عقدت في غزة في الفترة من 2 ـ 4 يونيو الجاري ندوة فكرية سياسية حول خبرات الحركة السياسية الفلسطينية خلال قرن. وشاركت فيها بدراسات معدة, وبنقاشات على مدى ايامها الثلاثة جميع الفصائل والاحزاب والقوى السياسية الفلسطينية بتياراتها الوطنية والقومية واليسارية والاسلامية بما فيها الحركة السياسية العربية داخل اراضي الـ 48. ويسجل لمنظميها المركز القومي للدراسات والتوثيق ومنتدى الفكر الديمقراطي انهم استطاعوا ـ لأول مرة ـ جمع هذا الحشد من القوى ودفعها لان تقدم تقييما مكتوبا لتجربتها في الماضي ورؤيتها المستقبلية لتنظيماتها وللقضية الوطنية. ويسجل لهذه القوى انها قبلت ـ وربما لأول مرة ـ ان تعرض للنقاش خارج حدود الاطر التنظيمية المغلقة تجربتها في الماضي ورؤيتها للمستقبل وهذا في حد ذاته ايجابي ويعبر عن شكل من اشكال الديمقراطية ومحاولة من هذه القوى فتح خزائن افكارها المقفلة امام الآخر من جهة, وامام الجمهور من جهة اخرى. كما يحسب للندوة والاطراف المشاركة فيها انها ترفعت الى حد كبير, عن تراشق الاتهمات, ورصدت بصورة نسبية اسباب الخلافات التي سادت العلاقات الداخلية الفلسطينية ومواقع الخلل في الحياة السياسية الفلسطينية الراهنة والماضية سواء اعترف بها اصحابها والمسئولون عنها او انكروها. لكن ما كشفت عنه الندوة من نقائص وسلبيات واخطاء في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية ـ وقسم كبير منها ما زلنا نعاني منه حتى الآن ـ يوضح لماذا جاء الحصاد السياسي والوطني الفلسطيني ضئيلا جدا, رغم التضحيات التي قدمتها الحركة الشعبية على مدى اكثر من قرن. فقد حرصت معظم القوى على تضخيم دورها من حيث الحجم وتمجيده من حيث الفعل بما يتبع ذلك من تقليص لدور الاخرين وصولا الى نفيه وتبرئة نفسها من اية اخطاء ارتكبتها او وقعت فيها وتحميل مسئولية الاخطاء لغيرها او لعوامل داخلية موضوعية, او لظروف خارجية قهرية. كما تجلت في الندوة العصبوية التنظيمية والحزبية التي لامست حد اعتبار ان مصلحة التنظيم تقترب من المصلحة الوطنية او تعلو عليها ولم يلحظ استعداد اي طرف للتخلي عن المصلحة التنظيمية لصالح المجموع حتى لو كانت المصلحة الوطنية تقتضي ذلك. هذا فضلا عن تمسك كل فريق بخطابه الايديولوجي او العقائدي التقليدي او المرتبط بالحل السماوي للصراع العربي الصهيوني. وفيما يتعلق بالرؤية المستقبلية والبرامج السياسية والكفاحية التي تترجمها عمليا, فقد بدا افتقار اغلبية هذه البرامج للوضوح, وعدم القدرة على وضع الفواصل بين المرحلي والاستراتيجي, او الحدود التي يجب ان يتوقف عندها المرحلي, او المحظورات التي تجعل الاقتراب منها يمس بالهدف الاستراتيجي. كما بدا على برامج القوى السياسية وكأنها تتوجه الى غيرها, فقد اعتمدت هذه البرامج اسلوب الدعوة الى او المطالبة بـ او العمل على, وكأن احدا غيرها سيقوم بهذه المهمات ولم تحدد مهمات العمل المطلوبة ولا كيفية تحقيقها ولا صيغة انخراط الجماهير الشعبية في هذه المهمات. وبذلك كشفت قوانا السياسية احد اهم اسباب ضعفها التنظيمي وعزلتها الشعبية وعدم قدرتها على استنهاض الجماهير. وافصحت اوراق الندوة ومناقشاتها عن نمو ظاهرة القطرية وغلبة الوطني على القومي في الحياة السياسية الفلسطينية بمعظم تنظيماتها وانعدام الصلة تقريبا بينها وبين اطراف الحركة الشعبية العربية السياسية والنقابية والمهنية واستبعاد دور هذه القوى العربية في معركة الاستقلال الفلسطيني. وبذلك وقعت اطراف الحركة الفلسطينية باغلبها في فخ (فلسطنة) الصراع مع اسرائىل والانسجام ـ من حيث لم ترد ـ مع مفهوم السلطة الوطنية لطبيعة الدور العربي في الصراع القائم على الصلة بالقيادات الرسمية العربية. ولم توضح اي من هذه القوى في برامجها كيفية استعادة الاهتمام الشعبي العربي بالقضية الفلسطينية او كيفية اعادة الصراع الى بعده القومي. كما استثنت هذه البرامج اي جهد يمكن بذله على الساحة الدولية, مع الاحزاب والقوى السياسية ومكونات الرأي العام لتغيير الصورة التي اوحت بها اتفاقات التسوية ومفاوضاتها بأن القضية الفلسطينية قد حلت, وان الشعب الفلسطيني قد استعاد حقوقه. وبرغم هذه السلبيات فإن معرفتها تشكل في حد ذاتها حصيلة ايجابية ذلك ان كشفها يدفع بأصحابها طائعين او مضطرين للبحث في اسبابها وفي كيفية تلافيها. وحتى لو لم يتم ذلك, ولم تنجح القوى الفلسطينية في تجاوز اعتباراتها الذاتية فإن خلاصة تجربة الحركة السياسية الفلسطينية ماضيا وحاضرا, اذا ما اتيح ايصالها للاجيال الشابة, وربما كانت تلك مسئولية منظمي الندوة, او القوى السياسية نفسها ـ فإن هذه الاجيال ستكون قادرة على تقييم التجربة والتمييز بين غثها وسمينها عل ذلك ينفعها في معركتها الطويلة المقبلة التي لم ينجح الآباء والاجداد في تجنيبهم اياها.