كما كان متوقعا انتهت المائدة المستديرة التي دعت اليها نقابة الصحفيين المصرية في الاسبوع الماضي لمناقشة موضوع ثوابت الامة وحرية التعبير من دون ان يصدر عنها اي بيان او ان تتمخص كما بشر الذين نظموها عن الاتفاق حول ميثاق شرف لحرية التعبير, وخرج كل واحد من الذين شاركوا فيها وهو يركب فيله الفكري والايديولوجي الابيض الناصع البياض من دون ان يغير موقفه. فلا هم اتفقوا على ما هي ثوابت الامة ولا هم اتفقوا على ما هي حرية التعبير ولا هم حتى اتفقوا على مجرد تكرار اللقاء.. وقال كل منهم للآخر (كانت خالتي وخالتك.. واتفرقت الخالات) ! وحكاية (ثوابت الامة) هي احد توابع (زلزال اعشاب البحر) وما سبقه من زلازل هابطة تدل على افلاس وخواء التيارات الرئيسية للفكر العربي, وهي تتكرر عادة كلما ورد للحرية او للديمقراطية ذكر في عريضة مطالب او في نقاش عام لكي تكون العصا التي توضع في العجلة والقيد الذي يوضع في معصم الحرية قبل الحصول عليها, وكأن الهامش المحدود من الحرية الذي انعم به علينا النظام العربي في حاجة الى مزيد من القيود! حول المائدة المستديرة حدث الذي حدث من قبل حول المائدة المربعة, والذي سيحدث من بعد حول المائدة المضلعة, فقد اختلف المتحاورون حول تعريف المصطلح, بما في ذلك الذين نظموا المائدة من اعضاء لجنة ثوابت الامة في نقابة الصحفيين لكن المصطلح ينصرف عادة الى (الدين) والى الدين الاسلامي بشكل خاص. وهو كلام جميل, لولا ان أحدا ممن القوا بالمصطلح في زلزال اعشاب البحر والذين نقلوه الى مائدة النقابة, لم يعن بأن يقول لنا نحن الجهلة المساكين ما الذي يعنيه في التطبيق! والذي نعرفه ان مصر ـ كمعظم الدول العصرية ـ دولة وطنية تتعدد فيها الاديان وينظمها ودستور يقوم على قاعدة يأخد بها كل نظام دستوري وهي ان التكاليف العامة تقابلها حقوق عامة فالمواطن الذي يدفع الضرائب, ويخضع للتجنيد الاجباري يتساوى مع غيره من المواطنين في التمتع بالحقوق العامة, وفي مقدمتها الحق في المساواة امام القانون بصرف النظر عن دينه او لونه او طائفته او رأيه السياسي. اما والامة تضم اتباعا لاكثر من دين فلا مفر من ان تتعدد الثوابت لان اتباع كل دين, سوف يتبعون ثوابت وحين تتعدد الثوابت فلا محل اذن لوصفها بأنها ثوابت! وحتى لو كانت الامة كلها تتبع دينا سماويا واحدا فسوف تبرز امامنا مشكلة المذاهب التي يختلف فيها اتباع هذا الدين, فلو كانت الامة كلها من المسيحيين مثلا فسنجد انفسنا امام ارثوذكس وكاثوليك وبروتستانت وانجيليين ولو كانت كلها من اليهود فسوف نجد انفسنا امام قرائين وربانيين ولو كانت كلها من المسلمين فسوف نجد انفسنا امام شيعة وسنة, وامام اسماعيلية وزيدية ومالكية وشوافع وحنابلة واحناف فأي هذه المذاهب يا ترى نعتبره الثوابت التي لا يجوز ان يخرج عنها الانسان! ولو ان الامر اقتصر على تعدد وتضاد رؤى السلف الصالح لهان لكن المشكلة قد تفاقمت في زماننا بعد ان شاعت ظاهرة استثمار الدين بهدف الوصول الى السلطة السياسية واصبح لدينا عشرات التيارات المتناقضة والمتضاربة فاجتهادات حسن البنا والهضيبي تختلف عن اجتهادات سيد قطب وشكري مصطفى واراء وافكار محمد عبدالسلام فرج صاحب كتاب (الفريضة الغائبة) تختلف عن اراء وافكار الشوقيين والناجين من النار عن اراء وأفكار الدكتور احمد عمر هاشم اما حكم طالبان فيختلف عن حكم (اربكان) فأي اجتهادات وآراء من هؤلاء نعتبرها من ثوابت الامة؟ وما الذي يتوجب علينا ان نفعله لو حدث ذلك الذي حدث من قبل فخرج علينا واحد طقت في دماغه او اصابته لوثة نفسية فحكم بأن النظام العربي كافر لانه لا يحكم بما انزل الله وان المجتمع العربي كافر, لأن الذي لا يقاتل الكفار فهو كافر مثلهم ثم طاح فيه وفينا بقنابله ورصاصاته.. هل يتوجب علينا اذا نجونا من المذبحة ان نهتف بحياته لانه قام بتأديب الخارجين عن ثوابت الامة! اما اهم ما في الموضوع فهو سؤال لا يطرحه احد لان احدا لا يملك له اجابة هو: من هي يا ترى تلك الجهة التي ينبغي ان تناط بها مسئولية الحكم بأن فلانا قد خرج عن ثوابت الامة وما هي الاجراءات التي يتوجب عليها ان تتخذها لكي تتثبت من هذا الخروج وما هي العقوبات التي يجازى بها الخارجون عن تلك الثوابت؟ هل نترك ذلك لكل ـ ولأي ـ انسان يسير في الشارع فيلاحظ ان واحدا او اكثر يقومون بسلوك يعتبره خروجا عن ثوابت الامة فيطبق في رقبته ويصيح: الحقونا واحد خارج عن ثوابت الامة اللي يحب الامة يضربه بالبرطوشة القديمة, ام نترك الامر لنقابة الصحفيين المصريين بعد ان تغير اسمها الى (نقابة ثوابت الامة) ؟ نحن في الواقع امام مصطلح هلامي غير محدد الملامح لا يفصح احد ممن رفعوه شعاراً عما يقصده منه تحديدا ولا يحدد الافعال المؤثمة التي يمكن اعتبارها خروجا عن الامة ولا الجهة المنوط بها التثبت من هذا الخروج ولا العقوبات التي توقع على القائمين بهذا الخروج وهو امر منطقي لاننا لسنا امام فكرة قابلة للنقاش, ولكن امام محاولة جديدة لاستثمار الدين لاهداف سياسية رخيصة تقوم بها احزاب او تيارات سياسية تريد ان تفرض شعاراتها على الجميع باعتبارها ثوابت لا يجوز لاحد الاختلاف من حولها. اما الهدف السياسي الذي يقصد اليه من يروجون لهذه الفكرة فهو اضفاء القداسة على شعاراتهم السياسية وتحصينها ضد النقد وضد الاختلاف بدعوى انها ثوابت لا يجوز الخروج عنها او الخلاف معها وبالتالي فلا يوجد حزب او مدرسة فكرية غير حزب الثوابت واذا وجد يعتبر لاغيا. وليس غريبا ان الطرفين المتحالفين اللذين يرفعان هذا الشعار لا يتفقان كالعادة فيما بينهما على تحديد ما هي (ثوابت الامة) فالقوميون مثلا يعتبرون القومية العربية من ثوابت الامة وبالتالي الوحدة العربية بينما يعتبر الاسلاميون القومية العربية مؤامرة حيكت في أروقة وزارات المستعمرات الاوروبية منذ اواخر القرن التاسع عشر بهدف تفكيك الخلافة الاسلامية لذلك لا يعترفون الا بالنزعة الاسلامية ويسعون للوحدة الاسلامية لا للوحدة العربية! والقوميون لابد ان يكونوا علمانيين لان الدولة القومية تسعى لتوحيد الوطن الذي ينطوي على اعراق متعددة واديان متعددة والدولة التي تضمهم لابد وان تساوي فيما بينهم في حقوق المواطنة طالما انهم جميعا يتساوون في دفع الضرائب وفي اداء الخدمة الوطنية فإذا لم تفعل فإن ذلك يهددها بقلاقل وحروب اهلية تستنزف طاقتها وتخل باستقرارها وتشجع على التدخل الاجنبي في شئونها. والاسلاميون يعتبرون العلمانية كفرا والعياذ بالله وفيهم من لا يعترف بقاعدة المساواة في حقوق المواطنة