يبدو ان مدة عام التي قدرتها المحكمة المنعقدة في هولندا للنظر في قضية (لوكيربي) لن تكون كافية لا لان عليها الاستماع الى كم هائل من شهود النفي والاثبات, والاطلاع على ملفات التحقيق في الحادث على مدى 12 عاما والاستماع الى مرافعات الادعاء والدفاع ، توطئة لاصدار حكمها بادانة الليبيين المشتبه في تورطهما من عدمه في تفجير طائرة (بان امريكان) فوق اسكتلندا عام 1988 وراح ضحيتها 270 راكبا, ولكن لان ترجيح مد اجل نظر القضية موصول بكم واشكال المفاجآت غير المحسوبة التي راحت تفرض نفسها تباعا على السيناريو الامريكي المبيت لالصاق الاتهام بالجماهيرية الليبية مع سبق الاصرار والترصد. ورغم ان امريكا استبعدت اي احتمالات لاخطاء تقنية فنية وراء سقوط الطائرة, ووجهت آليات التحقيق القانوني والامني في الحادث صوب جمع الادلة والقوانين التي تدين ليبيا فحسب, وسخرت الرأي العام الدولي بالتالي ضد ليبيا مسبقا وقبل ان يصدر القضاء حكمه, بل الى حد استصدار قرارات دولية لفرض الحصار الجوي وغيره من العقوبات التي تسببت في اضرار اقتصادية واجتماعية بالغة الشدة بالشعب الليبي, الا ان هيئة الدفاع عن المتهمين الليبيين بادرت منذ بداية المحكمة الى دحض ما ذهبت اليه امريكا, عبر توسيع دائرة الشكوك حول مرتكبي الحادث لتشمل عددا من الفصائل الفلسطينية التي دأبت انذاك على القيام بعمليات مشابهة واعلان مسئوليتها عن تلك الحوادث, كذا دولا عربية واسلامية بعينها على عداء مع امريكا ترنو للقصاص منها, وربما منظمات رادايكالية افريقية كان من مصلحتها سقوط الطائرة بزعم ان رئيس وزراء السويد من بين ركابها, خاصة وقد كان يعتزم القيام بجولة لاحلال السلام في بعض الصراعات الافريقية. على اي حال فقد خاب رهان امريكا على ادانة قاطعة لليبيا لا تقبل الشك او التأويل بالنظر الى المبدأ القانوني المعروف الذي يجزم بتغير الشك دوما لصالح المتهم, ومن ثم لم تجد امريكا بوسعها سوى ادراج ليبيا في القائمة التي تضم الدول التي ترعى الارهاب في الوقت الذي لم تدخر وسعا في البحث عن دليل جديد لا يسمح لليبيا بالخروج من قفص الاتهام, ومن ثم لوحت بتقديم شهود جدد بين حين واخر وهكذا وجدت امريكا نفسها في موقف الدفاع المستميت عن منطق المؤامرة السياسية في مواجهة هيئة الدفاع عن المتهمين ونجاحها في اقناع المحكمة بمنطقها القانوني وكون القضية قانونية صرفة! ومما لا شك فيه ان صمود العقيد القذافي امام الابتزاز الامريكي وتمسكه بمقتضيات السيادة الليبية في محاكمة المهتمين كان من ابرز العوامل التي افضت الى عدد من التطورات السياسية الايجابية المهمة التي طرأت على قضية لوكيربي بينها كسر القادة الافارقة للحصار الجوي المفروض على ليبيا بشكل جماعي واضطلاع الامير بندر بن سلطان سفير السعودية في واشنطن بمبادرة دولية مشتركة مع الزعيم الافريقي نلسون مانديلا لاقناع القذافي بالامتثال للقرار الذي املته امريكا على مجلس الامن والخاص بتسليم المتهمين الليبيين لمحاكتهما في امريكا التي سقط من رعاياها اكبر نسبة من الركاب او بريطانيا حيث شهدت اسكتلندا سقوط الطائرة ثم انضم اليها الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان للمبادرة في مرحلة لاحقة, حيث