هناك قضايا كثيرة في مجالات كالثقافة والاقتصاد والتربية والعلوم وغيرها, يمكن للناس والخبراء البت بشأنها واستخلاص الحقائق المتعلقة بها, دون كبير عناء, ومن غير اشكاليات كبيرة. فالأطباء مثلا يعرفون فوائد العلاج الكيميائي والشعاعي في مكافحة السرطان ومزايا استخدام اشعة الليزر، في وقف نزيف الشبكية لدى مرضى السكري.كما ان المختصين في الحواسيب يتقنون فن استخلاص المعلومات من شبكة الانترنت الدولية. وكذلك حال المخططين التربويين الذين يدركون خصائص الثواب والعقاب في تربية الاطفال. فهذه وغيرها صفحات مفتوحة لا يلفها الغموض ولا يكتنفها الابهام, وليس من مصلحة احد التعتيم على الحقائق المتصلة بها. وبذلك نستطيع قراءتها واستيعاب مغازيها بسهولة نسبية. ولكن الحال تختلف عندما نخوض غمار السياسة ونقتحم معتركها المظلم. فهنا تواجهنا ملابسات ومفارقات نجد انفسنا امامها حائرين ومكتوفي الايدي وعاجزين عن تفسير وتعليل الكثير من الظواهر السياسية المختلفة فهل الحل السلمي, على سبيل المثال, ام وضع اللاحرب واللاسلم, ام الكفاح المسلح, هو الذي يحقق للعرب مستقبلا افضل؟ وهل الزعيم المتشدد ام الزعيم المعتدل, يعد الاقدر على خدمة قضايا الامة؟ وهل يحسن بنا ان نلتحق بقطار العولمة, ام ان نبقى محافظين على هويتنا القومية وتقاليدنا الخاصة؟ هل من مصلحتنا ان نصادق امريكا ام ان نعاديها؟ هذه وغيرها اسئلة ومسائل ليس بوسعنا اصدار احكام جازمة وقاطعة ونهائية بشأنها. واسباب ذلك عديدة. ولعل اهمها غياب حرية الصحافة مما يؤدي بالتالي الى تراجع الوعي وغياب الحقيقة السياسية الخاصة. ولكن هذه الحرية ليست مجال بحثنا واهتمامنا في هذا المقال بالذات الذي سنتعرض فيه لأمور اخرى, مثل المناورات التي يلجأ اليها السياسيون لتضليل خصومهم والتأثير في الجماهير تأثيرا مغرضا ولخلق انطباعات خاطئة لديها, لأهداف معينة. وكثيرا ما يتخذ هؤلاء السياسيون اجراءات وترتيبات ظاهرية تتناقض مع ما يفعلونه في السر والخفاء. وبذلك تختلط الرؤية وتتشابك المفاهيم ويتعذر الحكم السليم. وتعد التعمية الاعلامية ايضا من الاسباب الاخرى التي تؤدي الى اختفاء الحقيقة السياسية وتواريها عن الانظار. فهناك الاعلام الاحادي الذي يظهر ويبرز بعض الجوانب في قضية ما, ويخفي ويطمس جوانب اخرى منها مما يفضي عمليا الى حجب الرؤية السلمية. فلو افترضنا مثلا ان القضية المطروحة هي قضية التسوية السلمية فإننا نجد ان هذا الاعلام المغرض اما ان يظهر التسوية وكأنها البلسم والحل السحري لجميع المشكلات التي يعاني منها العرب او ان يصورها وكأنها خطر ماحق يهدد مصالحنا بالدمار. واذا تركنا الاعلام العربي, وانتقلنا الى الاعلام الامريكي او الاوروبي, نجد انه على الرغم من تعدديته وانفتاحه, كثيرا ما يخفي جوانب من الحقائق ويتستر على بعض الاخطاء, خدمة لمصالح معينة. وهذا يعني ان التعددية تكون احيانا نسبية بحيث يختفي بريقها ويغيب لمعانها, عندما تتناقض الحقائق الموضوعية مع المصالح. وبتعبير آخر, فإن الاعلام الامريكي مثلا على تعدديته يفضل احيانا طمس حقيقة معينة, اذا كان كشف هذه الحقيقة يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة. ونذكر ايضا الازدواجية السياسية بوصفها مسئولة الى حد ما عن غياب الحقيقة. فمرض الازدواجية او انفصام الشخصية او الشيزوفرينيا معروف في علم النفس. والمصاب به يتصرف في اوقات معينة, تصرفا يختلف عنه في اوقات اخرى,, مما يوحي وكأن للمصاب بهذا المرض النفسي شخصيتين مستقلتين. ومن اشهر الاعمال الادبية التي تصور هذه الحالة