هل يمكن للقمة الثلاثية المزمع عقدها في واشنطن بين الثلاثي (كلينتون, باراك, عرفات) ان تشكل مخرجا لمأزق القنوات السرية ـ العلنية؟ سؤال تفرضه التطورات الحالية امام مأزق مستعص بين مشروع وطني فلسطيني نبيل وبين مشروع اسرائيلي لتقزيم الحق الفلسطيني وتهميشه؟ مفاوضات الحل الدائم وانكشاف التداخل والتشابك بين القنوات العلنية المجهولة المضمون والقنوات السرية المفضوحة وانكشاف الافكار والمواقف والوثائق الاسرائيلية التي قدمت في المفاوضات والداعية الى تكريس دولة كانتونات بأربعة معازل في الضفة اضافة الى معزل قطاع غزة تصب جميعها في خانة سياسة ومسعى ما يسمى (الاجماع الوطني القومي الصهيوني) على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ونقيضا صارخا لقرارات الشرعية الدولية. ان من المهازل الاضافية المفاوضات (البولينج ـ ايلات) المجمدة حاليا, كونها مفاوضات خبراء وموظفين كما تعلن ذلك السلطة الفلسطينية واسرائىل وليس بيدها القرار السياسي ولذلك اقول بأن مفاوضات القنوات السرية الخلفية المشكلة من شلومو بن عامي وزير الامن الداخلي الاسرائيلي وامنون شحاك وزير السياحة وزير الاركان والجانب الاوسلوي الاخر: محمود عباس, وأحمد قريع هي القناة المعتمدة فعليا وهي قناة الخط الاحمر اي: القناة السرية الساخنة التي بيدها القرار ومشكلة من ياسر عرفات وايهود باراك. في مفاوضات البولينج تم تبادل (وثائق الهياكل) وكل طرف اعطى اجوبة على قضايا: القدس, اللاجئين الاستيطان الحدود, المياه, العلاقات من دول الجوار حيث يتضح بأن الوثيقة الاسرائيلية تصر على القدس موحدة وعاصمة ابدية للدولة العبرية ولا عودة للاجئين ولا عودة لحدود 4 يونيو 1967 وضم المستوطنات الاسرائيلية اضافة الى غور الاردن ومعه شريط مستوطنات جنوب قطاع غزة اي بما يساوي 45 الى 50% من الضفة والقطاع مشمولا بها القدس الكبرى او 34% اضافة الى القدس الكبرى (ضمن اربعة كانتونات تصبح مساحتها في افضل الاحوال 62% من مساحة الضفة الى كانتون قطاع غزة وهذا كله يضع مفاوضات الوضع الدائم كما توقعنا نحن في الجبهة الديمقراطية في (عنق زجاجة حيث لا يمكن لاحد ان يتجرع هذه الكأس السامة) , ومن الآن اتنبأ بأن اتفاق الاطار الوارد باتفاقية شرم الشيخ والذي تأجل من فبراير الى مايو سيتأجل من جديد الى يوليو ومعرض للتأجيل المتكرر لأن وثائق الهياكل والاراء الاسرائيلية في القنوات السرية الخلفية لا تفتح على اي امكانية للوصول الى حلول ولذلك ايضا لا امكانية للوصول الى حلول التسوية السياسية الشاملة كما ينص اتفاق شرم الشيخ بسقف سبتمبر 2000, حيث الادارة الامريكية شاركت وما زالت ترعى بشكل مباشر مفاوضات البولينج (ايلات) وجولات مفاوضات القدس في فندق الملك داود تحت عنوان التقريب بين وجهات النظر وتطالب الجانبين بتقديم تنازلات تسميها مؤلمة والمقصود العملي منها تنازلات من الجانب الفلسطيني تمس من قضايا القدس, الاستيطان اللاجئين الحدود, مقابل اعادة انتشار قوات الاحتلال من على اجزاء مبعثرة في الضفة الغربية وهذه عمليا ليست تنازلات من الجانبين فكلها تنازلات من السلطة الفلسطينية بينما الجانب الاسرائيلبي يصر على لاءاته التي جاء بها واعلنها باراك بمثابة برنامج اجماع وطني وقومي يهودي صهيوني, اذن لماذا كل هذا ولماذا البقاء من قبل الطرف الاوسلوي الفلسطيني تحت رحمة مفاوضات ظالمة تقوم على معادلة القوي والضعيف والمستضعف. الجانب الاسرائيلي تمتع بكل عناصر القوة وميزان المفاوضات مختل واسعا وفي صالحه بينما الجانب الفلسطيني يقصر على اهل اوسلو والوضع الفلسطيني مفكك والانقسام عميق في صف الشعب. ان المخرج لكل هذا اعادة بناء الاجماع الوطني على برنامج سياسي جديد مشترك نضالي وتفاوضي واعادة بناء ائتلاف منظمة التحرير عبر حوار وطني فلسطيني شامل ووضع كل العملية التفاوضية بيد الائتلاف الوطني وليس بيد السلطة التي تثمل جناحا في الحركة الفلسطينية على جزء من الارض وجزء من الشعب ولا تمثل كل الشعب وكل الارض. ان نضالنا العامل لتجاوز الطريق المسدود والمليء بالعثرات والتنازلات والانحناءات والآلام هو الذي قررناه بشكل مشترك باتفاق القاهرة آب 1999 بيننا وبين السلطة الفلسطينية. ان من المحزن ان اتفاق القاهرة لم يأخذ مجراه العملي فلم يتم كسب الزمن