التاريخ لا يروي سوى سير القادة الذين نقلوا شعوبهم من مرحلة الى اخرى متقدمة. والتاريخ سيحفظ للرئيس السوري الراحل حافظ الاسد تخليص سوريا من آفة الانقلابات وعدم الاستقرار السياسي وارساء دولة القانون تحت مظلة الامن والامان. نحو ثلاثين عاما من الحكم كرست سوريا دولة ذات نفوذ اقليمي سعت دوما للتوازن الاستراتيجي العسكري مع اسرائيل, وساهمت بشكل كبير في ترسيخ مفاهيم الثبات على الحق في الذهنية العربية. لم يحد الرئيس السوري الراحل عن هذه المبادىء والمفاهيم قولا وعملا, وذهب للقاء بارئه من دون ان تمس يده ايادي الصهاينة الممدودة للاستغلال بقفاز السلام. رحيل الاسد يشكل حدثا بالغ الاهمية عربيا واقليميا وعالميا ذلك ان المنية وافته في ظرف بالغ الحساسية, حيث عملية السلام الشرق اوسطية تصطدم بعنق الزجاجة وسط توتر حدودي مع اسرائيل خلفه الانسحاب غير الكامل من جنوب لبنان ورفضها الانصياع للقرارات الدولية والانسحاب من الاراضي التي احتلتها في يونيو 1967. وان كانت الفترة الانتقالية في مسيرة اي دولة تهجس بغباش الرؤية فإن ميراث الرئيس السوري الراحل السياسي على المستوى الداخلي والخارجي كفيل بإزالة هذا الغباش وضمان انتقال هادىء وسلس للسلطة وبالتالي استقرار الوضع الداخلي وتمتين لحمة البيت السوري, فيما تؤهل السياسة الخارجية للرئيس الراحل القائمة على التنسيق العربي وعدم التدخل في شئون الغير خلفه لصياغة العلاقات السورية الخارجية على هذا الهدى وللفوز بالدعم العربي والمؤازرة القومية على كافة المستويات. وان كانت التقارير الغربية تعاقبت على دس السم في العسل واظهار وجود صراع خفي على السلطة في دمشق بهدف احداث بلبلة تصعب موقف القيادة السورية الجديدة امام تحدي السلام مع اسرائيل فإن هذا التوافق السياسي بين النخبة الحاكمة مضفورا بالتأييد الجماهيري الكاسح كفيل بدفع بشار الاسد نجل الرئيس الراحل الى سدة الحكم من خلال اجراءات دستورية هادئة وعلى اسس تحمل اسباب النجاح لمتابعة الخط السياسي المبدئي المتمسك بمبادىء الامة العربية من دون اغفال نهج التحديث والتطوير الضروري لمواجهة التحديات والمستجدات التي تحملها العولمة الى منطقتنا.