رواية الدكتور جيكل ومستر هايد. وهما مسميان لشخص واحد يسلك احيانا مسلك الخير ويتجه باتجاه الحق, وينحو في حالات اخرى نحوا شريرا ويركب مركب الباطل. وعلاج هذا المرض بيد الاطباء والمحللين النفسيين. ويتخلل حياتنا الاجتماعية نوع من الازدواجية لا يقل خطرا عن الشيزوفرينيا النفسية وهو يتجلى في صور عديدة لا تقع تحت حصر. فالكثيرون من الناس يقولون امام الآخرين اشياء لا يؤمنون بها في اعماقهم وغالبا ما يعبرون عن افكار وآراء تتناقض مع ما يحملونه منها في داخلهم. كما ان العديد من الافراد يفعلون في حياتهم العامة بشتى مناحيها عكس ما يتكلمونه امام الغير ولا يفوتنا ايضا كيف يمدح الاقارب والاصدقاء ويشيدون ببعضهم بعضا, عندما يلتقون وجها لوجه ثم يتحول هذا كله الى ذم وهجاء ونتف ريش ونميمة في حالة الابتعاد والغياب. ولعلنا نستذكر كيف يتم التصفيق والتهليل وسكب اقداح الولاء على زعيم ما, وهو يعتلي سدة الحكم ثم تنهال عليه الانتقادات اللاذعة واللعنات المريرة لدى اقصائه عن مقاليد السلطة وفقدانه صولجان السيادة. هذه كلها امثلة عن الازدواجية الاجتماعية التي لا تختلف كثيرا عن الازدواجية السياسية. ففي الحالة الثانية نجد رجال السياسة يعقدون اللقاءات والمباحثات والمؤتمرات ويتدراسون القضايا المختلفة. وعندما تصدر البيانات الختامية او تجري المؤتمرات الصحفية, نكتشف ان كثيرا مما يرد فيها يختلف كل الاختلاف ويبتعد ايما ابتعاد عما تم بحثه في الاجتماعات. ومن جهة اخرى فإننا كثيرا ما نسمع الزعماء السياسيين يدلون بأقوال جميلة حول تمسكهم بمصالح الشعوب ومستقبل الاجيال ونصرة الفقراء ولكننا نجد للأسف ان افعال هؤلاء وممارساتهم على ارض الواقع, تقف على طرفي نقيض مع ما يرفعونه من شعارات. ونستطيع ان نضيف الى ما سبق الحرب النفسية التي يشن اصحابها حربا كلامية يوردون من خلالها اخبارا غير صحيحة بهدف بث الرعب واثارة البلبلة في صفوف اعدائهم, وهكذا فإن حجب حرية الصحافة والتعمية الاعلامية والمناورات والازدواجية السياسية وكذلك الحرب النفسية الكلامية هي من بين الاسباب التي تجعل الجماهير عاجزة عن تفسير الاحداث السياسية ومعرفة اسرار ما يجري وراء كواليسها الغامضة وفي متاهات دهاليزها المظلمة. ولا شك ان نخبة المفكرين لا تنطلي عليهم الخدع والتضليلات السياسية وهم اقدر من غيرهم على كشف النقاب عن الحقائق السياسية. ولكن من الضروري ان يعمل المثقفون والناس العاديون على محاولة استخلاص الحقائق من ظواهر ومقاييس بعيدة عن التضليلات الاعلامية والكلامية فإذا اردنا مثلا ان نحكم على نظام ما في دولة نامية من حيث كونه مخلصا لشعبه ام لا يجب علينا قبل اي شيء آخر عدم النظر في الكتابات الدعائية التي تمجد او تشكك في هذا النظام وبدلا من ذلك يحسن بنا ان نلجأ الى مقاييس موضوعية تمكننا من الحكم السليم. ومن بين هذه المقاييس: أ ـ مدى توافر حرية الكلمة. ب ـ الحالة المعاشية للمواطنين. جـ ـ انتشار او انحسار الفساد. د ـ اوضاع حقوق الانسان. هـ ـ مقدار رعاية العلم وتكريم العلماء. فمثل هذه المقاييس لا التهويشات الاعلامية هي التي يمكن ان تكشف لنا عن الحقائق السياسية المتعلقة بإخلاص نظام ما او عدم اخلاصه. وهذا ينطبق على المسائل السياسية الاخرى, بمعنى اننا اذا اردنا معرفة الحقائق المتعلقة بوضع سياسي معين, فإن علينا ان نبحث عن المقاييس الموضوعية التي تسمح بالحكم على هذا الوضع بعيدا عما تصافح آذاننا من تصريحات ودعايات واقوال اعلامية مغرضة, تشوه الواقع القائم وتحجب الرؤية الصحيحة وتطمس الحقيقة الموضوعية.