الذي يتشقق من بين اصابع قضيتنا وحقوقنا الوطنية, بينما زحف الاستيطان يتواصل على مدار الزمن الراهن, وفي فبراير 2000 قرر المجلس المركزي لمنظمة التحرير ضرورة الحوار الوطني الشامل باسرع وقت واعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الائتلافية تحضيرا لاعلان سيادة الدولة الفلسطينية بحدود 4 يونيو 67 وعاصمتها القدس في سبتمبر 2000 بعد ان تأجل اعلان السيادة اكثر من مرة منذ 4/5/1999 حيث انتهت المدة القانونية لاتفاقات اوسلو وكل ما هو موجود حاليا, المجلس الوطني الذي انتهت مدته منذ اكثر من 10 سنوات مشلول ومعطل والمجلس الفلسطيني الاشتراعي للسلطة الذي تم انتخابه بموجب اتفاق اوسلو انتهت مدته القانونية منذ 9 مارس 1999. بصراحة كاملة بدون هذه الخطوات التي تقود الى اعادة بناء عناصر القوة الفلسطينية لتوحيد الشعب في الشارع في الوطن وفي الشتات وتوحيد كل القوى الفلسطينية على برنامج سياسي جديد, مشترك فإن مفاوضات الوضع النهائي ستبقى في عنق الزجاجة تدور في حلقة فلسطينية مفرغة, بينما غول الاستيطان يزحف لا يتوقف. اننا نعمل وندفع بإتجاه وقف التنازلات والتراجعات الدرامية والمدمرة على يد السلطة الفلسطينية تحت ضغط لاءات باراك ووفوده التفاوضية وضغط الادارة الامريكية. ان الفرصة لتصحيح الاوضاع الفلسطينية واعادة بناء العلاقات السليمة الفلسطينية ـ الفلسطينية لا زالت مفتوحة بين السلطة والمعارضة الفلسطينية والشعب لكن الفرصة تضيق بفعل ضغط اسرائيل المتزايد لفرض حلولها على السلطة الفلسطينية والاستفراد بها بعد ان انفردت السلة بالقرار السياسي الذي يشقق وحدة الشعب وارض الوطن. فإنقاذ الوضع الفلسطيني من المأزق الراهن يتطلب اليوم وقبل الغد اعادة بناء الوحدة الوطنية ومؤسسات م.ت.ف. الجامعة داخل الارض المحتلة والشتات وترميم التضامن العربي وفق المصالح العليا المشتركة واتخاذ مواقف عربية مشتركة تجاه قضايا الصراع الفلسطيني والعربي الاسرائيلي وفق قرارات الشرعية الدولية كما تعلن كل العواصم العربية وهنا نثمن الدعوة السورية ـ المصرية خلال قمة الاسد ـ مبارك الاخيرة في القاهرة من اجل تجميع الوضع العربي واعادة رص الصفوف وفق برنامج الحد الادنى من المصالح الوطنية والقومية المشتركة والسير بخطوات ملموسة لعقد قمة عربية شاملة. وفي مسار العمل والجهد الطويل فإن التجرية العملية تعلمنا الكثير في المراجعة النقدية الذاتية وفي مراجعة تصحيح وتطوير العلاقات الفلسطينية العربية بما في ذلك اسدال الستار على كوارث وآلام الماضي وتجاوزها نحو توليد اوضاع عربية صحية ومعافاة بدلا من خطاب الثارات والاحقاد السوداء المعتمة. لذلك لابد من العمل على: اولا: السعي والصبر والثبات لحل اي تعارضات في العلاقات الفلسطينية ـ العربية, والعربية ـ العربية على اساس المصالح الوطنية والقومية المشتركة. ثانيا: توحيد كل القوى بروح ديمقراطية وحوارية لحل قضايا الصراع العربي الاسرئىلي على اساس تطبيق قرارات الشرعية الدولية, فالاحتلال والاستيطان يهددان الارض الفلسطينية والعربية المجاورة بتوسيع حدود الدولة العبرية التي لا تتوقف, ونحن رواد برنامج وطني وقومي ملموس وعملي, يدعو لسلام شامل متوازن يقوم على اساس قرارات ومرجعيات الشرعية الدولية وتطبيقها. وهذا ما تقول به نظريا وتعلنه كل العواصم العربية ويقول به آخر مؤتمر قمة عربي في القاهرة يونيو 1996 بينما التناقض صارخ بين القول والعمل. ثالثا: على ضوء هذا كله وعملا به تتمتع الجبهة الديمقراطية بعلاقات اخوية طبيعية مع جميع الدول العربية على قاعدة الالتقاء والتبادل في الموقف الدائم نحو تطبيق قرارات الشرعية الدولية لحل قضايا الصراع العربي والفلسطيني ـ الاسرائىلي ولدينا علاقات حوار وتنسيق مع عديد من العواصم العربية. قبل فترة وجيزة كنت في زيارة لعدد من عواصم المشرق العربي وخلال الايام القريبة اكون قد انجزت جولة زيارات للبلدان العربية في شمال افريقيا وبالتالي لن تغيب عن جدول اعمالنا قضايا شعبنا وامتنا, بل كانت وستكون على طاولة البحث والتداول والتشاور للوصول نحو خطوات ملموسة لابد منها في نهاية المسار, وإلا فإن المراوحة في المكان وتضييع الوقت وتمريره سيكون في صالح السياسة التوسعية الاسرائيلية وسياسة (الفرص الضائعة) في (الزمن الدائري) .