جرى الاتفاق على اجراء المحاكمة في دولة محايدة (هولندا) ووفقا للقانون الاسكتلندي وان يرأس المحكمة ايضا قاض اسكتلندي مع التأكيد للقذافي بضمان عدم مساس سير المحاكمة بشخصه لاعبر استدعائه للشهادة او صدور حكم في مواجهته. ورغم ان موافقة القذافي على تسليم المتهمين جاءت متأخرة الا انه من حيث التوقيت والظروف الموضوعية كان موفقا في التخفيف من حدة العداء الامريكي المبيت من ناحية عبر الاشارات المتبادلة بين واشنطن وطرابلس على صعيد الحوار والتفاهم وطي صفحة الماضي وقد عزز هذا الاحتمال وصول وفد قنصلي امريكي الى ليبيا وعدد لا بأس به من كبار رجال الاعمال وممثلي شركات البترول الامريكية الكبرى لبحث افاق التعاون والاستثمار, وكذا نظرائهم من البريطانيين اثر عودة العلاقات بين طرابلس ولندن, وبينهم عدد من رؤساء الشركات العملاقة مثل شل وسميث كلاين وبيتشاور في الوقت الذي اسفر قرار تعليق العقوبات المفروضة على ليبيا عن اعادة تسيير الخطوط الجوية منها واليها, وانطلاق ليبيا الى نسج علاقات قوية مع افريقيا تؤمن لها الحماية والدعم والعمق الاستراتيجي وعندئذ لم تجد امريكا مفرا من البحث عن كبش فداء جديد, ووقع اختيارها الاسبوع الماضي على (فبركة) حكاية المنشق الايراني احمد البهبهاني, بعد ان اوشكت ليبيا على البراءة من الضلوع في حادث لوكيربي وتحويل الاتهام الى ايران التي نفت بشكل قاطع ان تكون له ثمة علاقة بأجهزة مخابراتها وكشفت الستار عن صحيفة سوابقه في ارتكاب حوادث سرقة قبل نجاحه في الفرار من سجنه الى تركيا! والشاهد ان امريكا وجدت في افتعال حكاية البهبهاني فرصة لضرب عصفورين بحجر واحد, الاول من قبيل ممارسة الضغوط على ايران وسوريا لحدبهما على حزب الله ونجاحه في قيادة المقاومة اللبنانية واجبار اسرائيل على الانسحاب من الجنوب, وثانيا النيل من سمعة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة احمد جبريل ووصفها بالارهاب, كونها في مقدمة الفصائل الفلسطينية المعارضة لخطة السلام الاسرائيلي وتتخذ من دمشق مقرا لها لكن على ما يبدو فإن المسئولين في جهاز المخابرات المركزية الامريكية (سي. اي. ايه) , اشاروا على الادارة الامريكية بوجود ثغرات غير مقنعة حول اتهام ايران بالضلوع في ارتكاب حادث لوكيربي بعد عدة ايام متصلة من التحقيق مع البهبهاني في تركيا, وان شهادته لاترقى الى مستوى الاعتداد بها في وصم ايران بالارهاب, الامر الذي دعا فيليب ريكر الناطق الرسمي باسم الخارجية الامريكية الى التصريح باعتزام الادارة الامريكية مراجعة ملف قضية لوكيربي واجراء تقييم شامل ودقيق لمصداقية المعلومات التي ادلى بها البهبهاني) . ولا شك ان التخبط الواضح الذي وقعت فيه امريكا واكدته محطة (سي. بي اس) الامريكية في برنامج بثته منذ اسبوع, انما لأن القذافي ادار الصراع مع امريكا التي اتخذت من حادث لوكيربي واجهة له بحنكة ومهارة, رغم هيمنتها الكونية على مقدرات مجلس الامن الامر الذي يؤكد ايضا على الفرص المتاحة امام الشعوب والدول المغلوبة على امرها للدفاع عن سيادتها ونيل حقوقها المشروعة عبر تضامن الضعفاء وممارسة حرب العصابات السياسية والدبلوماسية والقانونية في مواجهة (امريكا ودول الاستكبار العالمي!) .