في أقل من أسبوعين عرفت الأمة العربية حدثين مفصليين في غاية الأهمية نظرا لعنصر المفاجأة والاستحقاقات المترتبة على حدوثهما, أعني بهما: رحيل القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان ووفاة الرئيس السوري حافظ الأسد. وخلال هذين الحدثين انكشفت وسائل الاعلام العربية بشكل واضح أكثر من أية مؤسسة أخرى في المجتمع. والانكشاف في المؤسسة الاعلامية العربية من خلال الأحداث ذات الأثر والأهمية يدفع باتجاه المزيد من فقدان المصداقية, كما يدفع إلى محاكمة كل (الكليشيهات) والتصريحات الرنانة التي يطلقها مسئولو ومدراء الاعلام وخاصة المرئي حول عظمة مؤسساتهم وقوتها وجاهزيتها ومتانة تكوينها وهيكلها البشري والتقني والإداري. قد تجد الصحف وقد يتوفر للكتاب والصحفيين والمحللين المزيد من الوقت للتجهز والاستعداد للظهور أمام القراء في صباح اليوم التالي للحدث, لكن الاعلام الفضائي المرئي المتمترس خلف جيوش من الموظفين وملايين الدولارات وامكانيات التكنولوجيا والأقمار الصناعية, لا يمكنه سوى تعليق نفسه على أوتار الثواني وجس نبض الوقت لملاحقة الحدث بكافة تفاصيله وألغازه وأسراره وشخوصه والمؤتمرات المحيطة والتداعيات المترتبة. هذا تحديدا ما ينتظر منه وربما أكثر. وخلال الحدث اللبناني وطريقة التعامل معه بات التلعثم واضحا على مجريات الاحداث في كواليس بعض الفضائيات, وكأن ما حدث يشبه تماما حادث تفجير عبوة ناسفة في احدى جزر البحر الكاريبي لم يسفر عن مقتل احد!! هذا ما حدث تماما في بعض القنوات التي اصابها الحدث بالسكتة القلبية فصارت تعرض افلاما من عالم الحيوان او شيئا من ارشيف الحرب العالمية الاولى! بينما عسكرت طواقم تلفزيونات أجنبية وبعض العربية في قلب الجنوب لتضخ سيلا من المتابعات والاحداث واللقاءات بشكل ذكرنا بما فعلته محطة الـ (سي.ان.ان) ابان حرب الخليج الثانية ايام غزو الكويت والتي اسقطت مصداقية الاعلام العربي بشكل فاضح. في حدث وفاة الرئيس السوري حافظ الاسد, ظهرت بوضوح جاهزية بعض المحطات الفضائية العربية (ابوظبي ـ الجزيرة..) كما ظهر تخبط قنوات اخرى وبدا واضحا ان الامور فيها تسير بطريقة (اعرض وتوكل فكل شيء مطلوب والجمهور يمشي عليه كل شيء) هذا تعبير متداول بين الناس ننقله للسادة في بعض القنوات فقط ليعلموا مدى قابليتهم وجماهيريتهم التي يعتقدون بوجودها او يرسمها لهم خيالهم او مصادرهم الخاصة. في القنوات التي واكبت الحدث تغطية وتقارير ومقابلات نسجل نقطة في صالحهم, واخرى نرى من وجهة نظرنا انها تطبيع اعلامي مع اسرائيل واضح المعالم ولا يحتاج الى اثبات, فأسماء مثل شاؤول وجدعون , وساريد وشمعون وغيرهم من اعضاء الكنيست الاسرائيلي والمحللين والنقاد والصحفيين الاسرائيليين اصبحت تصافح اسماعنا ومن ثم اعيننا بشكل لافت تمهيدا لما تحمله الاحداث الحبلى بالمفاجآت التي لا تقل عما سبقها, فهل البحث عن مقابلات معهم وسماعهم بهذا التهافت ضرورة أم هرولة في اتجاه السلام؟!