ومن يصر على انه لو فتح الله بحكم البلاد فسيلغي قاعدة المساواة امام القانون التي تقوم عليها دساتير كل الدول القومية! وليس معنى ذلك كله ان الامة تفتقد لما يجمعها ويلم شملها والا ما كانت امة فنحن نشترك في الارض وفي التاريخ وفي الوجدان الروحي والنفسي وفي الثقافة وفي العادات والتقاليد ونتقارب حتى في ملامح الوجوه وتكوين الجمجمة ولون البشرة ومتوسط الطول ولنا جميعا مصالح مشتركة في استقرار اوطاننا وفي ازدهار حضارتنا وفي تحديث النظم التي تجمعنا وفي الدفاع عن حق كل منا في التمايز عن الاخرين! وحتى لو سلمنا جدلا بضرورة ان نتفق على ثوابت تجمع فيما بيننا فليس من حق احد ان يحدد هذه الثوابت بقرار منه او ان يعتبر رؤاه بما في ذلك تفسيره للدين هو التفسير الثابت والوحيد او ان يحتكر تمثيل المقدسات الدينية او يعتبر نفسه الممثل الشرعي الوحيد للوطن وينكر على المختلفين معه في الرأي او في الاجتهاد والشكل الوحيد للاتفاق من حولها هو ان تقنن في دساتير وقوانين يضعها ممثلون للأمة, وتقوم على تنفيذها سلطات ذات اختصاصات واضحة, يكون مصدرها جميعا الامة! والسؤال الان هو: اذا كان اسيادنا الذين في ادارة عموم ثوابت الامة ومقرها المبنى المؤقت لنقابة الصحفيين المصريين خلف قسم شرطة الازبكية بمصر المحروسة لا يتفقون فيما بينهم على هذه الثوابت فلماذا يريدون للأمة ان تتفق على ما لم تتفق عليه طوال تاريخها وما الذي جمع بينهم لكي يضعوا ميثاقا لحرية التعبير يلزم الجميع بثوابت الامة التي لا نعرف ما هي على وجه التحديد!؟ وما يجمع بينهم هو ائتلاف سياسي لتبادل الاصوات شاع خلال السنوات الاخيرة في انتخابات نقابة الصحفيين المصريين كما شاع في غيرها من النقابات ينطلق من مصالح حزبية ويأخذ في الممارسة شكل اتفاق يجمع بين اقليتين سياسيتين لا يوجد بينهما اي اتفاق في الاراء بل قد يكونون من الاعداء التاريخيين يتفقان على تبادل الاصوات الانتخابية بحيث يتقاسمان فيما بينهما الكعكة ليخدم كل منهم تياره ويتفاخر بتأثير سياسي لا قيمة له في الواقع. لذلك لم يكن غريبا ان يتجاهل مجلس نقابة الصحفيين الخروج السافر لجريدة الشعب عن ميثاق الشرف الصحفي بل وان يتجاهل خروج صحف اخرى عليه حتى لا يضطر لمحاسبتها واستمر في تجاهله حتى بعد ان اشعلت المقالات التي نشرتها الفتنة ولم يفتح فمه بكلمة الا بعد ان وقعت الازمة فعطلت الجريدة بالفعل فإذا به يصدر بيانا ملتهبا يعترض فيه على اغلاقها ويكرر وعده المأمول بأنه سيطبق ميثاق الشرف الصحفي بكل حزم في موسم المشمش المقبل, ويختمه بالدعوة لعقد مائدة مستديرة لمناقشة العلاقة بين ثوابت الامة وحرية التعبير تنتهي باصدار ميثاق شرف للحرية! ولو ان المجلس راجع نصوص قانون الصحافة وميثاق الشرف الصحفي لوجد فيه كل ما يبحث عنه فالقانون والميثاق الذي صدر تطبيقا له يحظران الدعوة لازدراء الاديان او التطاول عليها كما يحظران الطعن في ايمان الآخرين او تكفيرهم على صفحات الصحف. لكن المجلس الذي ادمن اصدار ميثاق الشرف تجاهل ان ثوابت الامة التي يبحث عنها موجودة في ميثاقه وقرر اصدار ميثاق جديد تطبيقا للمثل الشعبي الذي يقول: واحد شال معزة برك قالوا هاتوا الثانية! او بتعبير ادق: واحد شال ميثاق برك قال هاتوا الثاني.