في شموخ رحل الرئيس السوري حافظ الاسد بعد مسيرة مشرفة من النضال العربي دامت ثلاثة عقود جسد خلالها بسالة المقاتل والمحارب الذي لم يضعفه تكاثر السهام ولم تنل من عزيمته نكسة الخامس من يونيو 1967 بل استمد منها وقود وثباته القومية وانطلاقاته لتصحيح مسار سوريا واعادة بناء دولتها وجيشها. ففي الفترة الحالكة من تاريخ امتنا ما بين نكسة يونيو 67 وانتصار اكتوبر المجيد 1973 يقف الاسد كأحد صناع النصر العربي الى جوار رفيق دربه على طريق التحرير المصري الراحل انور السادات. فلقد ادرك الاسد مبكرا ان النصر على العدو الصهيوني لا يأتي مجانيا ولا ينال بالأماني, وترسخ في ضميره درسا نكبة 1948 ونكسة 1967, ورأى بوعيه التاريخي ان الهزيمة ترافق الانقسام والتشرذم وتسير خلفه كظله وان النصر بابه التضامن العربي ولم شمل الامة وهكذا انتقل الاسد عبر حركته التصحيحية في بدايات السبعينيات من صفوف المقاتلين كوزير للدفاع الى قمة هرم السلطة وتولى عبء قيادة سوريا وبناء دولتها الحديثة وتحقيق وحدتها الوطنية ثم الانتقال الى وصل ما انقطع مع الشقيقة مصر وتضميد جراح الانفصال. واثمر التنسيق المصري السوري خلال مرحلة الاعداد لحرب اكتوبر ـ تشرين عن الحاق اول هزيمة عسكرية بالعدو الصهيوني ادت الى تحطيم اسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر. وتحول الاسد الى مفاوض عنيد ومحنك وشرس بعد ان سكنت مدافع حرب اكتوبر واصبح اللاعب الاستراتيجي الاول طيلة الثمانينيات والتسعينيات وتمكن من افشال كل المخططات الصهيونية لعزل سوريا عربيا واقليميا او اضعافها لجرها الى مفاوضات الاذعان ونجح الاسد طيلة مسيرة المفاوضات المراوغة مع الوسطاء الامريكيين في جعل تحرير الارض العربية وعدم التنازل عن شبر واحد منها شرطا لأية تسوية سلمية. ورحل الاسد واقفا وصامدا منزها عن تقديم أي تنازلات للعدو, وفي الوقت نفسه مطالبا بسلام عادل وشامل... وهذا ما خلفه الاسد من ميراث يجب ان يحفظه من يخلفه.