مهما تعددت واختلفت الآراء حول رحيل الرئيس حافظ الاسد بعد بقائه على السلطة لمدى ثلاثين عاما فان الجميع بمن في ذلك ألد خصومه داخل سوريا او في العالم العربي او في اسرائيل والغرب يقرون بأن سوريا الأسد ظلت على الدوام, بمعايير العالم العربي والعالم الثالث عموما، مثالا نموذجيا للاستقرار بعد ان كانت منذ استقلالها في النصف الثاني من اربعينيات القرن الماضي وحتى اواخر الستينيات مضرب مثل في الاضطرابات وتعدد المغامرات الانقلابية. الان وبعد ان غادر الرئيس الاسد سوريا والدنيا الى الأبد فان السؤال التلقائي الذي يرد على اذهان الجميع في سوريا وخارجها هو: هل تحافظ سوريا على استقرارها الطويل في غياب الأسد؟ مثل هذا السؤال يستعصي على حالة من نوع الحالة السورية. فسوريا الأسد رغم انفتاحها الخارجي على محيطها العربي والعالم بأسره الا ان شئونها السلطوية الداخلية ظلت تدار تقليديا داخل غرف محكمة الاغلاق. وعلى نهج هذا التقليد جرى ترتيب الخلافة في السلطة على المستوى الرئاسي قبل وفاة الرئيس الاسد.. بل وبمشاركته واشرافه. والان وبعد رحيل الرئيس الاسد ربما يلتقط هذا الترتيب الذي أتى بابنه بشار رئيسا جديدا كمؤشر لانتقال السلطة بطريقة انسيابية وسلسة بما ينبئ بالتالي عن استمرار حالة الاستقرار. مع ذلك تظل هناك مدعاة للقلق. الرئيس الاسد كان يدير جهاز السلطة اعتمادا بالدرجة الاولى على قدراته ومهاراته الشخصية المتمثلة في سرعة استخلاص المواقف والتطورات واتخاذ قرارات صائبة بشأنها بمستوى غير عادي من الذكاء والدهاء. وفي دولة كسائر الدول العربية ودول العالم الثالث, تتحرك فيها مؤسسات السلطة بارادة الرئيس الشخصية وليس العكس, فان الوضع قد يختلف اذا لم تتوافر للرئيس الشاب الجديد قدرات والده. تأسيسا على هذا فان القوى والشخصيات التي قد تكون طامعة في السلطة خاصة من شملتهم قرارات الابعاد الاخيرة, وعلى الاخص في الجيش والاستخبارات, قد تتشجع على التحرك اذا ثبت لها عمليا ان الرئيس الابن ليس في مستويات التحديات السلطوية التي كان يتعامل معها بحنكة واقتدار الرئيس الراحل. ان الرئيس بشار شاب يكاد يكون بلا خبرة في شئون الحكم.. بل ويقال انه شخصية ذات طابع تكنقراطي زاهدة في السلطة. وربما لان الرئيس الاب الراحل كان يدرك ذلك فانه شرع منذ عدة سنين في اعادة ترتيب بيت السلطة بما يجعل مهمة خلفه سهلة نسبيا.. ومع انه تم ابعاد الشخصيات النافذة التي اشتهر عنها اما الطموح السلطوي الشرس او الفساد المالي والخلقي المتطرف, لكن الرئيس الاسد لم يستطع استكمال عملية اعادة الترتيب قبل ان يداهمه طارئ الموت. بالاضافة الى ذلك يرث الرئيس الابن من عهد ابيه تركة مثقلة من التحديات الداخلية والخارجية. فعلى الصعيد الداخلي يتعين على الرئيس الجديد مواصلة تدابير مكافحة الفساد في المؤسسات الاقتصادية الحكومية. اما على الصعيد الخارجي فانه يواجه تحديا اعظم مزدوجا على مستوى كيفية التعامل مع (عملية السلام) من ناحية والتعامل مع الموقف اللبناني بالغ التعقيد من ناحية أخرى. على كلا المستويين كان تحرك الاجهزة الدبلوماسية والاستخباراتية والعسكرية السورية رهنا بالتوجيهات الشخصية التي كانت تصدر تباعا.. حتى في ادق التفاصيل اليومية من الرئيس حافظ الاسد شخصيا.. بما يتضمن ذلك من قرارات صعبة ومواجهة تناقضات تبدو مستحيلة وخلق موازنات معقدة ما بين الاقدام والتريث.. كل ذلك اعتمادا على بصيرة نافذة وتفكير عقلاني بنفس بارد وقدرة فائقة على الانتقال السريع من موقف الى موقف دون فقدان السيطرة على الزمام. فهل تتوافر هذه الصفات او مثلها للرئيس الشاب الجديد؟ لننتظر ونرى.