشهد في تاريخنا المعاصر تقصيا للاعمال الادبية وملاحقتها وتفسيرها واجتزائها اكثر قسوة وافراطا مما نشهد في وقتنا الحاضر, وبالتالي يلفت القلة نظر الكثرة الى ما في بعض هذه الاعمال من خلل فيشيع التداول وتزداد الشهرة, وتتأجج مقاومة الرأي العام لهذه الاعمال. من نافلة القول أن الكثير من كتبنا التاريخية والتراثية التي نفاخر بها لو خضعت لمثل هذه المسطرة الدقيقة في التقصي وكذلك للتفسير القسري والاجتزاء من السياق وهي الادوات التي يتسلح بها البعض ـ سوء بقصد او دون قصد ـ لمناقشة هذه الكتب والعبارات المختلفة الواردة بها فلن يبقى لنا تراث نفخر به من ألف ليلة وليلة حتى الاغاني وغيرها من الكتب, ذلك من ان تراثنا كما يعرف العالمون به مملوء بالكثير من الامور التي يمكن ان يعتبرها البعض ـ الآن ـ مآخذ وربما مبررات لحرق هذه الكتب حتى تصبح كتاباتنا وكتبنا مثل ما ورد في رواية (اسم الوردة) التي ناقشت تصلب القسس من رجال الدين المسيحي في القرون الوسطى بتحريم كتب العلم (ومنها كتب اسلامية عن طريق تسميم صفحاتها حتى ان من يلمسها كان نصيبه الموت) ! اكاد اجزم بأن التعصب الحديث الذي نكاد نراه رؤية العين في بعض الاوساط العربية هو نتاج للحداثة العربية وتعبير عنها, وليس هو نتاج الموقف التراثي الذي تفاعل عبر السنين والتجارب وتراكم التسامح والفهم العميق, ويكفي ان نشير الى اي كتابات متوازنة جاءت على ذكر الحضارة العربية في الاندلس, فحتى هذا اليوم تذكر كتيبات بلد صغير في جنوب مدريد هو مدينة طليطلة التي عمرها العرب فيقول الكتيب الذي يوزع اليوم على عامة السياح وانا انقل منه حرفيا: (شكرا للتسامح الاسلامي الذي جعل من هذا البلد مكانا مشعا للثقافة فلولا هذا التسامح لما وجدت وبقيت كل هذه الاثار التاريخية العظيمة التي تراها في مدينتنا) . لقد سجل احد المنصفين من المؤرخين الغربيين هو بريفوت في كتابه (تكوين الانسانية في القرن التاسع للميلاد) : (ان العلم هبة عظيمة الشأن جادت بها الحضارة العربية الاسلامية على العالم, اما كتابات المستشرقة الالمانية زجريد هونيكه فهي اشهر من ان تكرر هنا لاعترافها بفضل الحضارة العربية والاسلامية على اوروبا والغرب في كتابها الاشهر (شمس العرب تسطع على الغرب) ومن البدهي ان ذلك لم يكن ليتحقق الا نتاج التسامح وتحكيم العقل لا التعصب والاسراع في اصدار الاحكام القطعية. لقد خبأ المسلمون كتبهم في منازلهم معرضين انفسهم للتهلكة ابان مرحلة محاكم التفتيش في اسبانيا وكانت هذه المغامرة بالنفس, حفاظا على العلم, هي التي حفظت بعد ذلك تلك الكنوز العلمية وابقت جذور الثقافة العربية حتى يومنا هذا في بلاد بعيدة. لم تمتلك الثقافة العربية في عصورها الزاهرة هذا القدر الكبير من القوة والتأثير الا لأنها لم تكن تتقاعس عن خوض اي موضوع مهما كانت غرابته او خروجه عن المألوف وما نعانيه اليوم ليس منبعه ان ثقافتنا قد ماتت (لا سمح الله) بل منبعه اننا تخلينا عن روح هذه الثقافة وتراثها وجوهرها وهو إعمال العقل والمخاطبة بالحسنى والتدبر في خلق الله العظيم.