الى متى يبقى تقرير مصير العراق كدولة وشعب في أيدي قوى اجنبية دولية وليس في يد العرب؟ هذا هو السؤال المفتاحي الذي حاولت المبادرة التي تقدمت بها دولة قطر ان تجد له حلا عادلا يضمن وضع نهاية للمأساة العراقية دون غمط الحقوق الشرعية لدولة الكويت. لكن المؤسف ان هذه المبادرة وئدت عربيا في مهدها.ان قضية العراق تدور في حلقة مفرغة.. وسوف تظل تدور طالما بقيت الولايات المتحدة على إصرارها على ربط مسألة رفع العقوبات والحصار الاقتصادي عن العراق بمسألة تجريد الدولة العراقية من أسلحة ومواد الدمار الشامل. والمبادرة التي تعرضها دولة قطر تهدف الى كسر هذه الحلقة المفرغة بفصل هاتين المسألتين عن بعضهما البعض بتحرك عربي حاسم على أساس ان مجموعة الدول العربية هي المعنية اكثر من غيرها بمصير العراق. وعلى هذا النحو يقول المسئولون القطريون ان المطلوب على نحو فوري هو وضع نهاية لمأساة الشعب العراقي ومعاناته برفع العقوبات الاقتصادية. وبعد ان يتم تحرير العراق من العقوبات يجرى بحث الوضع على صعيدين مختلفين بحيث تتولى الدول العربية رعاية تفاوض ثنائي مباشر بين العراق والكويت حول مسألة الاسرى والمفقودين بينما تترك مسألة اسلحة ومواد الدمار الشامل للمعالجة بين الامم المتحدة والعراق. هذا الطرح القطري استند الى مقدمة هامة خلاصتها ان منطقة الخليج والمنطقة العربية عموما بدولها وشعوبها هي الاكثر تضررا من استمرار تأزم الحالة العراقية وعزل العراق عن محيطه السياسي الطبيعي. فالمنطقتان تعيشان توترا حادا افرز وجودا عسكريا اجنبيا وأهدر موارد مالية في الانفاق على التدابير الدفاعية ومشتريات الاسلحة. ورغم ان المبادرة العراقية لم تشر بصراحة الى ايران الا ان مما يمكن استخلاصه ان اعادة تأهيل العراق سياسيا كقوة اقليمية سوف تعيد التوازن الاقليمي في الخليج الذي اختل منذ بداية الغياب العراقي وبالتالي تعاظم النفوذ الايراني. ان الدول العربية التي تعارض المبادرة القطرية لا تقدم بديلا سوى ترديد (التمسك بالشرعية الدولية) . غير ان (الشرعية الدولية) ليست شرعية بالمعنى السطحي الذي يتبادر الى الذهن.. بل ومن المشكوك ان هذه (الشرعية) لاتزال نافذة المفعول كاجراء مستوحى من العدالة. (الشرعية الدولية) فيما يتعلق بالمسألة العراقية هي في حقيقة الامر صراع مصالح ورؤى ذاتية بين القوى الخمس الكبرى في مجلس الامن الدولي. هذه القوى الخمس منقسمة الى فريقين: فريق تمثله الولايات المتحدة (وتبعتها بريطانيا) تقتضي مصالحه الحيوية في الخليج استغلال الحالة العراقية كورقة ابتزازية ضد دول المنطقة من ناحية, وتعطيل الدور السياسي العراقي في معادلة الصراع العربي الاسرائيلي. اما الفريق الثاني فتمثله فرنسا وروسيا والصين التي ترى كل منها في عراق محرر من الحصار الاقتصادي سوقا كبيرة واعدة للشركات التابعة لكل من هذه الدول الكبرى الثلاث. اذن هي شرعية مصالح.. وليست شرعية عدالة مثالية. فكيف نفسر موقف الدول العربية المعارضة لرفع العقوبات عن العراق في ضوء هذا التصادم الدولي؟ ان التفسير المنطقي الوحيد هو ان الدول ليس لها موقف أصيل.. فهي لا تستخدم شعار (الشرعية الدولية) الا كغطاء لمحاولة اخفاء تأييدها للاجندة الامريكية. وارتهان الارادة العربية على هذا النحو هي بالضبط ما تهدف المبادرة القطرية الى وضع نهاية له بأن تنتزع الاسرة العربية الزمام من القوى الاجنبية من اجل ابتكار حل عربي لقضية عربية بالدرجة الاولى.